الصحافة اليوم 27-12-2023
تناولت الصحف اللبنانية الصادرة في بيروت صباح اليوم الاربعاء 27-12-2023 سلسلة من الملفات المحلية والاقليمية والدولية.
الاخبار:
إسرائيل: مأزق الخطوة التالية
الورقة المصرية: أفكار تناقض نتائج الميدان
لم تنطلق الاتصالات السياسية حول مستقبل الوضع في غزة بشكل جدي. ما جرى بحسب معنيين، لا يزال في إطار المساعي الآيلة إلى وضع تصور يمكن الاستناد إليه في مقاربة الحل عندما تصبح الولايات المتحدة مستعدّة لإجبار إسرائيل على وقف الحرب، حتى وصل الأمر بأحد المسؤولين البارزين في دولة عربية إلى القول: الكل ينتظر الميدان، وإسرائيل التي تواجه صعوبات كبيرة، لم تتعب، ولم ترفع الراية أمام المقاومة، فهي لا ترى أنها مضطرة لأي تنازل بعد كل الجرائم التي حصلت.وعلمت «الأخبار» أن الأفكار التي وردت في مسوّدة مشروع عرضته مصر على قوى المقاومة، سبق أن نوقشت مع الأميركيين ومع الإسرائيليين، وأن المصريين، أرادوا جس نبض الجانب الفلسطيني لناحية أمرين:
الأول: الاستعداد لمفاوضات تحت النار يقدّمون خلالها تنازلات في ملف الأسرى.
الثاني: فتح الباب أمام تسوية تقود إلى تركيبة حكم جديد في قطاع غزة.
وبحسب المعلومات، فإن قوى المقاومة، كانت على اطّلاع على الأفكار المصرية قبل سفر الوفود إلى القاهرة. ولكنها اتفقت على موقف لا يُترجم برفض صريح ومطلق للورقة، بل بإظهار الملاحظات التي تبيّن للمصريين أنها تعني عملياً رفضاً لأسس الورقة. وقال مصدر فلسطيني معني، إن القيادات الفلسطينية كانت صريحة للغاية مع الجانب المصري، لجهة أن أي تصور للحل إنما يستند عملياً إلى واقع الميدان، وأن قيادات المقاومة في غزة، تؤكد قدرتها على الصمود لفترة طويلة، وأن العدو هو من دخل في المأزق، وبالتالي، لن يكون هناك أي معنى لأي اتفاق لا يكون أساسه إعلان وقف الحرب وسحب القوات الإسرائيلية من كامل القطاع، والعودة إلى حدود السادس من أكتوبر. وانتهى الأمر على أن تعدّ قوى المقاومة مقترحات بديلة ترسلها إلى الجانب المصري.
ومن القاهرة، أفاد مراسل «الأخبار» ، بأن مصر بدأت تسلّم الملاحظات بخصوص المبادرة التي طرحتها لوقف الحرب، مراهنةً على إمكانية بلورة نقاط اتّفاق تنهي العدوان خلال الأسبوع الأول من الشهر المقبل كحدّ أقصى. ولهذه الغاية، تتواصل الاتصالات المصرية المكثّفة، خصوصاً مع الولايات المتحدة لدفعها إلى لعب دور أكبر في الضغط ليس على كيان الاحتلال فحسب، ولكن أيضاً على السلطة الفلسطينية للقبول بـ»إعادة تموضع»، وتقديم تنازلات تدعم التوجّه نحو وقف الحرب، والدخول في هدنة طويلة «مؤقتة»، إلى حين ترتيب الأمور.
أبلغ الفلسطينيون القاهرة، بأنه بعد كل ما حصل، لا يمكن لأي مبادرة أن تعيش ما لم تبدأ بوقف الحرب وانسحاب قوات الاحتلال
وعلى مدى الأيام الثلاثة الماضية، وصلت القاهرة ردود الفعل على مبادرتها، سواء من الفصائل الفلسطينية، أو السلطة، أو حتى الإسرائيليين الذين رحّبوا بالمرحلة الأولى، من دون إبداء الموافقة على الالتزام بالمرحلتَين الثانية والثالثة، إذ أصرّوا على احتفاظ تل أبيب بحقّ استئناف العمليات العسكرية، وهو ما عدّته مصر بمثابة رفض للمبادرة. وإلى الآن، تلقّى الجانب المصري ردود أربع جهات: الأول يشمل توافقاً بين حركتَي «حماس» و»الجهاد الإسلامي» على ضرورة وقف الحرب للبدء في التفاوض في شأن أيّ اتفاقات لاحقة، وباشتراط أن لا تُنجز عملية تبادل الأسرى على غرار الاتفاقات السابقة، وأن تضاف المجنّدات الإسرائيليات إلى صفقة العسكريين، وليس تلك الخاصة بالنساء والأطفال. ومن ناحية السلطة الفلسطينية، جاء الرد بالرفض السريع، علماً أن فكرة حوار وطني يدمج «حماس» في إطار «منظمة التحرير الفلسطينية» وإنْ كان مطروحاً ضمناً في إطار المبادرة، إلا أنه لم يجرِ الاتفاق على الخوض في تفاصيله باعتباره مؤجّلاً إلى المرحلة الثانية.
وفي هذا المجال، طلبت مصر من الولايات المتحدة ممارسة ضغوط على السلطة الفلسطينية لدعم الحوار، والإسراع في تنفيذ ما يجري الاتفاق عليه، علماً أن ثمّة إشكالية لم تتبلور طريقتها لمعالجتها حتى الآن، مرتبطة بصعوبة تقبّل «المجتمع الدولي» إدماج فصائل المقاومة في النظام السياسي الفلسطيني، ما قد يدفع إلى الاستعانة بقيادات من الصفوف الدنيا لتولّي المناصب السياسية، في إطار صفقة من التفاهمات تضمن تخلياً نظرياً عن السلطة، وتواجداً فعلياً فيها من خلال ممثّلين وتابعين. أمّا في كيان الاحتلال الإسرائيلي، فيبدو الوضع ملتبساً، ما بين موافقة سريعة على تنفيذ تبادل الأسرى، واعتراض على المرحلتَين الثانية والثالثة من المبادرة، ورفض أيّ انسحاب أو إعادة تموضع عسكري للقوات البرية الموجودة داخل القطاع.
وتسعى مصر، راهناً، إلى معالجة جزء من الخلل في المبادرة، والمرتبط بما يريده كل طرف، بما في ذلك عملية تبادل الأسرى ومبدأ «الكل مقابل الكل» الذي تطالب به الفصائل بينما ترفضه إسرائيل. وبحسب مصدر مصري تحدّث إلى»الأخبار»، فإن القاهرة تسعى إلى تحقيق توازن بين ما تريده المقاومة وما يريده الاحتلال، وهو ما تجري مناقشته في اتصالات على أعلى المستويات. ويشير المصدر إلى أن مفاوضات مطوّلة تجري مع الأطراف كافة، وسط ترقّب لعودة وفد من «حماس» قريباً إلى القاهرة. وفيما رفضت «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى، في الأيام الماضية، مقترح وقف جزئي لإطلاق النار يرافقه تبادل للأسرى، مؤكّدة أنها لن تقبل بأيّ حديث عن التبادل من دون وقف العدوان على غزة، أعاد القيادي في «حماس»، أسامة حمدان، التأكيد أن «ما نريده هو الوقف الشامل للعدوان على غزة»، مشيراً إلى أن ثمّة «الكثير من المبادرات والأفكار المطروحة».
في هذا الوقت، وفيما بات معروفاً أن وزير «الشؤون الإستراتيجية» الإسرائيلي، رون ديرمر، توجّه إلى واشنطن «لبحث الصراع في غزة وإعادة الرهائن الذين تحتجزهم حماس»، وفق ما أعلن البيت الأبيض، أفاد مسؤول أميركي، موقع «أكسيوس»، بأن الزيارة تأتي في سياق المناقشة بين إدارة جو بايدن، وحكومة بنيامين نتنياهو حول «كيفية إنهاء الأمور» في قطاع غزة، و»في أيّ إطار زمني»، أي «الموعد الذي يجب أن تنتهي فيه المرحلة العالية الكثافة من الحرب وماذا سيحدث في غزة بعد ذلك». ومن جهته، أفاد مسؤول إسرائيلي، الموقع، بأنه «من المتوقّع أن يناقش ديرمر خطط إسرائيل للمرحلة المنخفضة الحدّة من الحرب، والتي يتوقّع المسؤولون الإسرائيليون أن تبدأ بحلول نهاية كانون الثاني، وكيف ستتم إدارة الشؤون المدنية في غزة في المرحلة الانتقالية الطويلة المقبلة».
أميركا تروّض إسرائيل بالتدريج: لتصغير الأهداف… ولو بعد حين
عادت إسرائيل إلى المربع الأول، في حرب بدأتها ولا تعرف كيف تنهيها بما يتوافق مع مصالحها وأهدافها. فبعدما توصّلت مع الولايات المتحدة إلى اتفاق على تمديد الحرب «العالية الكثافة» حتى الأول من الشهر الحالي، عادت ومدّدتها من جديد إلى منتصفه، فيما هي الآن تطلب تمديداً جديداً حتى منتصف الشهر المقبل. ويعني ذلك استمرار المعضلة التي تدفع إلى ترحيل الانتقال من المرحلة الثانية إلى المرحلة الثالثة، وفقاً للخطة الإسرائيلية نفسها الموضوعة للعملية البرية؛ إذ إن الأهداف التي وضعها جيش الاحتلال للثانية لم تتحقّق، فيما تطلّعات إسرائيل «الدولة»، كما المؤسسة العسكرية، وأيضاً رأس الهرم السياسي، أي رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وكذلك الجمهور، لا تتيح إقفال هذه المرحلة من دون منجز. ولذا، تسعى إسرائيل إلى تطويلها، مراهِنةً على إمكانية تحقيق ولو شيء منها، مع مرور الوقت.
لكن تبقى لمواصلة الحرب «العالية الكثافة» أثمان تدفعها إسرائيل يومياً، ما يجعل هامش المناورة زمانياً ومكانياً، محدوداً نسبياً. أما عوامل الضغط الأخرى، والتي يجري الحديث عنها بين الحين والآخر، فليست ذات شأن وازن بما فيه الكفاية، وخاصة أن مصلحة الولايات المتحدة – الجهة القادرة على لجم إسرائيل – تراهن هي الأخرى على الأمر نفسه وتريد أن تنجز دولة الاحتلال أهدافها، التي هي أيضاً أهداف أميركية. أما الخلاف المتعلّق بالانتقال من المرحلة الثانية إلى الثالثة، فهو مرتبط بالترتيبات السياسية والأمنية لما بعد الحرب، ولا سيّما بعدما أدركت واشنطن محدودية الخيار البديل من حكم الفلسطينيين بغير أداة فلسطينية، وعادت تروّج لعودة سلطة رام الله إلى حكم القطاع، فيما إسرائيل، وتركيبتها الحاكمة حالياً، ترفض خيار السلطة من الأساس، الأمر الذي يدفع إلى تظهير هذا الخلاف بين الجانبين.
مع ذلك، ورداً على طلبات جعل الحرب بلا آفاق زمنية، الآتية من نتنياهو وكبار مسؤولي ائتلافه وكبار مسؤولي المؤسسة العسكرية، تضغط واشنطن على تل أبيب بشكل غير مباشر، وسط إدراكها، أكثر من أي وقت مضى، أن القضاء على حركة «حماس» هدف صعب التحقق، ودونه عقبات ميدانية لا يبدو أنها قابلة للحل. وفي هذا الإطار، يأتي إبطاء إرسال الذخائر العسكرية إلى الجيش الإسرائيلي، الذي يدرك أن الحرب لا يمكن أن تستمر من دون هذه الإمدادات. وعلى خلفية ما تَقدّم، تأتي زيارة وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون دريمر، المقرب جداً من نتنياهو، لواشنطن، للقاء كبار المسؤولين في الإدارة، ومن بينهم مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، ووزير الخارجية، أنتوني بلينكن، الأمر الذي يشير، مبدئياً، إلى نجاح الضغط الأميركي في تحريك نتنياهو للبحث في اليوم الذي يلي، والجدول الزمني للحرب. أيضاً، تأتي هذه الزيارة وسط ما يعانيه الجيش الإسرائيلي، ميدانياً، من إنهاك لقواته بعد ثمانين يوماً على الحرب، فضلاً عن خروج لواء «غولاني»، بالإضافة إلى عدد آخر من ألوية النخبة والوحدات الخاصة، من المعركة، فيما يجري الحديث عن سحب فرقة من أصل ثلاث.
يعاكس الواقع آمال إسرائيل، كما الراعي الأميركي، بشأن ما يطرحانه على طاولة البحث من ترتيبات لما بعد الحرب
على أن خروج الألوية من غزة، وسواء كان نتيجة الإنهاك أو بفعل النقص العددي الناجم عن الخسائر أو من جرّاء العاملَين معاً، لا يغيّر من حقيقة المعطى الميداني المباشرة، وهو ما حصل للقوات الإسرائيلية في جميع محاور القتال على اختلافها. ولذا، كان لزاماً على الجيش أن يعمل على ما يسمّى «إنعاش» قواته، بالاصطلاح العسكري، الأمر الذي تُرجم سياسياً ببدء الترويج لصفقة تبادل جديدة مصحوبة بهدنة لا تقلّ عن أسبوعين، تتيح للعدوّ، أيضاً، التخفف من ضغوط الجمهور الإسرائيلي والأطراف الثالثة، وعلى رأسها الأميركيون. إلا أن حركة «حماس» والفصائل رفضت هذا الاقتراح – الفخ، وطالبت بحزمة متكاملة تتضمّن وقفاً للعدوان وإعادة الإعمار، وهو ما أظهر للإسرائيليين، كما للأميركيين، أن الرهان على تليين موقف المقاومة عبر الميدان لم يُجدِ نفعاً، ووضع واشنطن وتل أبيب مجدّداً أمام معضلة بلورة مخارج سياسية وأمنية للحرب، قبل الانتقال من مرحلة قتالية إلى أخرى. ومن شأن هذه المعضلة أن تستمر وتتعاظم، كلما ثبت فشل إسرائيل في إخراج حركة «حماس» والفصائل من معادلة ما بعد الحرب.
إزاء ذلك، بدأت تخرج تسريبات في الإعلام العبري عن أن ثمّة توجهاً إسرائيلياً للمطالبة بسلطة فلسطينية ذات هوية «إصلاحية»، تستبعد ما يزعج إسرائيل من واقع السلطة الحالية، وتبقي على ما يصبّ في مصلحتها. إلا أن هذه الخطة، التي قد تلقى قبولاً من نتنياهو و«تفهّماً» من حلفائه في الائتلاف الحكومي، ينقصها وجود مقوّمات سلطة من النوع المذكور، يتعذّر إيجادها أصلاً، فيما أيّ سلطة أقرب إلى إسرائيل من الحالية، ستكون إسرائيلية مع كوفية، وهو ما سيعيد دولة الاحتلال إلى ما تريد الابتعاد منه في قطاع غزة. وعلى أيّ حال، يعاكس الواقع آمال إسرائيل، كما الراعي الأميركي، ما ينبئ باضطرارهما إلى اللجوء إلى خيار يراعي وجود حركة «حماس»، الأمر الذي بدأت الولايات المتحدة تعدّ نفسها له، فيما إنكار هذا الواقع، نسبياً إلى الآن، لا يزال قائماً ومؤثّراً في الجانب الإسرائيلي.
مجلس الحرب منقسم: نتنياهو وفريقه يسوّفان «المرحلة الثالثة»
تستمرّ العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بوتيرة بطيئة وثقيلة، لا يتيسّر معها الانتقال من المرحلة الثانية الأكثر كثافة ونيراناً، إلى المرحلة الثالثة الأقل كثافة والأدقّ نوعياً، بحسب مزاعم العدو. ويكافح الجيش الإسرائيلي لإثبات تمكّنه من السيطرة على شمال القطاع، بعدما كان قد أعلن ذلك على دفعات، بدءاً ببيت حانون ثم مدينة غزة والشجاعية وجباليا وغيرها، ولكنّ التطورات الميدانية اليومية تثبت كذب ادّعائه، حيث لا يمرّ يوم واحد على كل هذه المناطق إلا وتتعرّض فيها قوات الاحتلال لهجمات من المقاومين، على شكل إغارة على تجمّعات الجنود، أو اصطياد الدبابات بالقذائف الصاروخية، أو القنص. وأخيراً، ازدادت عمليات التفخيخ والتفجير ونصب الكمائن لجنود المشاة، أثناء انتقالهم من منزل إلى آخر، أو من شارع إلى آخر. وتجري غالبية تلك العمليات في محاور جحر الديك وأحياء مدينة غزة وجباليا وبيت لاهيا، وهي مراكز ثقل المقاومة، والتي لا بدّ للعدو من السيطرة عليها في حال أراد إسكات نيران المقاومين، وضمان استقرار قواته بنسبة عالية من الأمان.وما تفنّده التطورات الميدانية وعمليات المقاومة من الادّعاءات الإسرائيلية الرسمية، تدحضه أيضاً شهادات الجنود وأحاديثهم البعيدة عن مقصّ الرقابة العسكرية. وفي هذا السياق، كتب اللواء احتياط في جيش العدو، إسحاق بريك، مقالاً في صحيفة «هآرتس» العبرية، أشار فيه إلى أنه «من المعلومات التي أحصل عليها من ضبّاط وجنود يحاربون في قطاع غزة، نستنتج أن الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، والمحلّلين العسكريين في القنوات التلفزيونية، يقدّمون معلومات مغلوطة بشأن آلاف القتلى في صفوف حركة حماس، والمعارك وجهاً لوجه بين قوّاتنا وبينهم (المقاومة)». وينقل بريك أن «الحرب في غالبيتها لا تجري وجهاً لوجه، ومعظم القتلى والمصابين من طرفنا (الإسرائيلي) أُصيبوا جرّاء عبوات ناسفة وإطلاق صواريخ مضادّة للدروع»، مضيفاً أن «عدد قتلى حماس جرّاء نيران قواتنا على الأرض أقل بكثير (مما يُروّج له)». وبناءً على ذلك، فإن «من الواضح أن الناطق باسم الجيش وكبار المسؤولين، يحاولون خلق صورة نصر قبل أن تتّضح الصورة، وهذا ضارٌّ للغاية». وبحسب بريك، فإن «الضباط الذين يقاتلون في غزة، قالوا إن تدمير أنفاق حماس سيستغرق سنوات، وسيكلّفنا الكثير من القتلى»، مؤكدين أنه «سيكون من المستحيل منع الحركة من إعادة بناء نفسها».
وعلى الرغم من القناعة التي ترسّخت لدى كثيرين من المراقبين والصحافيين، حول إخفاء العدو الأرقام الصحيحة لخسائره البشرية والمادية، وذلك بناءً على أدلّة واقعية ومُثبتة ومتكرّرة، إلا أن ما تسمح الرقابة العسكرية بنشره فقط، كافٍ للدلالة على شراسة القتال في قطاع غزة، سواء في جنوبه أو شماله. ومساء أمس، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل 9 جنود في معارك غزة وعلى الحدود مع لبنان. وكان قبل ذلك بساعات قليلة، أُعلن عن إصابة 43 جندياً وضابطاً خلال 24 ساعة فقط. وتركّزت الاشتباكات، الثلاثاء، في مناطق شمال القطاع، وتحديداً في أحياء مدينة غزة، حيث دارت اشتباكات ضارية في منطقة شارع النفق، وفي جحر الديك جنوب شرق المدينة، وسط قصف مدفعي مكثّف. وأعلنت «كتائب القسام» عن عدد من العمليات، منها «تمكّن مجاهديها من تفجير عين نفق مفخّخة بقوة صهيونية مكوّنة من 8 جنود شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة وأوقعوها بين قتيل وجريح». كما أعلنت «سرايا القدس» عن عملية مشتركة مع «القسام»، «تمكّن فيها المقاومون من الإجهاز على قوة صهيونية متحصّنة في أحد المنازل في منطقة جباليا البلد شمال القطاع، بالأسلحة الرشاشة وبقذائف الـ«TBG»، ما أدّى إلى إيقاع القوة بين قتيل وجريح». كذلك، أعلنت «سرايا القدس» قصفها مجدداً عسقلان وسديروت ومستوطنات غلاف غزة الشمالي، مرتين على التوالي، برشقات صاروخية.
برز انقسام داخل «مجلس الحرب» حول موعد الانتقال إلى المرحلة الثالثة
وبينما يدفع الجيش الإسرائيلي بقوات «الفرقة 36» في محور هجوميّ جديد على مخيم البريج وسط القطاع، كانت المعطيات الواردة من الشمال تفيد بانسحاب أعداد كبيرة من آليات العدو من مناطق عديدة، في ما يبدو وكأنه انتقال بطيء وعلى مراحل إلى المرحلة الثالثة من العمليات العسكرية، والتي من المفترض أن يكون بموجبها انتشار القوات محصوراً في حزام حدودي ضيّق. وفي هذا السياق، قالت «القناة 12» العبرية إن «الجيش الإسرائيلي يتحضّر لتغيير إستراتيجيته العسكرية في قطاع غزة بعد التوصّل إلى قناعة بأنه لن يتم القضاء على حماس خلال الفترة القريبة ضمن العملية العسكرية البرّية»، في حين أكّدت «القناة 13» وجود «خلافات في مجلس وزراء الحرب بشأن استمرار المرحلة الحالية من الحرب». لكن، في المقابل، شدّد رئيس هيئة الأكان في الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، على أن «الحرب ستستمرّ عدة أشهر أخرى، وسنعمل في غزة بطرق مختلفة حتى تفكيك حماس»، معيداً ترداد مزاعم «الاقتراب من تدمير حماس في شمال غزة». كما أكّد هاليفي مواصلة الحرب «أسابيع أو شهوراً للوصول إلى قيادة حماس»، مضيفاً أن «القصف الجوّي سيتواصل من دون توقف لدعم قواتنا على الأرض». ومن الواضح أن قيادة الجيش تشدّ الحبل لصالح توسيع العمليات العسكرية، ومنحها مزيداً من الوقت؛ إذ ليس بيدها اليوم، ما تخرج به إلى الجمهور أو لجان المحاسبة، ويمكن أن يعفيها أو يخفّف عنها مسؤولية الفشل الذريع في تنبّؤ عملية «طوفان الأقصى»، وحتى التعامل معها.
وفي هذا الإطار، برز انقسام داخل «مجلس الحرب» حول موعد الانتقال إلى المرحلة الثالثة، حيث يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن، يوآف غالانت، في اتجاه استمرار الحرب بوتيرتها الحالية حتى نهاية كانون الثاني/ يناير المقبل. في المقابل، يرى الوزيران بيني غانتس وغادي آيزنكوت، أنّه يجب على الجيش الانتقال إلى المرحلة الثالثة في أسرع وقت ممكن. ونقلت «القناة 13» عن آيزنكوت وغانتس قولهما إن «الجيش استنفد ما أوكل إليه في بعض الأمكنة، ولا داعي لإبقاء ألوية كاملة هناك». ودعوَا إلى «بدء مداولات المنطقة العازلة والانتقال إلى المرحلة المقبلة». وقال آيزنكوت وغانتس إنّ «الانتقال إلى المرحلة الثالثة يتيح نقل الغزّيين من الأماكن التي لم يجرِ جيش الاحتلال فيها عمليات بعد». من جهة أخرى، كشفت «القناة 12» الإسرائيلية أنّ «قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية طالبوا نتنياهو بعقد جلسة خاصة لنقاش السيناريوهات المستقبلية لمصير غزة ومن سيحكمها بعد انتهاء الحرب، ثلاث مرات منذ السابع من أكتوبر، ولكنّ نتنياهو رفض ذلك».
خلايا المقاومة المتجدّدة: الوقت لمصلحتنا
غزة | لم يتبقَ في يد جيش الاحتلال سلاح، بعد أكثر من 75 يوماً من الحرب، سوى تدمير المزيد من الكتلة العمرانية ومضاعفة أعداد الشهداء والجرحى. خلا ذلك، تسبّبت مدّة الحرب الطويلة في زيادة تأقلم المقاومة وفهمها للسلوك العسكري الإسرائيلي، حتى بات يمكن القول إن المواطنين العاديين صاروا يمتلكون إحاطة مسبقة بالخطوة التالية لجيش العدو. ولعلّ أبرز ما كان ملاحظاً، في الأسبوع الماضي، هو تمكُّن كلّ من «كتائب القسام» و«سرايا القدس»، من إعادة شحن الخطوط الدفاعية بالرجال والعتاد، وتطوير التكتيكات العملانيّة التي أسهمت في زيادة نوعية العمل الدفاعي والمبادر، على نحو أسهم في زيادة الخسائر البشرية في صفوف جيش العدو من جهة، وقلّص الخسائر في الكادر البشري في صفوف المقاومة، من جهة ثانية.ومن المعروف ضمناً، أنّ زمراً قتالية لا يتجاوز تعدادها أصابع اليد الواحدة، هي مَن تتولّى مهمّة التصدّي في كل مربع سكني. وحين تستنفد تلك الخلايا مهامّها، تُستبدل بزمر جديدة، علماً أن مجموع الخلايا الفاعلة حتى اللحظة، لا يزيد على 20% من مجموع الكتلة العددية للمقاومة، فيما يبقى عشرات آلاف المقاومين على أهبّة الاستعداد في انتظار التكليف. طابع المناوبة هذا، منح المقاومة المساحة لاستدامة القتال، حتى في المناطق والأحياء التي بدأت فيها العملية البرية مبكراً. ففي بيت لاهيا وبيت حانون مثلاً، حيث بدأ التوغّل البرّي في الـ26 من تشرين الأول الماضي، أعلنت «كتائب القسام»، يوم الجمعة الماضي، أن مقاوميها نفّذوا عمليات التحام مباشر مع القوات الراجلة وحقّقوا فيها إصابات مباشرة، إذ تستغلّ المقاومة تقليص العدو قوّته البشرية والآلية في تلك المناطق التي يفترض أن العمل فيها انتهى، وتبدأ في إعادة ترميم خلاياها عبر خطوط من الأنفاق تحت الأرض، وحتى مسارات من فوقها.
العبوات الناسفة متوافرة على نحو غزير، ولا سيّما أن خطوط إنتاجها لم تتوقّف منذ أكثر من 15 عاماً
ماذا عن السلاح؟
لعلّ أحد أكثر الأسئلة التي تشغل الأهالي، وتقلق حاضنة المقاومة، هو إمكانية نفاد الصواريخ والقذائف المضادة للدروع، والتي هي عماد العمل الميداني. غير أن المفاجئ في هذا الشأن، هو أن «القسام» مثلاً، كانت قد نجحت في صناعة قذيفة «الياسين 105» التي أعلن عن دخولها الخدمة في معركة «طوفان الأقصى» الجارية حالياً، في عام 2017. ومنذ ذلك الحين، بقي هذا السلاح منجزاً سرّياً لم يَظهر في العروض العسكرية ولا المناورات التي تغطّيها وسائل الإعلام. ومعنى ما تقدّم، أن وحدات وورش التصنيع العسكري عملت طوال خمس سنوات في إنتاج هذه المقذوفات على نحو وافر، إلى جانب ما يصل إلى القطاع من أسلحة تقليدية موازية من مثل قذائف «آر بي جي» و«التاندوم B29». أما عن العبوات الناسفة، فتلك متوافرة على نحو غزير، ولا سيّما أن خطوط إنتاجها لم تتوقّف منذ أكثر من 15 عاماً. أيضاً، كشفت أوساط مقرّبة من المقاومة، لـ«الأخبار»، أن الفصائل توصّلت، قبل أكثر من سبع سنوات، إلى تقنية صناعة رصاص السلاح الفردي «كلاشنكوف» محلّياً، على رغم أن عملية إنتاجه تمرّ بنحو 60 عملية معقّدة، علماً أن المنتَج المحلّي أثبت نجاعة توازي الرصاص المستورد. وآخر الإحصائيات التي كشفها، لـ«الأخبار»، مصدر ميداني في «سرايا القدس»، كنّا قد التقينا به أثناء إعداد ملفّ عقب معركة «سيف القدس» في عام 2021، أن الحدّ الأدنى من مخزون قذائف الهاون غير المذخّر في الميدان، لا بد أن لا يقلّ في حدوده الدنيا عن 15 ألف قذيفة. وبطبيعة الحال، يتضاعف العدد المذكور مرات عدّة في حالة «كتائب القسام» بالنظر إلى حجم الإمكانات والموارد.
في خلاصة الأمر، تعيش المقاومة، في هذه المرحلة من الحرب، أوضاعاً ميدانية مستقرّة، إذ درس المقاومون عناصر الميدان، وتأقلموا مع ذروة الفعل الناري لوسائط المدفعية والطيران الحربي، بل وفهموا على نحو عميق سيكولوجية جنود العدو وطريقة عملهم. وكل ذلك، يقود إلى ثبات وعمل مستمرّ يمكن أن تلاحَظ نتائجه في أداء وفد المقاومة المفاوض خلف الكواليس، حيث الثوابت التي تحدّد مسارات إطلاق سراح الجنود الأسرى، والتمسّك بأنه لا تفاوض سوى بوقف كامل لإطلاق النار، وحتى الهدن المؤقتة التي كانت حاجة ملحّة في وقف سابق لإعادة تصويب مسار الميدان، لم تَعُد في هذه المرحلة حاجة يمكن أن تقدَّم في سبيلها التنازلات.
دار الفتوى تقمع المشايخ: انتقاد جعجع ممنوع!
نزل مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان على خاطر معراب والصيفي اللتين أزعجتهما تغريدات المفتش العام المساعد لدار الفتوى الشيخ حسن مرعب، فقرّر كمّ أفواه المشايخ ومنعهم من التعبير عن آرائهم ومواقفهم السياسيّة
الرسالة التي أوصلها رئيس حزب القوات اللبنانيّة سمير جعجع إلى دار الفتوى، احتجاجاً على مواقف المفتش العام المساعد لدار الفتوى الشيخ حسن مرعب من حزبه وحزب الكتائب على خلفية موقفيهما من الحرب على غزة والمقاومة ضد العدوّ الإسرائيلي في فلسطين ولبنان، لم تمرّ مرور الكرام. أيقظت الرسالة مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان من كبوته. فرغم أن «سماحته» لا يُحرّك ساكناً أمام الظروف المعيشيّة السيئة لأئمة المساجد والقضاة الشرعيين، وأمام تداعيات الأزمة على المؤسسات التابعة لدار الفتوى وأوقافها، ولم تحرّكه الأحوال المتردّية معيشياً وسياسياً للطائفة السنيّة، إلا أنه انتفض لإسكات المشايخ و«كبت أنفاسهم» كُرمى لعيون سمير جعجع وسامي الجميل. وللتذكير، الأول مدان بقتل رئيس حكومة سني، والثاني جهر منذ أسبوع بأن إسرائيل لا تعتدي على لبنان إلا دفاعاً عن النفس!لم يهن «زعل» جعجع على المفتي، فأصدر قراراً بقمع المشايخ ومصادرة آرائهم، في بيانٍ وزّعه المكتب الإعلامي الجمعة الماضي، وفيه أنه «بناءً على توجيهات مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، يمنع منعاً باتاً الإدلاء بتصريحات أو مواقف وآراء سياسية لجميع العاملين في الجهاز الديني والمؤسسات التابعة لدار الفتوى دون أخذ الإذن الخطّي المسبق من المديرية العامة للأوقاف الإسلامية والإدارات المعنية المختصة»، لافتاً إلى أنّ مفتي الجمهورية و«دار الفتوى لا تتبنّى أيّ رأي سياسي لا يصدر عنها مباشرة وترفض أيّ موقف يؤدي الى الفتنة أو الخلاف بين اللبنانيين».
طلبت دار الفتوى من الشيخ مرعب مسح تغريدات ينتقد فيها حزبَي القوات والكتائب
البيان صدر في اليوم نفسه الذي نشرت فيه «الأخبار» معلومات عن رسالة شديدة اللهجة وجّهها جعجع إلى دريان على خلفيّة مواقف مرعب. وتشير المعلومات إلى أنّ المسؤول الإعلامي في الدار خلدون قوّاص اتصل بداية بالشيخ مرعب، ناقلاً إليه رغبة المفتي بمسح كلّ التغريدات التي ينتقد فيها مرعب، جعجع ورئيس الكتائب النائب سامي الجميّل، فرفض مرعب طالباً التواصل مع المفتي لإقناعه بوجهة نظره. إلا أن دريان لم ينتظر الاتصال من الشيخ الذي يُعدّ أحد المقرّبين إلى دائرة «عائشة بكّار»، بل سارع إلى توزيع البيان.
مرعب رفض التعليق على قرار المفتي، مكتفياً بتغريدةٍ على صفحته على منصّة «اكس» أكّد فيها «أننا لا ننكسر، نموت أو ننتصر»، ونقل عنه مشايخ أنّه لن يتمرّد على قرار دار الفتوى، لأنّه «حريص على موقع الإفتاء». فيما اعتبر مشايخ تحرّك دريان بناءً على رغبات الجميّل وجعجع «معيباً في حق الطائفة»، لافتين إلى أنه لم يسبق أن طلبت دار الفتوى، في السنوات السابقة، من بعض المشايخ تهدئة خطابات كانت تؤجج الخلاف السني – الشيعي الذي كاد يشعل البلد في أكثر من مناسبة.
دار الفتوى التي يفترض أنها صوت الأمة وضميرها، ومركز بلورة الوعي السياسي المجتمعي في الشارع السنّي على مرّ المراحل السابقة، والتي كان يُرجى أن تستغلّ اللحظة الفلسطينية الراهنة لإعادة الطائفة السنية إلى موقعها الطبيعي تاريخياً بعد محاولات كثيرة لسلخها عن الأمة وقضيتها المركزية، قرّر دريان على ما يبدو أن يخضعها لإرادة جعجع، الساعي منذ «إقالة» سعد الحريري إلى وراثة طائفته وجمهوره. وقد لا يبدو غريباً، والحال هذه، أن يطلب رئيس حزب القوات، من الآن وصاعداً، فرض رقابة مُسبقة على خُطب أئمة المساجد، وربما تمريرها أوّلاً على «دائرة الاعلام والتواصل» في حزبه!
فصل خطيب مسجد!
حملة إسكات المشايخ وكبتهم طاولت أيضاً إمامَ وخطيبَ «مسجد أنس طبّارة» الشيخ حسن يموت الذي ركّز في خطبة الجمعة على زيادة الضريبة على الرسم البلدي. فما إن انتهت الخطبة حتّى تلقّى يموت اتصالاً من المدير العام للأوقاف الإسلامية الشيخ محمّد أنيس الأروادي أبلغه بقرار عزله عن الخطابة مدى الحياة. القرار الذي لاقى ردود فعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي سرعان ما جرى التراجع عنه، وهو ما يؤكّده يموت في اتصالٍ مع «الأخبار»، لافتاً إلى أنّه «تم إبلاغي التراجع عن القرار وذلك بعد تدارك الأمر».
وكانت الخطبة قد تطرّقت إلى الإعفاءات الضريبيّة التي تناولها بعض الشخصيّات، وتقصّد يموت الغمز من قناة النائب نبيل بدر، من دون أن يسمّيه مكتفياً بالحرفَين الأوّلين من اسمه وشهرته، ما أغضب بدر الذي سارع إلى الاتصال بالمعنيين في دار الفتوى. ويؤكد مشايخ أنّ قرار العزل كان شفهياً وقد أبلغه الأروادي إلى يموت خلال الاتصال بينهما، من دون أن يصدر بطريقة رسميّة.
مع ذلك، يوحي هذا الأداء داخل المؤسسة الدينيّة بالشموليّة التي يُريد دريان فرضها على المشايخ، ليكونوا جميعاً «على المسطرة» تحت طائلة الفصل والإجراءات العقابيّة، وهو ما يفعله دريان مع القضاة الشرعيين، إذ يُمارس رئيس المحاكم الشرعيّة السنيّة الشيخ محمّد عسّاف ضغوطاً على القضاة لتوقيع بيانات دعماً لقرار التمديد لدريان، تحت طائلة العقاب الذي ناله أكثر من قاضٍ، وآخرها إحالة القاضي الشيخ عبد العزيز الشافعي إلى مجلس التأديب لأنّه أعدّ دراسة قانونيّة متعلّقة بالقرار القضائي الصادر في موضوع وقف البر والإحسان.
في الخلاصة، تتحوّل دار الفتوى رويداً رويداً من مركزٍ سياسي سنّي جامع إلى حديقةٍ خلفيّة لبعض السياسيين الذين قرّروا تخليص حساباتهم مع بعض المشايخ، مستندين إلى إصرار «سماحته» على إحكام قبضته على المؤسسة الدينية!
تطبيق الـ 1701: تحويل التهديد إلى فرصة لـ«التحرير الرابع»
بعد 24 ساعة على بدء عملية «طوفان الأقصى»، أعلنت «المقاومة الإسلامية» جبهة جنوب لبنان مساندة لغزة، راسمةً خطاً أحمرَ هو «ممنوع هزيمة حركة حماس»، وبدأت عملياتها من فقء عيون العدو بإطفاء كل منظومات المراقبة التي زرعها على طول الخط الأزرق، إلى دكّ تحصيناته التي ظنّ أنها قادرة على حماية جنوده والمستعمرات الحدودية، فإذا بها تتحوّل إلى نقاط محروقة ومستعمرات فارغة.فجأةً، ارتفعت أصوات في الداخل وازدحمت المبادرات الخارجية لعدم إقحام لبنان في حرب شاملة، وترافقت مع تهديدات شبه يومية من العدو الإسرائيلي بـ«تحويل لبنان إلى غزة». إلا أن المقاومة تمكّنت من فرض إيقاعها على العدو، وظهّرت بشكل واضح ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة.
مع اقتراب الحرب من دخول شهرها الرابع، بدأت ترتسم بشكل واضح معالم الانتصار. وبعدما شهد مجلس الأمن، في السنتين الماضيتين، محاولات أميركية وإسرائيلية لتعديل القرار 1701، أصبح العدو الإسرائيلي متمسّكاً بحرفية هذا القرار كمخرج لحفظ ماء الوجه، وسارعت واشنطن إلى إرسال مبعوثها عاموس هوكشتين عارضاً معالجة موضوع مناطق التحفّظ اللبنانية. فهل تطبيق القرار 1701 لمصلحة لبنان أم ضدّه؟
مما لا شك فيه أن المقاومة قادرة على تحويل تطبيق الفقرات التي تعتبرها إسرائيل لمصلحتها إلى انتصار واضح للبنان، وذلك على الشكل التالي:
1- الفقرة الثامنة: في ما يتعلق بالدعوة إلى وقف دائم لإطلاق النار، ستوقف المقاومة إطلاق النار حكماً بعد إيجاد حلّ لمسألة غزة، خصوصاً أنها أعلنت مراراً أنها جبهة مساندة. أما بالنسبة إلى وقف الأعمال العدائية، فإن اللبنانيين سيشاهدون، ولسنوات طويلة، ارتداع العدو الإسرائيلي عن القيام بخروقات برية أو بحرية أو جوية بعدما كان يستبيح الأجواء اللبنانية فضلاً عن البحر والبر.
وحول ما ورد في هذه الفقرة لجهة «إنشاء منطقة بين الخط الأزرق وجنوب الليطاني خالية من أي أفراد مسلّحين أو معدات أو أسلحة بخلاف ما يخصّ حكومة لبنان وقوة الأمم المتحدة المؤقّتة في لبنان»، وهي التي يختبئ خلفها العدو الإسرائيلي لحفظ ماء وجهه أمام جمهوره، فهو سهل التطبيق بالنسبة إلى المقاومة، لأن عناصرها هم أهل الأرض، ولا يستطيع أحد اقتلاعهم من بيوتهم وأرضهم. فيما السلاح الخفيف والمتوسط موجود في حوزة الجميع على كامل الأراضي اللبنانية، ولم يُسجّل للمقاومة أي ظهور مسلّح في منطقة جنوب الليطاني منذ صدور القرار 1701 وحتى دخولها المعركة الحالية. أما السلاح الثقيل والإستراتيجي، فمن المنطقي أساساً أنه خارج منطقة جنوب الليطاني.
وفي ما يتعلق بمهمات قوات اليونيفل، فقد حدّدتها الفقرة الحادية عشرة بـ «مرافقة ودعم الحكومة اللبنانية»، ولا يحق لهذه القوات القيام بأي تصرف غير ما تطلبه منها الحكومة اللبنانية والحكومات المتعاقبة التي شرّعت دور المقاومة من خلال بند خاص في بياناتها الوزارية. أما بالنسبة إلى تذكير البعض بالقرار 1559، فإن هذا القرار ولد ميتاً ولم تتطرّق قوات الأمم المتحدة إليه أبداً طيلة فترة تطبيق القرار 1701.
2- الفقرة 12: وقد تضمّنت: «… يأذن لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان باتخاذ جميع ما يلزم من إجراءات في مناطق نشر قواتها وفي حدود قدراتها لكفالة ألا تستخدم منطقة عملياتها للقيام بأنشطة معادية من أي نوع…». يفهم البعض هذه الفقرة بأنها تسمح لليونيفل باستخدام القوة في تنفيذ مهامها، لكنّ التجربة أثبتت أن هذه القوات غير قادرة على ذلك لأنها تصطدم بمواجهة شعبية واسعة وبالقوانين اللبنانية التي تفرض عليها احترام الملكيات الخاصة وعدم الاقتراب منها وقد حصلت عدة حوادث اقتنعت اليونيفل بعدها بضرورة المحافظة على العلاقة الطيبة مع المواطنين اللبنانيين في منطقة عملياتها. وسمع اللبنانيون جميعاً بعد محاولات تعديل القرار 1701 كيف سارع قائد اليونيفل إلى إبلاغ المعنيين بأنه سيستمر في تطبيق مهمته من دون أي تعديل.
إنشاء منطقة بين الخط الأزرق وجنوب الليطاني خالية من مسلّحين سهل التطبيق لأن عناصر المقاومة هم أهل الأرض
3- راوغ العدو منذ إقرار القرار 1701 في تطبيق الفقرتين الخامسة (… يعيد تأكيد تأييده الشديد لسلامة أراضي لبنان وسيادته داخل حدوده المعترف بها دولياً حسب الوارد في اتفاق الهدنة عام 1949…) والعاشرة (تطلب من الأمين العام للأمم المتحدة «وضع مقترحات لترسيم الحدود الدولية للبنان ولا سيما في المناطق المتنازع عليها أو غير المؤكّدة بما في ذلك معالجة مسألة مزارع شبعا…)، محاولاً تكريس الخط الأزرق كخط حدود. أما اليوم، وبعدما أصبح تطبيق القرار 1701 مطلباً أميركياً وإسرائيلياً، فيمكن للمقاومة أن تستفيد من انتصارها العسكري لترجمته في تحرير الأراضي اللبنانية التي ما زالت محتلّة وهي: مناطق التحفّظ الثلاث عشرة، الجزء اللبناني من بلدة الغجر بالإضافة إلى مزارع شبعا.
وقد أعطت المقاومة قوة استثنائية للحكومة اللبنانية، وما على هذه الأخيرة إلا تجهيز نفسها لتحويل الانتصار العسكري إلى انتصار وطني تحرّر من خلاله الأراضي اللبنانية، وتجهيز فريق متخصّص وتحضير ملفها بشكل دقيق لاستثمار الانتصار على الشكل التالي:
أ – بالنسبة إلى مناطق التحفظ الثلاث عشرة: يجب التفاوض على أساس الحدود الدولية ورفض محاولات العدو للتفاوض على أساس الخط الأزرق الذي لا يعترف به إلا كما هو على الخريطة الورقية حيث تبلغ سماكته 50 متراً. وإضافة إلى هذه المناطق، يجب الانتباه إلى المراكز العدوّة التي تخرق الخط الأزرق ولو بمسافات بسيطة وعددها حوالي سبعة عشر، لذلك على الحكومة اللبنانية استخدامها في التفاوض للمحافظة على بساتين بليدا وبئر شعيب وبعض البساتين العائدة لأهالي عيترون.
ب – بالنسبة إلى الجزء اللبناني من بلدة الغجر: الخط الأزرق في هذه المنطقة مطابق لخط الحدود الدولية، والاحتلال الإسرائيلي لها هو خرق واضح للقرار 1701، لذا يجب المطالبة بالانسحاب الفوري من دون أي قيد أو شرط. وهنا يجب الانتباه هنا إلى وجود ثلاثة أنواع من الاحتلال:
الأول: هو احتلال لمنطقة غير مأهولة محاذية لبلدة الغجر تمتد من نهر الوزاني حتى بلدة العباسية، وهذه المنطقة خالية من أي وجود للعدو الإسرائيلي ولكنه يعلنها محتلة، علماً أنها حُررت عام 2000 وكانت دوريات الجيش اللبناني تدخلها بشكل دوري. لذا يجب التحرير الفوري لهذه المنطقة وانتشار الجيش اللبناني فيها.
الثاني: احتلال لمنطقة مأهولة بالسكان موجودين بحكم الأمر الواقع، وهم من التابعية السورية ويحملون الجنسية الإسرائيلية استغلوا فترة الاحتلال الإسرائيلي لمنطقة الشريط الحدودي وغياب الدولة اللبنانية لعشرات السنين فتمدّدوا داخل الأراضي اللبنانية في خراج بلدة الماري، وبنوا منازل وبنى تحتية بشكل غير شرعي. وهنا يعيق الوضع الإنساني الحل. ولكن لا بد من الانسحاب الإسرائيلي العسكري كما كان حاصلاً عام 2000، ثم تحميل الأمم المتحدة مسؤولية الحل. وقد سبق أن عرضت على الأهالي إخلاء منازلهم مقابل بدلات مادية لبناء منازل بديلة جنوب الحدود الدولية. بالتوازي، يحق للدولة اللبنانية مطالبة العدو الإسرائيلي بدفع تعويضات مادية عن استخدام الأراضي اللبنانية لعشرات السنين.
الثالث: يتمثل بضخ المياه من نبع الوزاني إلى بلدة الغجر رغم أن النبع هو في الأراضي اللبنانية والمضخّات الإسرائيلية هي في الجهة اللبنانية، ويطلب أهالي الغجر عبر اليونيفل الدخول إلى الأراضي اللبنانية لإصلاح هذه المحطة عند تعطّلها. فإذا كانت الموافقة اللبنانية هي لأسباب إنسانية، فلا بد من التأكد من كمية الضخ ووقف السرقة التي يقوم بها العدو تحت غطاء أهل الغجر. لذا لا بد من ضبط عملية الضخ بطريقة عادلة بحيث لا يجوز أن يكون معدّل الاستهلاك اليومي للفرد في الغجر 200 ليتر في حين أن المعدّل في بلدة عرب الوزاني اللبنانية لا يتجاوز 40 ليتراً.
ج- بالنسبة إلى مزارع شبعا: هذه المزارع هي من دون أي شك لبنانية، ولكنّ هناك تقصيراً لبنانياً مزمناً تجاه هذه المنطقة، إذ لم تعالج الحكومات المتعاقبة هذه المسألة للتوصل إلى إصدار خرائط صحيحة بالتنسيق مع الشقيق السوري. لذا فإن الفرصة مؤاتية الآن لتحريرها ولو اضطر الأمر لمرحلة وسيطة يتم خلالها وضعها تحت إشراف الأمم المتحدة.
ببسالة مجاهديها وحكمة قياداتها رسمت المقاومة معالم التحرير الرابع بعد أن حقّقت التحرير الأول في أيار 2000 بطرد العدو الإسرائيلي من الشريط الحدودي، والثاني في تموز 2006 بإلحاق الهزيمة المدوّية بجيشه وإخراجه من الأراضي اللبنانية التي احتلها، والثالث من خلال تحقيق الاتفاق البحري في تشرين الأول 2022 وإجبار العدو على الاعتراف بالخط 23 بعد أن كان يفاوض على الخط الرقم 1 وعلى خط هوف. وطبعاً كانت المقاومة حقّقت أكثر بكثير لولا الأخطاء المتراكمة التي ارتكبتها الحكومات المتعاقبة منذ خلق الإشكالية في عام 2006.
نعم حقّقت المقاومة انتصاراً جديداً يضاف إلى سجلّات انتصاراتها على العدو الإسرائيلي، ورسمت من خلاله معالم التحرير الرابع، فهل تعد اللبنانيين بالتحرير الخامس وهو تحرير الدولة من الفساد والفاسدين؟
اللواء:
الإحتلال يتمادى باستهدافاته.. ويعترف بـ 9 إصابات في مستوطنات الجليل
جنبلاط يعود بلا رئيس للأركان من بنشعي.. والعلية بعد «عيدية الكهرباء» يتهم فياض بالفشل
يمكن وصف يوم أمس عسكرياً في الجنوب بأنه يوم نوعي، لجهة استهداف المقاومة لمواقع الاحتلال في الجهة المقابلة للقرى الحدودية الجنوبية، التي ضربت بصواريخ بركان وإلحاق اصابات في صفوف جنوده، ويوم كمِّي لجهة توسع جغرافيا القرى والنطاقات السكنية المستهدفة بالقصف، الى منطقة ما بعد الليطاني وصولاً الى قضاء النبطية، اذ استهدفت جبشيت للقصف لاول مرة منذ اندلاع الحرب في غزة وعلى اهلها الآمنين المساكين، مع بروز تطور نوعي في المواجهة الاقليمية من بر الشام الى سواحل البحر الاحمر.. وإعلان الاحتلال حصول 10 اصابات على الجبهة الشمالية مع لبنان.
محلياً، أوضحت مصادر سياسية مطلعة لـ«اللواء» أن عطلة الأعياد التي لا تزال تخيم على البلد إلا أن ذلك لا يمنع من قيام تحرك داخلي في ملف رئاسة هيئة الأركان من قبل كتلة اللقاء الديمقراطي والذي قد يناقش في أول جلسة للحكومة في العام الجديد، في حين أن لقاء وزير الدفاع مع قائد الجيش والذي حمل عنوان المعايدة تطرق إلى تعيينات المجلس العسكري.
ورأت المصادر أن الاتصالات بين القوى السياسية قد تتكثف لتأمين التفاهم على هذا الملف وإمكانية تمريره لكنها لاحظت أن دور وزير الدفاع في هذا الملف أساسي..
وفي السياق نفسه، أشارت مصادر عسكرية لـ«اللواء» إلى أن وزير الدفاع ملزم بأخذ رأي قائد الجيش في رفع اسم رئيس الأركان «درزي» وعضو المجلس العسكري «كاثوليكي» كونهما مرؤوسان مباشرة لقائد الجيش.
ومن علائم السنة الجديدة، بروز الفتور بين التيار الوطني الحر وحزب الله اكثر فأكثر، سواء في المجال الاعلامي، او السياسي وغيرهما من مجالات التعاون.
في هذا الوقت، بقيت الحركة السياسية تدور على ملفات متبقية من الاشهر الماضية، سواء في ما خص استكمال دراسة الموازنة للعام 2024، او استكمال التعيينات في المجلس العسكري، بما في ذلك رئاسة الاركان، وفضيحة الوعود الكهربائية «الكاذبة» مع تجدُّد السجال بين وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الاعمال وليد فياض ورئيس هيئة الشراء العام جان العلية، الذي وصف «ذرائع» فياض «بالضرورات والطوارئ لتخطي القوانين» بأنه «نهج فاشل يقر علنًا بانعدام الرؤيا لديه وغياب الحوكمة والتخطيط وهو بالتالي عرضة للمساءلة القانونية».
لقاء بنشعي
وخرج لقاء بنشعي بين رئيس تيار المردة سليمان فرنجية ورئيس اللقاء الديمقراطي النائب تيمور جنبلاط بعدم الاتفاق على آلية لتعيين رئيس للاركان في مجلس الوزراء، وباقي اعضاء المجلس العسكري.
واعتبر الطرفان ان التباين بينهما قائم على هذا الصعيد، لكن تيار المردة، حسب النائب طوني فرنجية، يطرح علامات استفهام حول مبدأ التعيينات في ظل غياب رئيس الجمهورية.
واتفق الطرفان (الاشتراكي والمردة) ان التباين بينهما لا يفسد في الود قضية.. مؤكدين على استمرار الحوار..
ووصفت مصادر متابعة لزيارة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب جنبلاط لرئيس تيار المردة سليمان فرنجية ونجله النائب طوني في بنشعي، بأنها مريحة وصريحة، وتصب في الانفتاح واعادة حرارة التواصل بين الطرفين بعد مرحلة من الفتور والبرودة في العلاقات بينهما، جراء الانقسام السياسي والأوضاع المترجرجة محليا واقليميا، واشارت إلى ان مواضيع البحث تناولت مجمل الاوضاع في البلاد، وأجواء الارتياح التي سادت جراء التمديد لقائد الجيش العماد جوزيف عون بينها، ووجهة نظر كل منهما بخصوص تعيين رئيس للاركان وكيفية مقاربة وتذليل الصعوبات التي ماتزال تعترض هذه الخطوة الضرورية التي تستكمل هيكلية المؤسسة العسكرية، وتساهم في تماسكها وتفعيل وانتظام قيامها بالمهمات المنوطة بها لحفظ الامن والاستقرار.
ولاحظت المصادر تقاربا بين الطرفين في موضوع تعيين رئيس للاركان وفي بقية المواقع الشاغرة بالجيش، الا انها اعتبرت ان هناك عوائق وصعوبات ماتزال بحاجة لتفاهمات سياسية، ومحطات وآليات قانونية، وتحتاج مزيدا من الوقت والتفاهمات لتجاوزها وفي مقدمتها انتظار مصير احتمال الطعن الذي ينوي بعض الاطراف السياسيين تقديم طعن بقانون التمديد لقائد الجيش، وانتظار مصير هذا الطعن، ناهيك عن الالية التي ستعتمدها الحكومة لانجاز هذه التعيينات.
وفي السياق، وفي الوقت، الذي بادر فيه قائد الجيش العماد جوزاف عون بالقيام بزيارة معايدة الى وزير الدفاع، كشف مصدر نيابي في التيار الوطني الحر ان الطعن بقانون التمديد للعماد عون والضباط في رتبة لواء بات في مراحله الاخيرة، مشيراً الى ان «مجلس الوزراء لا يتمتع بثقة مجلس النواب، وهو ساقط شرعياً، ولا يحق له حتى ان يجتمع»..
الموازنة وما كشفت
نيابياً، وعلى خلفية مناقشات لجنة المال والموازنة لموازنات العدل والبيئة والشباب والرياضة، قالت مصادر نيابية ان حجماً كبيراً من «النقص الفاضح في التنسيق بين مكونات الحكومة لا سيما مع وزار ةالمالية».
وفي السياق عينه، سأل النواب عن مصير الهبات التي تأمنت من خلال المنظمات الدولية لا سيما هبة بـ 8 ملايين دولار لمكننة عدلية بيروت والتي لم يبدأ العمل بها بالرغم من استلام الهبة، وقد تبين من خلال ما أفاد به وزير العدل أن المشكلة في عدم توفر التيار الكهربائي، وأنه، أي الوزير، يعمل مع الاتحاد الأوروبي على تأمين الكهرباء من خلال الطاقة الشمسية وقد شارف المشروع على الانتهاء.
الوضع الجنوبي
جنوباً، تمادى الاحتلال الاسرائيلي باستهداف العمق الجنوبي، فضرب جبشيت (شمال الليطاني) في قضاء النبطية، وكذلك القليلة، قضاء صور، كما استهدف اعلاميين مجدداً، من خلال استهداف فريق المنار التلفزيوني، المؤلف من المراسل علي شعيب والمصور خضر مركيز وعند مجرى الخردلي واصيب مركيز بجروح تطايرت من صاروخ الغارة الاسرائيلية.
وردت المقاومة الاسلامية باستهداف موقع راميا، وثكنة الشوميرا، ودوفيف وقيادة الفرقة 91 في ثكنة برانيت، وثكنة زبدين وموقع البغدادي، واعترف الناطق الاسرائيلي باصابات في مستوطنة ادميت بالجليل الاعلى ومستوطنة إفن مناحيم بالجليل الغربي، وتحدثت عن 9 اصابات، في حين تحدثت مصادر اخرى عن 10 اصابات مؤكدة، بينها 4 اصابات في حالة الخطر الشديد.
البناء:
الكيان يعترف بفشل الحرب فيعلن المرحلة الثالثة… لكنه يرفض دفع ثمن الهزيمة
اغتيال قائد في الحرس الثوري يفتح باب احتمالات التصعيد وحرب حافة الهاوية
الأميركي أمام تحديات أنصار الله في البحر الأحمر وتصعيد الهجمات في العراق
كتب المحرّر السياسيّ
تلاحقت عناصر الاعتراف الإسرائيليّ بخطورة المأزق الذي يعيشه مع فشل الحرب التي شنّها على غزة والمقاومة، ورسم لها السقوف العالية، وهي في نهاية شهرها الثالث تتحوّل إلى حرب استنزاف معنوية وعسكرية، حيث العزلة الدوليّة التي تحدّث عنها الرئيس الأميركي جو بايدن، كما العبء الأخلاقيّ على الحلفاء، يصبحان يوميّات تحملها الوقائع المتلاحقة من عواصم الدول الغربية وشوارعها التي تضغط على حكوماتها للوقوف ضد الحرب التي يشنها جيش الاحتلال، وقد تحوّلت الى حرب إبادة بحق الشعب الفلسطيني ومذابح مفتوحة بحق آلاف النساء والأطفال، بينما كشفت أرقام الخسائر العسكرية عن فقدان وحدات النخبة في جيش الاحتلال قدرة الاستمرار في حرب الاستنزاف بعدما فقدت هذه الوحدات من قوامها البشري نسباً تتراوح بين 25% و40%، وجاء إعلان قادة الكيان عن الانتقال الى مرحلة جديدة من الحرب سمّوها بالمرحلة الثالثة، تتضمن انسحابات من مناطق الاشتباك الى مناطق خلفيّة تمّت تسميتها بالحزام الأمني، وتقوم على وقف عمليات التوغل البري والقصف الجوي والبري والبحري لصالح اعتماد العمليات المستهدفة، كي يترجم طلباً أميركياً بالانتقال الى صيغة يمكن تحملها مدة أطول، طالما أن الاتفاق على تبادل الأسرى لا يبدو قريباً، والقبول بشروط المقاومة يمثل هزيمة كاملة.
أمام مأزق العجز عن فرض شروط للهدنة تناسب وضع الكيان، وتمسك المقاومة بشروطها بربط تبادل الأسرى بإنهاء العدوان وفك الحصار ووضع إطار لإعادة الإعمار، بدا أن الانتظار الطويل سوف يحمل خطر التآكل، واحتمال انتقال المقاومة الى الهجوم على القوات التي تبقى في قطاع غزة، إضافة الى التآكل المستمر في هيبة الردع الأميركي أمام تصاعد الهجمات التي بدأت تسقط بين صفوف الأميركيين المزيد من الجرحى، بينما في البحر الأحمر لا يزال باستطاعة أنصار الله فرض إرادتهم على السفن التي تتجه نحو الكيان، سواء بردعها أو استهدافها، ومحاولات التصدي الأميركي لصواريخ ومسيرات أنصار الله قد تستدرجه الى مواجهة تتحول الى استهداف أوسع لن تنجو منه السفن الحربية والمدمّرات ولا القواعد الأميركية في الخليج، وفي محاولة متكرّرة للتصعيد والمخاطرة بحرب إقليمية، بعد فشل محاولة الحصول الاسرائيلي على موافقة أميركية على حرب مع المقاومة في لبنان وسط خشية أميركية من تحولها الى حرب إقليمية، جاءت عملية اغتيال جيش الاحتلال للعميد رضي الموسوي أحد قادة الحرس الثوري الإيراني في دمشق، ترجمة للتوجه الإسرائيلي ذاته بدفع المنطقة نحو حرب حافة الهاوية، أملاً بدمج مصيره مع مصير الانخراط الأميركي في هذه الحرب، وسط مساعٍ أميركية لتفادي هذه المخاطرة.
فيما سيطرت على المشهد الداخليّ حالة من الاسترخاء السياسيّ خلال عطلة عيد الميلاد، كانت الجبهة الجنوبيّة تزيد سخونة في ظل ارتفاع منسوب تبادل القصف بين المقاومة الإسلامية وقوات الاحتلال الإسرائيلي والتي توسّعت أمس الأول وأمس الى مناطق لتصلها قذائف الاحتلال للمرة الأولى، منها جبشيت القريبة من مدينة النبطية. في المقابل وسّع حزب الله استهدافاته لمواقع الاحتلال في عمق شمال فلسطين المحتلة، ما يفتح الباب على تدحرج الوضع الى حرب أوسع تتجاوز الخطوط الحمر الذي يلتزم بها الطرفان منذ بداية الحرب.
وحذّر خبراء في الشؤون العسكرية والاستراتيجية من أن قواعد الاشتباك الحاكمة على الحدود قد لا تصمد إلى وقت طويل في ظل ضراوة القصف على طول الجبهة الجنوبيّة وحجم التأثير الذي تشكّله عمليات قوات حزب الله على جيش الاحتلال وعلى سكان شمال فلسطين وعلى حكومة الحرب والمستوى السياسيّ الإسرائيليّ، ويُضيف الخبراء لـ«البناء”: صحيح أن حزب الله وجيش الاحتلال يدرسان الضربات على ميزان من ذهب لعدم الانزلاق إلى الحرب الشاملة ولوجود ضابط إيقاع أميركيّ لا يريد التصعيد أكثر، لكن لا يمكن ضبط الوضع كلياً وأي خطوة غير محسوبة قد تأخذ الأمور إلى حرب شاملة.
ويشدّد الخبراء على أن الاحتلال الاسرائيلي ضاق ذرعاً من ضربات المقاومة في الجنوب ومن المعادلات القاسية التي فرضتها ولا يمكن لجيش الاحتلال تغييرها وحتى لو شنّ عدواناً عسكرياً كبيراً في جنوب الليطاني لإبعاد حزب الله. وأوضح الخبراء أن أي عدوان إسرائيلي لن يستطيع إبعاد الحزب الذي بات أكثر قوة من ٢٠٠٦ بأضعاف فيما جيش الاحتلال يغرق في مستنقع الحرب في غزة وتواجهه هزيمة كبيرة.
وواصلت المقاومة عمليّاتها ضد مواقع الاحتلال فأعلنت في سلسلة بيانات متلاحقة استهداف عدد كبير من المواقع.
واعلن حزب الله استهداف “انتشار لجنود العدو الإسرائيلي في محيط موقع راميا بالأسلحة المناسبة، وتم تحقيق إصابات مباشرة”. كما اعلن “اننا استهدفنا غرفة رصد قرب ثكنة الشوميرا بالأسلحة المناسبة وحققنا إصابات مباشرة وأوقعنا أفرادها بين قتيل وجريح”.
واستهدف “تجمعاً لجنود العدو قرب ثكنة دوفيف بالأسلحة المناسبة وأوقعهم بين قتيل وجريح”. وأعلن استهداف “قيادة الفرقة 91 في ثكنة برانيت بالأسلحة المناسبة”. واستهدف أيضاً “تجمّعاً لجنود العدو الإسرائيلي في موقع الراهب بالأسلحة المناسبة، وأوقع أفراده بين قتيل وجريح».
