خبر الان

تفاقم الأزمات في لبنان… هل نعاني من البلوتوقراطية أم من أزمة حكومية؟

لبنى عويضة… خاص الرقيب:

ليس باستطاعة أي طبيب أن يعالج مريضاً رافضاً لأخذ الأدوية العلاجية لمرضه، ولا شك أن لبنان سيضطر لتلقي الدواء المرّ ليتخلّص من البلوتوقراطية المسيطرة على زمام أموره كافة.

بداية، البلوتوقراطية هو مصطلح إغريقي، وينقسم إلى بلوتوس (الثروة)، وكراتوس (السلطة أو الحكم)، وهو ما يعني سلطة الثروة، وبمعنى أصح هي النظام السياسي الذي تمسك بزمام أموره طبقة الأغنياء وأصحاب الثروات، وهي مختلفة عن الأوليغارشية، إذ أن الأخيرة تعني حكم الأقلية والتي من الممكن أن تتوزع بين دينية أو عرقية أو اجتماعية…
بالمقابل، بعدما حلّت الأزمة الاقتصادية بلبنان، بدأ المجتمع يشهد تداثراً للطبقة الوسطى تدريجياً، وتراجعت أعداد المنتمين إليها حتى أخذت تتلاشى؛ ونتيجة لذلك، فالمجتمع اللبناني اليوم ينقسم إلى طبقتين متمايزتين بشكل واضح وصريح، وهما الفقراء والأغنياء.

وبالرغم من كون ظهور العولمة أدى لاندثار البلوتوقراطية التي سادت فيما سبق داخل المجتمعات القديمة، إلا أنها اليوم تظهر على شكل تسخير موارد الدولة لخدمة ثرواتهم في المقام الأول، وتكون مشاريع البلوتوقراطيين لها الأولوية على حساب المشاريع الأخرى ولو كانت تعود بالفائدة على شريحة واسعة من المجتمع، كذلك من سماتها إعادة توزيع الثروات بشكل غير عادل، وتبلور الفجوة الاجتماعية الضخمة بين الأثرياء والفقراء، والأهم هو إنتشار الفساد في مختلف مفاصل الدولة، وما كان يعرف سابقاً بـــ”الشركات المتعددة الجنسيات”، باتت اليوم هي صاحبة النفوذ عبر أصحابها، وهو نفوذ يتفوق على نفوذ الدولة وتخضع لقوانينها المؤسسات الأخرى، سواء كانت وطنية أو دولية.

لذا لا بد من القول بأن السلطة اليوم هي في يد أصحاب المال، سواء أكانت متخلفة أو متقدمة اقتصادياً.
هذا ما يظهر في لبنان مع اشتداد المطالبة بخصخصة مؤسسات الدولة بالكامل، مما يحوّل الديمقراطية – والتي ما هي اليوم إلا شعارات- إلى مجرد سلعة؛ بالتالي فصناعة القرار السياسي يقع في يد المرجعية السيو-اقتصادية أو حيتان المال.
كما أن ثقافة الاستعطاء التي قام بعض السياسيين بتلقينها للمجتمع عبر الإذلال والتخبّط، ماهي إلا صورة عن البلوتوقراطية المبطنة، ولطالما نشهد انتشارها مع غياب القادة السياسيين الحقيقيين، أو بالأحرى السعي لإقصائهم عن السلطة، لذا باتت البلوتوقراطية إيديولوجيا آسنة ومنتجة، وخلّفت ثقافة اليأس والبربرية والعنف والإرهاب.

وهذا ما يظهر عبر تأجيج الشارع وزرع الفتن من قبل بعض السياسيين، أولئك الذين صبّوا جمّ جهودهم في جعل الاقتصاد اللبناني يعمل باتجاه واحد لمصلحة تركيز المزيد من الثروة والموارد في أيدي القلة على حساب الأكثرية، وتركيز المنافع في المشاريع السهلة على حساب الانتاج، وفرض العمل والرفاه الاجتماعي.
أما مع المطالبة بالاصلاحات، فيبدو أن الحكومة ليست الحل، بل المشكلة، فحيث أن دور الحكومة يعتبر أساسي في مواجهة تأثيرات السوق وتوفير فرص متساوية للمواطنين، ففي لبنان تركز الحكومة على التخلي عن مبدأ تكافؤ الفرص. وهذا أدى إلى تراجع فرص التعليم والنجاح، وزيادة فرص النجاح للأفراد ذوي الدخل العالي، وهو أمر يتعارض مع مبدأ الجدارة، كذلك يظهر عبر تراجع جودة التعليم في المدارس الرسمية.

في هذا السياق، يعيش المجتمع اللبناني حاليًا تحدٍ كبيرًا وأزمة مبطنة، حيث يجب عليه أن يواجه تحديات البلوتوقراطية ويستعيد توازن النظام الديمقراطي. ويتطلب ذلك اعترافًا بوجود المشكلة والتحرك نحو تحقيق التغيير. كما يجب فرض حدود صارمة على استخدام الأموال، وتحفيز المثقفين والشباب على الانخراط في الحياة السياسية، بحيث تصبح الحكومة حلاً للمشاكل بدلاً من أن تكون جزءًا منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى