الأثر النبوي الشريف في طرابلس… محطة رمضان الأخيرة ولكن!
خاص جريدة الرقيب الإلكترونية
تحقيق: لبنى عويضة… ميساء الرز
رمضان طرابلس…
تلك المدينة الأصيلة التي تنير سماء لبنان، لا تكتفِ باستقبال الشهر الفضيل بتعظيم الشعائر الإسلامية، لا بل تتميز بنكهتها الخاصة وطقوسها المتنوعة من منطقة إلى أخرى.
فمن المسحراتي، إلى الوداع، إلى الأضواء التي تنير مختلف الشوارع، كذلك إحياء الليالي الرمضانية سواء في الجوامع أو في حفلات دينية ومهرجانات تنعش قلوب الطرابلسيين.
لكن ما تمتاز به مدينة العلم والعلماء، هو وجود الأثر النبوي الشريف فيها، فبماذا يتميز هذا الأثر؟ ولماذا خصص لطرابلس؟
أما السؤال الأهم: لما يتم احتكار أو حصر التبارك بهذا الأثر فقط خلال شهر رمضان المبارك أو بالأحرى في الجمعة الأخيرة من هذا الشهر الفضيل؟
هدية السلطنة العثمانية أنارت طرابلس:
في عام 1889، حلّت فرقاطة خاصة عثمانية بميناء طرابلس، لتحمل معها هدية فريدة من نوعها، قدمها السلطان عبد الحميد الثاني كعربون تقدير واحترام للمدينة وسكانها. كانت هذه الهدية ليست مجرد هدية عادية، بل كانت شعرة من لحية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقدمت بمناسبة ترميم المسجد التفّاحي في حي النصارى في الزاهرية، الذي أُطلق عليه اسم “الحميدي” تيمّناً باسم السلطان عبد الحميد، وهي من تلك المحفوظة في دائرة الأمانات المقدسة داخل قصر توكابي في إسطنبول.
وعندما وصلت إلى الميناء خرج أهالي المدينة، من مسلمين ومسيحيين، لاستقبالها، وعندما نزل الباشا العثماني حاملاً العلبة، تناولها منه الشيخ حسين الجسر، ووضعها على رأسه وحملها إلى الجامع الكبير. وكان الأثر الشريف مُهدى في الأصل ليوضع في جامع الحميدي، لكنّ الشيخ علي رشيد الميقاتي أقنع رجالات البلد بأن يوضع الأثر الشريف في الجامع المنصوري الكبير لكونه أكبر مساجد المدينة.
وبمجرد وصول الشعرة إلى المسجد، بادر الأئمة والعلماء بتنظيم صلوات الشكر والدعاء، وأُقيمت الاحتفالات والمواكب الدينية في أرجاء المدينة. كانت المواكب تحمل رمزية خاصة، حيث شارك فيها الشباب والشيوخ، وتجمع الناس للاحتفال والترحيب بالهدية العظيمة التي جاءت من السلطان.
وقد كُتب على الهلال الذهبي الذي يشكّل غطاء الشعرة الشريفة العبارة التالية: “أهدى هذه الشعرة المكرّمة مولانا السلطان عبد الحميد خان سنة 1309 بعنوان “لحية سعادت”. منحنا الله شفاعة صاحبها الأعظم صلى الله عليه وسلم. الموجه عليه خدمتها محمد رشدي ميقاتي”.
أما حول غطاء الأنبوب الذي يحتضن الأثر الشريف، فقد نُقش هذا البيت من الشعر:
“لم نُعْطِ في كلّ العوالم شعرةً
خُلِقَتْ جميع الكائنات لأجلها.”
زيارة الأثر النبوي الشريف محطة جوهرية للطرابلسيين:
وبهذه الطريقة، أصبحت الشعرة النبوية الكريمة جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المدينة، وأثرت بشكل عميق في القلوب والعقول، مما جعلها محط اهتمام وتقدير الناس والسلطات المحلية على حد سواء.
بالمقابل، تعد زيارة الأثر النبوي الشريف محطة جوهرية في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك في المسجد المنصوري الكبير، بعد صلاتي الفجر والعصر. والأثر هو عبارة عن “شعرة من لحية النبي”، ويحظى برعاية دائرة الأوقاف الإسلامية ودائرة الإفتاء في طرابلس.
وهكذا تمّ بناء غرفة خزنة الأثر النبوي الشريف، ويشهد الجامع المنصوري احتفالاً كبيراً في آخر يوم جمعة من شهر رمضان والذي سيكون يوم غد وسيحضره الآلاف من المسلمين الذين يتقاطرون من أنحاء طرابلس وقرى قضائها للتبرّك برؤية الأثر الشريف وتقبيله.
المفتي يتخطى القوانين والأعراف الدينية ولم يبالِ:
بعد فوز مفتي طرابلس السابق، مالك الشعار، بمنصبه، لم يلتزم بوعده الذي كان قد أعلنه، والمتمثل في إعادة الأثر الشريف إلى مكانه الأصلي في الغرفة الخاصة به في الجامع المنصوري. بدلاً من ذلك، قرر الاحتفاظ بالأثر الشريف أحيانًا في منزله الخاص، وأحيانًا في دائرة الأوقاف، بزعم أن ذلك يأتي تحت مظلة جهود إعادة ترميم الجامع المنصوري الكبير وتوفير الحماية للأثر من خطر السرقة.
هذا القرار أثار معارضة شديدة من قِبل العديد من المشايخ والعلماء وقادة المدينة، الذين رفضوا بشدة فكرة وجود “الشعرة النبوية” في مكان خارج الجامع المنصوري المخصص لها. وعبروا عن رفضهم لقيام المفتي الشعار بحمل الأثر معه إلى بعض الندوات وعرضه في أحد المعارض، معتبرين أن هذا الأمر يتنافى مع أهمية ومكانة الأثر الشريف.
وعلى الرغم من هذه الاعتراضات الشديدة، إلا أن المفتي الشعار لم يُبالِ بتلك الانتقادات، واستمر في قراره بالاحتفاظ بالأثر الشريف، مستندًا إلى حججه بشأن خطر السرقة الذي يهدد الأثر.
بعد مئات الأعوام تركيا تهتم بالأثر من جديد:
أما اللافت فهو أن الذريعة التي التزم بها الشعار قد فقدت مصداقيتها تماما، بعدما قامت مؤسسة “تيكا التركية” عام 2019 بتجديد وترميم غرفة الأثر وتجهيزها بواجهة زجاجية مضادة للرصاص والكسر والخلع، بالإضافة إلى تركيب كاميرات مراقبة وجهاز إنذار. لكن على الرغم من ذلك، أصر الشعار في بيانه الذي أصدره كرد على المطالب بإعادة الأثر إلى مكانه، على رفضه لهذه الفكرة، مُشيرًا إلى أن “الكاميرات تكشف السرقة لكنها لا تمنع السارق”، مما يوحي بأنه لا يرغب في إعادة الأثر إلى مكانه ويصر على الاحتفاظ به دون مبرر مقنع.
هذا السلوك الغريب من قِبل المفتي الشعار دفع ببعض الأشخاص المُتحمسين إلى اقتراح طلب خدمات شركة أمن خاصة لحراسة غرفة الأثر، تمامًا كما يحدث في بعض المساجد الأخرى في المدينة. وفي هذه الحالة، جهّزت الغرفة بتدابير أمنية وكاميرات مراقبة وجهاز إنذار، مما بات يُمكّن من عرض الأثر الشريف بأمان على الواجهة الزجاجية، إلى جانب المصاحف الأثرية.
إذن أصبحت غرفة الأثر النبوي في المسجد المنصوري تتميز بالتالي:
• وجود خزنة رخامية واجهتها من الزجاج المضاض للرصاص،
• الواجهة الزجاجية من لوح واحد ليس فيها درف ولا يظهر كيفية إدخال المعروضات بداخلها أو من أين تفتح،
• التحضير بأجهزة إنذار (alarm) دقيقة في حال محاولة خلعها،
• تثبيت كاميرات مراقبة قريبة وبعيدة المدى داخل الغرفة وعلى كل أبوابها وعلى نقطة عرض الاثر الشعرة النبوية،
• تركيب نظام كامرات مراقبة كامل في كل اطراف المسجد وأعلى مئذنته، وتم استحداث غرفتين لمراقبة الكاميرات والتسجيلات واحدة داخل الحرم الداخلي والثانية أسفل المئذنة،
• تعيين ناظر للمسجد تحت أمرته ٦-٨ حراس يواظبون على حراسة المداخل ومراقبة المسجد على مدى ٢٤ ساعة.
أما وبعد انتهاء ولاية المفتي الشعار، يظهر أن المفتي الحالي محمد إمام لم يحرّك ساكناً ولم يلتزم بعهد خلفه، وبالتالي وكما يقال، فإن الأثر النبوي في مكان لا يعلمه أحد، وكأنه “غبّ الطلب”. لكن كيف يرى مشايخ مدينة طرابلس هذا الموضوع؟
قرار دار الفتوى بحاجة لدراسة:
في حديث لجريدة الرقيب الإلكترونية، أكد الشيخ حسن هاجر من دار الفتوى أنه “يتم إدخال الشعرة النبوية في الجمعة الأخيرة من رمضان لغرفة الأثر إلى المسجد المنصوري الكبير بدءاً من صلاة الفجر ولغاية آذان العصر”.
وشدد على “أن موضوع وضع الأثر النبوي في المسجد المنصوري طيلة السنة بحاجة لقرار من المفتي ويحتاج لترتيبات خاصة ودراسة طالما أن المطالبة بوجود الأثر طيلة السنة في المسجد المنصوري يتزايد، وإذا كانت المصلحة العامة تقتضي زيادة الأيام مع وجود الترتيبات فسيتم المباحثة بالموضوع، إلا أن القرار الأول والأخير يعود لمفتي طرابلس”.
الاثر النبوي الشريف ليس “غب الطلب”:
بدوره قال الشيخ أحمد الأمين أن “موضوع الأثر النبوي الشريف يختص بالأمور الدينية وبالتالي مرجعيته هي مرجعية شرعية، وبما أنه يعود للنبي محمد عليه الصلاة والسلام فمن المؤكد أن مرجعيته هي دار الفتوى، وبالتالي لا يمكن لأي كان التدخل به، سواء الدولة أو الحكومة أو البلدية…”
وأردف الأمين في حديث مع جريدة الرقيب الالكترونية “ان دائرة الأوقاف الاسلامية في طرابلس هي المسؤولة عن المسجد المنصوري الكبير وبالتالي يعود أمر الأثر النبوي الشريف الى دار الفتوى في طرابلس والشمال”.
كما أضاف: “ان الأثر النبوي ليس غب الطلب لأي أحد، ونقله من مكان إلى آخر هو استخفاف بقدره وقيمته، لذا فالعرف الموجود منذ زمن الدولة العثمانية وبعد إهدائه لطرابلس هو في كل آخر يوم جمعة من رمضان على صلاة الفجر وبعد صلاة العصر يعرض الأثر أمام الناس لمن يريد التبارك به، وهذا العرف لا يخرق من أجل قدر الأثر ومن أجل الحفاظ على قيمته”.
ليختم بالقول: “طالبت بعودة الأثر الشريف إلى مكانه وعدم العبث لا بالتوقيت ولا بالمكان، فرغم أن دار الفتوى هي المرجعية إلا أنه لا يحق لها التصرف به بمزاجية، فهي مؤتمنة عليه كي يبقى بقدره ونحافظ على مكانته وتوقيته وكل ما يحتاج من صيانة لهذا الأثر الشريف”.
الشعار خالف الأعراف والأثر النبوي خرج من المسجد ولم يعد:
بالمقابل، يؤكد أحد الشيوخ في حديث خاص مع جريدة الرقيب الاعلامية أنه “في الأصل هذا الأثر النبوي الشريف هو هدية للمسجد الحميدي والذي كان آنذاك مسجد السلطان عبدالحميد، وما لبث أن ارتأى وجهاء المدينة بأن مسجد الحميدي بعيد جغرافياً عن وسط البلد وصغير الحجم، لذا فضلوا نقله إلى المسجد المنصوري ودرجت العادة بأنه يوجد غرفة خاصة أنشأت وأعادت ترميمها شركة تيكا مؤخراً ليعرض فيها الأثر وكي يتمكن المؤمنين من مشاهدته في أي وقت وكل أيام السنة، باستثناء يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان، يخرج الأثر من الغرفة وتتبرك به الناس عبر لمسه من خارج الزجاجة المحفوظة به الشعرة النبوية”.
ويشير إلى أن “ما يحدث ومنذ ولاية المفتي السابق مالك الشعار أنه كسر هذا التقليد إذ أن هذا العرف استمر لغاية تبوّء الشعار لمنصبه، وكان أول من أخذ الأثر ووضعه عنده واختلفت الأقاويل بين من يقول بأن الشعار وضعه في دار الفتوى وآخرون يؤكدون أنهه موجود في منزله الخاص، لكن بالنتيجة الأثر خرج من المسجد ولم يعد أحد يعلم مكانه، وهذا ما لم يحدث حتى خلال الحرب الأهلية، ومذاك بتنا نشاهد جولات للأثر النبوي، بدلاً من أن يكون مقصداً للزوار، فهو يؤتى إليه ولا يؤخذ”.
ليختم بأنه “لا يجوز أن يصبح الأثر النبوي الشريف سلعة للجميع، بالرغم من أن إخراجه من المسجد جائز، إلا أن ما نشهده اليوم هو تجارة به”.
إعادة الأثر النبوي الشريف للمسجد المنصوري يحرّك العجلة الاقتصادية وينعش السياحة الدينية:
أما رئيس لجنة الاثار والتراث في بلدية طرابلس د. خالد تدمريأكد لجريدة الرقيب الاعلامية أن “الأثر موجود في خزنة بدار الفتوى، والتساؤل الذي يطرح اليوم هو “بعد أن تم إنشاء غرفة خاصة للأثر لماذا لا يتم عرضه بشكل دائم في المسجد المنصوري مما يدفع الناس لزيارته والتبارك به؟”.
وقد ظهرت بعض المناكفات السياسية إثر إجراء أي فعالية ويطرحون سؤال “لماذا بقوم المفتي بأخذ الأثر وافتتاح الفعالية من خلاله، وهنا لا بد من الذكر أن مفتي طرابلس السابق مالك الشعار هو من قام بــ”تدريج” هذه العادة لأن بنظره أن عدد المؤمنين قد تزايد وبالتالي كل من يطلب منه عبر فعالية جامعة فيها مؤمنين عرض الأثر، يتجه الشعار بالأثر لهذه الفعالية من أجل أن يتبارك الناس، وأكبر مثال هو متحف تركيا توكابي الذي ليس حصراً على المسلمين، لا بل يلقى رواداً من أديان مختلفة ومن مختلف دول العالم والجنسيات ليشاهدوا الآثار النبوية هناك”.
كما يوضح د. تدمري أن “هذا النشاط لا فيه حرج ولا حرمانيةطالما القيمة المعنوية والروحية للأثر محفوظة؛ لكن وبالمقلب الاخر هدفنا هو أن تتواجد الشعرة بالمسجد المنصوري بشكل دائم بعد الحصول على التمويل من تركيا والقيام بمشروع يتمتع بالاحتياطات الامنية والتقنية لتحفظ فعلياً في المسجد المنصوري، وهذا ما يعزز السياحة الدينية”.
وأشار أيضاً إلى أن “وضع الأثر في المسجد المنصوري طيلة الأيام وبشكل دائم سيستقطب الوفود والزوّار من كافة المناطق اللبنانية والدول أيضاً لزيارتها والتبارك بها، وبالتالي ينعكس بشكل إيجابي على المنطقة والحركة السياحية في طرابلس”.
ليختم تدمري بأن “نقل الأثر النبوي الشريف يحتاج لقرار مجلس الأوقاف في دار إفتاء طرابلس، لكنهم يخافون من سرقته مثلما حدث في بيروت وسُرق سابقاً الأثر النبوي خلال فترة الحرب الأهلية، ولا بد من الإشارة إلى أن الشعرة النبوية في فترة الحرب الأهلية كانت موجودة داخل المسجد المنصوري الكبير في طرابلس ولم تتعرض لأي سرقة، لكن في عهد المفتي مالك الشعار نقل الأثر إلى دار الفتوى، حتى وبعد تأهيل الغرفة في المسجد المنصوري ضد السلاح والسرقة والحريق وتعزيز أمن هذه الغرفة… وبعد أخذ مختلف الاحتياطات لحماية الأثر إلا أن دار الفتوى لا يزال محتفظ بالأثر ولا يعرض في المسجد المنصوري إلا في آخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك”.
إذن، كسر العرف إما بسبب المكايدات السياسية، إما بسبب سلطة مُنحت لمن لا يُستحق، وهو ما جعل حق مسلمي طرابلس رهن يديه، فمن حق هؤلاء زيارة الأثر النبوي في أي وقت أرادوا، خاصة مع تأهيل غرفة الأثر في المسجد المنصوري، وبالتالي الحجج الواهية لم تعد تنفع، وعلى دار الفتوى المباشرة الفورية بأخذ قرار حاسم ونقل الأثر النبوي لمكانه الوحيد.