في المقابل صعّد جيش الاحتلال عدوانه على الجنوب فشنّ غارتين متتاليتين على منطقة مفتوحة بين بلدتي جبشيت وشوكين. واستهدف القصف المدفعي الفوسفوري مرتفع بلاط، كما تعرّضت أطراف بلدة بيت ليف لقصف مدفعي. واستهدف قصف بالقذائف الفوسفوريّة جبل بلاط – مروحين، حيث غطّى الدخان الأبيض المنطقة.
وسُجّل قصف مدفعيّ لأطراف بلدتي بليدا وميس الجبل لجهة وادي السلوقي. وأصيب مدنيّان بعد استهداف مسيّرة إسرائيليّة سيارتهما في بلدة تولين جنوباً. وأفادت غرفة عمليات جمعية كشافة الرسالة الإسلاميّة (الدفاع المدني) أن فريق الإنقاذ في بلدة تولين نقل إصابتين بجروح بسيارات الإسعاف من جراء القصف الذي تعرّضت له البلدة.
وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: “تمّ إطلاق صاروخ دفاع جوي للمرة الثانية من لبنان تجاه طائرة تتبع لسلاح الجو “الإسرائيلي”. وأشار إعلام إسرائيلي الى “إصابة “إسرائيلي” بصاروخ موجّه أُطلق من لبنان تجاه مستوطنة أدميت بالجليل الغربي”، وأيضاً “سقوط إصابات بعد إطلاق حزب الله لصاروخ مضاد للدروع تجاه مستوطنة إفن مناحم بالجليل الغربي”.
واعلن الإسعاف الإسرائيلي عن 4 إصابات إحداها خطيرة إثر سقوط صاروخ مضاد للدروع قرب إقرث عند الحدود مع لبنان.
وذكرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، أن 9 جنود إسرائيليين أصيبوا بجروح ما بين خطيرة ومتوسطة بإطلاق صاروخ مضاد للدبابات من لبنان على شمالي البلاد.
وادّعى المتحدث باسم حكومة الاحتلال ايلون ليفي أنه “يجب إبعاد حزب الله عن الحدود وفق القرار الدولي رقم 1701 ونقول له تراجع”، مشيراً إلى أن “إسرائيل لا تريد حرباً على جبهتين، لكننا سنفعل كل ما يلزم لضمان أمننا”.
وإذ نفت مصادر “البناء” كل ما يثار في بعض وسائل الإعلام عن انسحاب قوات حزب الله من جنوب الليطاني الى شماله، أكدت بأن الحزب لن يتراجع ولن يغير مكانه ولن يبدل مواقفه وسيبقى في الميدان على طول الجبهة لإسناد غزة مهما أجرمت آلة التدمير العدوانيّة. ووضعت المصادر هذه الأضاليل الإعلامية في اطار محاولة حكومة الاحتلال دعم الجبهة الداخلية المنهارة ورفع معنويات جيش الاحتلال وتحقيق انتصار وهميّ ولتطمين سكان الشمال، وكذلك التعويض عن الهزيمة العسكرية في الميدان بالانجازات الدبلوماسيّة الوهميّة.
وأكد عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله، أننا “أعددنا لكل مرحلة خطتها، ولكل مواجهة أسلحتها. وهذا، ما يعرفه العدو جيداً من خلال الميدان، ولذلك فإن المقاومة الإسلامية تثبت اليوم معادلات جديدة تتعلق بحماية شعبها”.
وشدّد فضل الله، خلال الاحتفال التكريمي الذي أقامه “حزب الله” لأحد عناصره في محلة الحوش، أن “على العدو أن يدرك أن المنزل بالمنزل وأن الحقل بالحقل وأن استهداف المدنيين سيردّ عليه بشكل سريع وحاسم، وأنه إذا كان يمتلك قوة تدمير وسلاح جو، فإننا نملك الإرادة والعزيمة والقرار الذي ننفذه في كل يوم، وعلى العدو أيضاً أن يعرف أن كل نوع من أنواع المواجهة سيقابل بمعادلة في الميدان، وهذا يتمّ تثبيته في كل يوم”.
وأضاف “المقاومة عندما دخلت هذه المواجهة فضلاً عن أنها كانت تنتصر للشعب الفلسطيني المظلوم، لكنها أحبطت مخططاً إسرائيلياً كان يُعدّ للبنان، ويريد العدو أن يباغتنا وأن يفاجأنا فيه متوهماً أننا لسنا في حالة جهوزية أو استعداد، ولكن من الأيام الأولى عندما بدأت المقاومة عملياتها ضد العدو، وبدأت مواجهة اعتداءاته، كانت تقول له إنها جاهزة ومستعدّة وحاضرة في الميدان، ولا يمكن أن يفاجأها هذا العدو بعدوان، ويظنّ أننا نائمون، ويأتي إلى بيوتنا ومراكزنا ومواقعنا، ويُغير علينا ويستهدفنا”.
سياسياً، كانت لافتة زيارة قائد الجيش العماد جوزف عون الى وزير الدفاع الوطني في حكومة تصريف الأعمال موريس سليم في مكتبه في اليرزة، في زيارة تهنئة بمناسبة عيد الميلاد المجيد.
اما التيار الوطني الحر فيعدّ العدّة للطعن بقانون التمديد الذي أقرّ في مجلس النواب. في السياق، أعلن عضو تكتل “لبنان القوي” النائب سيزار أبي خليل أن “الطعن بقانون التمديد قيد التحضير وأصبح منجزاً وما حصل في مجلس النواب هو تشريع محاباة”.
وأضاف في حديث تلفزيونيّ “الأطراف السياسية تأتمر بأوامر الخارج من أصغر سفير ومن أصغر موظف وهي باعتنا التغيير والإصلاح وعند أول مفترق طرق خرقت الدستور والقانون”. وتابع أبي خليل: “مجلس الوزراء لا يتمتع بثقة مجلس النواب وهو ساقط شرعيّاً ولا يحق له حتى أن يجتمع”.
وفيما وضع ملف التعيينات العسكرية في مجلس الوزراء، على نار حامية بدفع من رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي و«المختارة”، علمت البناء أن الاتصالات والمشاورات استمرّت حتى خلال عطلة العيد بين الأطراف المعنية لتذليل العقد السياسية والقانونية لإنجاز ملف التعيينات العسكرية. كما علمت أن ميقاتي أبلغ القوى المعنية استعداده لعقد جلسة للحكومة وطرح ملف التعيينات فور التوافق السياسيّ على هذه التعيينات. ولفتت مصادر مطلعة لـ«البناء” إلى أن الملفّ بعد لقاء المردة والاشتراكي أصبح سالكاً لبتّه في مجلس الوزراء مطلع العام الجديد.
وزار رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط أمس، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، في بنشعي، على رأس وفد يضمّ عضوَيْ كتلة اللقاء الديمقراطي النائب أكرم شهيب والنائب وائل أبو فاعور، أمين السر العام ظافر ناصر، مستشار النائب جنبلاط حسام حرب وجوي الضاهر.
وبعد اللقاء، قال النائب أكرم شهيب: “إذا كان هناك بعض التباين في المواقف بيننا وبين تيار “المردة”، فهذا لا يلغي الودّ والاحترام والتقدير والتواصل في ما بيننا تأكيداً على العلاقة التاريخية والوطنية التي تربط المختارة بهذه الدار”.
بدوره، قال النائب طوني فرنجية: نرحّب برئيس “الحزب التقدمي الاشتراكيّ” تيمور جنبلاط وبالوفد المرافق، مؤكدين أن الدار هي دارهم على الرغم من بعض التباينات في وجهات النظر بين “المردة” و«الاشتراكي”، التي لا تمنع التواصل الدائم في ما بيننا، وذلك انطلاقاً من إيماننا بالحوار وبلغة التواصل”.
وأضاف: “أكثر ما نلتقي اليوم عليه مع “الحزب التقدمي الاشتراكي” هو أن لا خروج للبنان من نفقه الأسود من دون التواصل والحوار بين مختلف الأفرقاء، ونأمل أن نشهد بعد انتهاء فترة الأعياد نشاطاً على هذا الصعيد”.
وأشار إلى أن تيار “المرده” يؤكد حرصه الدائم على مختلف مؤسسات الدولة اللبنانية رغم علامات الاستفهام التي يطرحها حول مبدأ التعيينات في ظل غياب رئيس الجمهورية”.
واستنكر فرنجية كيف أننا “في كل مرة نقوم بالبحث عن الحلول المجتزأة في حين أن الحل الفعلي هو بالتوصل الى انتخاب رئيس للجمهورية يعيد الانتظام الى المؤسسات اللبنانية”.
وقال: “في ما يتعلق بالتمديد لقائد الجيش العماد عون، رأينا أن البديل عنه هو الذهاب بالبلاد إلى المجهول، وهذا ما دفعنا الى الموافقة على هذا التمديد. واليوم، نلمس أن هناك حرصاً كبيراً من قبل المؤسسة العسكرية ومن قبل الحزب التقدمي الاشتراكي على المجلس العسكري، وذلك حفاظاً على انتظام العمل في صفوف الجيش”.
أضاف: “انطلاقاً من هنا، نؤكد أننا مستمرون بالحوار مع كل المعنيين لإيجاد الحل الملائم لهذا الموضوع منعاً لأي تأثير سلبي على حسن سير العمل في المؤسسة العسكرية”.