خبر الان

دماء الجنوب والسيادة المذبوحة بالغياب

​تحت سماء الجنوب التي لا تنام على ضيم، ارتقى وليد عليق شهيدا على طريق ميفدون، ليكون شاهدا جديدا على عجز المنظومة التي تقتات على الشعارات وتسكن في أبراجها العاجية، فلم ينعم هذا المواطن المظلوم بحماية الدولة التي بشر بها جوزاف عون بعد مرور عام على انطلاقة عهده المثقل بالوعود الخاوية، ولم تفتح له المؤسسات ذراعيها لتمنحه حق الحياة والامن، بل تركته وحيدا يواجه قدره بصدور عارية، وحين انقض الصاروخ الغادر، لم يكن يسمع ببيانات السيادة ولا بحصرية قرار السلم والحرب التي يتغنى بها الرئيس النائم نواف سلام، ذاك الذي اختار السبات العميق في وقت تشتعل فيه القرى وتنزف فيه الطرقات، لقد سقط وليد في المسافة الفاصلة بين دولة الاستعراضات العسكرية وبين وطن مستباح، وبين رئيس حكومة يدير الفراغ بدم بارد، وبين شعب يدفع ثمن الغياب الرسمي من لحمه الحي ودمائه الطاهرة.

​رحل وليد عليق ليفتح جرحا لا يندمل، جرحا يمتد من ازقة القرى الصامدة إلى ركام البيوت التي تهاوت فوق أحلام قاطنيها، ففي هذه الحرب المجنونة لا يقتصر الموت على من اختار المواجهة، بل يطال الابرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في حسابات الساسة وصراعات النفوذ، هم اولئك الاطفال الذين كانت قصصهم تنتهي قبل أن تبدأ، والنساء اللواتي صرن حارسات للدموع والأنقاض، يلملمن ما تبقى من ذاكرة بيوت هدمت بآلة غدر لا تفرق بين مقاتل وعابر سبيل، ولا تعترف بقدسية السكن وأمان العائلات، إن مشاهد الدمار التي تعم القرى ليست مجرد حجارة سقطت، بل هي أعمار كاملة وتاريخ من الشقاء والكدح سحقته صواريخ الحقد في لحظة غياب كامل للضمير الوطني والدولي.

​إن هذه الدماء المسفوكة للاطفال والنساء هي الادانة الصارخة لدولة استقالت من مهامها، وتركت مواطنيها وليمة للنار والحديد، فكيف يمكن للرئيس النائم أن يغمض له جفن والبيوت تهدم فوق رؤوس أصحابها، وكيف لقادة المؤسسات الأمنية أن يتحدثوا عن الانجازات والسيادة والجنوب يذبح من الوريد إلى الوريد، إنها مأساة شعب وجد نفسه بين مطرقة العدوان وسندان التخلي الرسمي، حيث تصبح حياة الانسان أرخص ما في معادلات قرار الحرب والسلم المزعوم، وحيث يغدو هدم المنزل واقتلاع العائلة من جذورها مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار التي يتابعها المسؤولون من خلف زجاج مكاتبهم المكيفة، بعيدا عن غبار الركام ورائحة الموت المنبعثة من تحت الأنقاض.

​إن جريمة قتل الابرياء وهدم البيوت هي الوجه القبيح للعجز الرسمي الذي يشرعن الاستباحة، فالدولة التي لا تحمي طفلها من الموت ولا تمنع هدم سقف بيت مواطنها هي دولة فاقدة للشرعية الاخلاقية قبل القانونية، فسلام على ارواح الابرياء الذين سقطوا وهم لا يدركون لم يقتلون، وسلام على تلك الامهات اللواتي صرخن في واد غير ذي زرع، بينما كان حكام البلاد غارقين في جدل البيزنطيين حول الصلاحيات والمناصب، ولعنة التاريخ ستبقى تلاحق كل من صمت أو تواطأ أو نام على كرسيه والبيوت تهدم والاطفال يذبحون في أرض باركها الله وخذلها السلاطين.

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى