الفقر والإهمال… ليسا مجرد “ظرف اجتماعي”، بل جريمة بطيئة تقتل الدول من الداخل.
منذ سنة 1956 وحتى اليوم، هناك مناطق كاملة في وطننا تُعامل وكأنها خارج الخريطة:
لا تنمية، لا فرص، لا دولة… فقط وعود انتخابية، ومواسم مساعدات، ثم عودة إلى النسيان.
هذه المناطق الفقيرة والمهمَّشة لا تُهمَل فقط… بل تُستغل.
حين يُترك الناس فريسة العوز، يصبح الشاب “مشروع ضياع”، ويصبح الفقر بوابة مفتوحة أمام شبكات تستثمر في الألم، وتشتري العقول اليائسة، وتحوّل الشباب إلى أدوات في عمليات إجرامية خطيرة.
وهنا لا يعود الحديث عن الأمن فقط… بل عن مستقبل وطن بأكمله.
وأقولها بصراحة: في كل حملاتي الانتخابية، تعهّدتُ أن تكون مكافحة الفقر على رأس أولوياتي، لأنني أؤمن أن الفقر هو مقتل الأوطان.
ليس شعارًا انتخابيًا بالنسبة لي، بل حقيقة عشتُ نتائجها يوميًا بين الناس:
حين يجوع الإنسان تضعف مناعته أمام كل شيء… أمام الانحراف، وأمام الاستغلال، وأمام اليأس الذي يقتل الروح قبل الجسد.
الجريمة لا تبدأ من الشارع…
الجريمة تبدأ من قرار سياسي واجتماعي واقتصادي يقول ضمنيًا: “اتركهم… سيتدبرون أمرهم.”
لكنهم لا يتدبرون أمرهم…
هم يسقطون.
والأخطر أننا نعيش تناقضًا قاتلًا:
نخاف من نتائج الفقر، ولكننا لا نواجه أسبابه.
نستنكر العنف والانحراف، لكننا نُبقي بيئته قائمة.
نلوم الشباب، بينما نحن لم نمنحهم مدرسة محترمة، ولا مهنة، ولا أفقًا.
الحل ليس حملة أمنية… ولا خطابًا أخلاقيًا على الشاشات.
الحل هو نهضة اجتماعية واقتصادية شاملة:
تعليم نوعي مجاني محترم
فرص عمل حقيقية لا زبائنية
بنى تحتية تُشعر الإنسان أنه مواطن لا عبء
مشاريع إنتاج صغيرة تُعيد للناس كرامتهم
عدالة اجتماعية تمنع احتكار الثروة والفرص
ولكن السؤال القاسي يبقى:
من الذي يريد فعلاً أن ينهض بهذه المناطق؟
من الذي يريد أن يمنع استثمار السياسيين في فقر الناس؟
من الذي يريد أن يكسر الحلقة التي تُبقي الفقراء فقراء ليبقوا تابعين؟
من هنا، دعوتي اليوم ليست للشكوى… بل للتحرّك:
لا تُعطوا أصواتكم لمن يتذكّركم فقط في موسم الانتخابات.
لا تُطبّعوا مع الإهمال كأنه قدر.
طالبوا بحقوقكم كحقٍّ لا كصدقة.
اسألوا المرشحين عن خططهم الفعلية لمكافحة الفقر: أين المشاريع؟ أين التمويل؟ أين التنفيذ؟
نظموا أنفسكم: لجان أهلية، مبادرات محلية، ضغط إعلامي، مساءلة مستمرة.
الفقر لا يُهزم بالصمت.
والإهمال لا ينتهي بالانتظار.
لبنان لا يحتاج عواطف… يحتاج إلى وعيٍ جماعي وإرادةٍ شعبية لا تُشترى.
رغم كل شيء… أنا أؤمن:
لا يوجد وطن ميؤوس منه، بل توجد أوطان تُترك عمدًا دون إنقاذ.
ولذلك الأمل ليس ترفًا… بل واجب.
الأمل يبدأ حين نقرر أن نعيد تعريف الدولة:
الدولة ليست خطابًا ولا صورة…
الدولة هي قدرة الناس على العيش بكرامة.
وغدُنا الأفضل ليس حلمًا مستحيلًا…
إنما قرار.
قرار بأن نُنقذ المناطق المنسيّة قبل أن تتحول إلى انفجارٍ في وجه الجميع.
وأن نبني لبنان بعدالة… كي لا يصبح الفقر هو الحاكم الحقيقي للبلاد.
خلود وتار قاسم
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.