خبر الان

الحماصنة والشيعة وتيمور لنك.

بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، أنه في سالف العصر والأوان، قبل أن يطبق “تيمورلنك” بجيوشه على بلاد الشام، كان الصيت يسبق السيف، والخبر ينذر بالحيف. فلما سمعت القبائل ببطش هذا “الأشهب الأبرص” (الذي كان كالنمر في تلونه، وكالبرص في تنمره، شعره مائل للحمرة، وعيناه تتقدان جمرة، غليظ الطباع، بعيد المطامع، إن قال فعل، وإن كره بطش، لا يرحم من تحدّاه، ولا يذر من عاداه)، اجتمعت الوفود في ديوان رجل من أهل الحكمة والبيان، يُدعى “الشيخ أبو الأربعاء”، وكان عالماً بالزمان، خبيراً بما تؤول إليه الأكوان.

اجتمعت هناك قبيلتان: قبيلة “الشيعة” وقبيلة “الحماصنة”. فوقف فيهم الشيخ أبو الأربعاء خطيباً، وبدا وجهه كئيباً، وقال: “يا قوم، إن هذا الطاغية (تيمور-ترامب) لا قِبل لنا بعدده، ولا طاقة لنا بمدده. إن الطبيعة أوجدته فظاً غليظاً، لا يشبعه مالنا، ولا تكفيه مواشينا، ولا يرضيه زرعنا. إن دخلنا معه في حرب، دمّر الديار، وساق النساء كالإماء، واستعبد الأطفال في العراء. فما ذنبهم في جريرة لم يصنعوها؟ الرأي عندي أن نسايره بالتي هي أحسن، نتقي شره ونتجاوز عسره، غداً يرحل الغزاة ونبقى نحن، نحفظ الوجود، ونصون العهود”.

فلما سمعت النساء ذلك ولولن، وبكى الصبيان وشهقوا، وغرقت العيون بالدمع. فوقف رجل من “الحماصنة” وقال: “يا شيخنا، ندفع له مالاً ونشتري أمننا”. فرد الشيخ: “ويحك! إن طمعه بحر لا شاطئ له”. ثم صمت الشيخ برهة وقال: “أرى أن نقف أمامه كالمجانين، نرتدي ثيابنا بالمقلوب، ونعلق أحذيتنا (القباقيب) على صدورنا كأنها أوسمة الملوك، ونقدم له عجائزنا المرضى، فإن ضحك من حالنا ورقّ قلبه نجونا، وإن قتلهم فذلك قدر الله فيهم، فقد نالوا نصيبهم من الدنيا وتخلصوا من أوجاعها”. ونحن حينها نكون قمنا بما يتناسب مع قوتنا وعددنا.

فوافق الحماصنة على هذا التدبير الماكر. لكن الشيعة لم يعرف رايهم “مع او ضد”، التفت الشيخ إلى “الشيعة” وقال: “يا جيراننا، قد عشنا معكم دهوراً في ودّ وصفاء، لم نختلف على دين ولا صيد ولا بيد، فما أنتم فاعلون؟”.

فبرز من بينهم رجل يُدعى “فانوس”، وكان أفاكاً أثيماً، وكاتب تقارير لئيماً، يشي بأهله ليُرضي حاكمه في دمشق (الذي هزمه تيمور-ترامب)، وقال بفصاحة كاذبة: “يا أبا الأربعاء، إني قرأت النجوم وقست الأمور، وإن المطر سيمنع جيش الطاغية من المسير، وسيجارنا التعب قبل أن يبلغ دارنا، وسنهزمه شر هزيمة!”. فرد عليه الشيخ: “والله لا أراك إلا منافقاً تريد هلاك المساكين”.

ثم قام رجل جهوري الصوت يُدعى “شفيق”، مدّعياً الكياسة والتدقيق، وقال: “يا شيخ، إن الروس سيقاتلون معنا، ويدفعون الغائلة عنا، وسنحكم البلاد بعد زوال (تيمور-ترامب)”. فزجره الشيخ وقال: “أنت جاهل بالسياسة، تجر الدماء لأعناق قومك إلى يوم الدين”.

فتقدم رجل يُدعى “الحجازي”، وقال بصلابة خاوية: “لا يفل الحديد إلا الحديد، والمدينة التي أمامنا تقاتل الآن (تيمور-ترامب) ولن تسقط أبداً”. فقال له الشيخ: “يا مسكين، لقد سقطت تلك المدينة منذ يومين، وإن رفاقك الذين يخبرونك قد كذبوا عليك أو استغفلوك، فبأي عقل تقود القوم وأنت لا تدري ما جرى خلف بابك؟”.

ثم ظهر أخبتهم وأخبثهم، رجل يُدعى “الجد”، متزيف الصورة، مسموم اللسان، وقال بخبث: “نكتب ضده، ونحرض الرعية عليه، حتى ينهكوه قبل وصوله إلينا”. فنظر إليه الشيخ وقال: “يا هذا، أنت كالسرطان، ما دخلت مكاناً إلا أفسدته، ولا عاشرت قوماً إلا أبليتهم باللعنة. أنت غريب عنهم، لا تهمك دماؤهم، إنما همك مصلحتك مع صاحب دمشق، فبئس ما اقترحت”.

ثم خرج من بين الشيعة زمرة من “العروبيين اليساريين”، الذين التصقوا بالشيعة لكرم استضافتهم، هؤلاء القوم الجلب لا هم من الروس ولا هم من العرب، هم أصحاب اللغات الغريبة والأسماء العجيبة، مهرة بتمسيح الجوخ ونفخ القصدير وكش الحمام، لديهم قدرات خارقة في التملق والتلزق والترزق، يستغلون الناس التي تعشق المديح والتمسيح “فينفخونها” حتى تخدر وتغيب عن الواقع، فخطبوا في الناس حتى هاجت الخواطر وتاهت البصائر. فصرخ الشيخ أبو الأربعاء: “يا شيعة، هؤلاء باعة أوهام، وتجار أحلام! كانوا بالأمس ضدكم واليوم معكم، وغداً ينقلبون عليكم. هم رجال من لعب مع من غلب، أفسدوا عيشكم وشوهوا صورتكم، فابتعدوا عنهم تنقذوا أنفسكم”.

وفي الختام، خرج رجل يُدعى “سهران”، وقال بزهو: “لا نخشى (تيمور-ترامب)، فقد أعددنا في الجبال والكهوف ملاذاً، وسنحول جيشه إلى نفايات نحرقها ونعيد تدويرها!”.

فنظر الشيخ أبو الأربعاء إلى الشيعة والدموع في عينيه، وقال: “عزّ عليّ مآلكم، والله إنكم مقتولون ومشردون. إذا صار ناطقكم غريباً، ومفكركم من غير جلدتكم، فهذا جزاء من يسلم أذنه وعقله لهؤلاء. ما جلب البلاء إلا ضجيج هؤلاء وقباحة ألسنتهم، امتطوا ظهوركم وأضاعوا أموالكم، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

عندما زحف جيش تيمورلنك كالسيل العرم، خرج أهل حمص بثيابهم المقلوبة، وقباقيبهم المعلقة، يطبلون بالصحون ويهذون بالجنون. فلما رآهم الطاغية، ضحك حتى استلقى على قفاه، وقال: “هؤلاء مساكين رفع الله عنهم القلم”، وعفا عن مدينتهم. ومنذ ذلك اليوم، صار “يوم الأربعاء” عيداً للحماصنة، وخلدوا ذكرى الشيخ “ابو الاربعاء” الذي أنقذهم بالحيلة.

أما الشيعة، فقد وقعت عليهم الواقعة، فاحترقت مدنهم، وتشتت شملهم، ولم يبقَ منهم إلا أثر من قبور، وشواهد تحكي قصة أمة أضاعها انصياعها لجهل من استعارتهم للكلام والتفكير عنهم.

وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح..

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى