أخطر ما في العدوان ليس الصواريخ وحدها، بل اللغة التي تبرّره من داخل الدولة المعتدى عليها. حين يتكلم الوزير بلغة العدو: من يحمي الوطن؟
ليس أخطر على الدول من العدوان الخارجي، من لحظة التباس المعنى داخلها، وحين يتحوّل خطاب ممثّلها الرسمي من الدفاع عن السيادة إلى تبرير انتهاكها. في هذه اللحظة لا يكون السؤال سياسيًا فحسب، بل أخلاقيًا ومؤسّساتيًا أيضًا؛ فماذا يبقى من وظيفة الدولة إذا تخلّت لغتها عن حماية المجتمع الذي تمثّله؟
ما قاله اليوم وزير الخارجية اللبنانية يوسف رجي في مقابلة على “سكاي نيوز عربية: إنّه طالما لم يحصر نهائياً سلاح حزب الله يحق لإسرائيل أن تكمل اعتداءاتها”!! تصريح أقل ما يمكن وصفه، بأنّه أكثر من صادم. فوزير الخارجية لا يعبّر عن رأي شخصي معزول، بل يُفترض أن يصوغ، شاء أم أبى، الرواية الرسمية للدولة. لأنّ كلماته ومواقفه وتصريحاته، تُستثمر في المحافل الدولية، وتُستدعى في التقارير والبيانات والذاكرة الدبلوماسية.
هنا لا نكون أمام زلّة خطاب، بل أمام انقلاب في وظيفة اللغة السياسية نفسها، من حماية المجتمع إلى إعادة إنتاج منطق القوّة داخل وعيه. فهل فكّر معاليه يومًا حين يبرّر الاعتداء على بلده، أنّه يضعف الموقع التفاوضي والأخلاقي للدولة، ويمنح المعتدي مادة رمزية مجانية لتبرير أفعاله.. وهل وهل وهل …
لقد سمّى أنطونيو غرامشي هذا النوع من الإنزلاق “الهيمنة الناعمة”، وحين يتكلم المسؤول بلغة المعتدي، تصبح الهيمنة داخلية قبل أن تكون خارجية، ويُعاد تشكيل الوعي العام على قاعدة التكيّف لا المقاومة. كما يذكّرنا بيار بورديو بأن السلطة لا تمارس بالقوة فقط، بل عبر ما سماه “العنف الرمزي”، والذي يتمثّل بالقدرة على فرض تفسير معيّن للواقع يبدو طبيعيًا أو عقلانيًا أو حتميًا. وتبرير الاعتداء هنا هو شكل ناعم من هذا العنف، لأنه يعيد تعريف الظلم بوصفه نتيجة منطقية للأخطاء أو للتوازنات أو للضرورة، لا بوصفه انتهاكًا يستوجب الإدانة والمساءلة. واللغة هنا لا تصف الواقع، بل تعيد إنتاجه.
بينما ربط ماكس فيبر، شرعية الدولة بقدرتها على احتكار العنف المشروع وتنظيمه ضمن إطار قانوني وأخلاقي. فحين تتخلّى الدولة عن الدفاع الرمزي عن حدودها وحقها في الحماية، فإنها تهتز في أحد أعمدة شرعيتها الأساسية، وهنا يطغى ويبرز احتكار المعنى قبل احتكار القوة. والجدير بالذكر، أنّ الدولة التي تبرّر الاعتداء على نفسها تُربك صورة السيادة في وعي مواطنيها قبل أن تُربكها في ميزان القوى.
لذلك تبرز الإشكالية الأعمق حيال هذا النوع من المواقف، كونها تكشف أزمة بنيوية في تصوّر الدولة لدورها، فهل هي مجرّد إدارة هشاشة وتكيّف مع الاختلالات، أم بناء خطاب سيادي قادر على الدفاع عن المجتمع ولو كان هذا الدفاع رمزيًا حتى في لحظات الضعف؟ وحين تتحوّل الواقعية السياسية إلى تبرير دائم للعجز، تفقد السياسة بعدها الأخلاقي، وتتحوّل إلى تقنية لإدارة الخسارة لا لتغيير شروطها.
أمّا المعضلة الحقيقية فليست في شخص الوزير وحده، بل في هشاشة منظومة القرار، وفي غياب رؤية سيادية جامعة، وفي قابلية الخطاب الرسمي للانزلاق نحو تبرير الاختلال في موازين القوّة بدل مواجهته دبلوماسيًا وقانونيًا. فحين يتكلم ممثّلو الدولة بلغة تبرّر ما يُفترض أن يُدان، فإن الخطر لا يكون فقط على السياسة الخارجية، بل على المعنى نفسه: معنى الدولة، والتمثيل، والمسؤولية.
ولا يكمن الخطر الحقيقي هنا في التصريح بحد ذاته، بل في اعتياد هذا النوع من الخطاب. فحين يصبح تبرير الاعتداء لغة مألوفة، تتآكل الحدود بين الحق والقوّة، وبين الدولة ووظيفتها، وبين المواطن وشعوره بالأمان والانتماء. عندها لا يعود السؤال: ماذا قال الوزير؟ بل: أي دولة نعيد إنتاجها عبر هذه اللغة؟
وتجدر الإشارة، إلى أنّ الدولة القوية لا تُقاس فقط بترسانتها أو تحالفاتها، بل بقدرتها على حماية معنى العدالة والسيادة على أرض الواقع كما في خطابها العام. وحين يتكلّم ممثلوها بلغة العدو، يصبح الدفاع عن الوطن مهمّة المجتمع قبل أن تكون مهمّة السلطة.
وعلينا أن لا ننسى، أنّ الكلمات في أي معرض ليست حيادية على الاطلاق. إنّها جبهة. ومن يفرّط بهذه الجبهة، يفرّط بكل بقعة من الوطن. من هنا تتجاوز المسألة حدود الجدل الإعلامي إلى أسئلة أعمق: كيف تتحوّل اللغة من أداة دفاع عن السيادة إلى أداة تطبيع مع اختلال موازين القوّة؟ وكيف يصبح الخطاب الرسمي جزءًا من إنتاج الهيمنة بدل مقاومتها؟
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.