شيرين.. قيثارةٌ من وجع، ونبضٌ لا يخون
هناك أصواتٌ نمرُّ بها، وهناك أصواتٌ تمرُّ بنا ،تسكننا، تعيش في تفاصيل قصصنا، وتصبح هي لسان حال قلوبنا حين يعجز الكلام. وشيرين عبد الوهاب لم تكن يوماً مجرد مطربة، كانت دائماً تلك “النبضة” الصادقة التي تشبهنا في انكسارنا وفي كبريائنا.
يا صوتها الأخّاذ..
كيف لهذا الصوت الذي يمتلك قدرةً إلهية على ترميم أرواحنا، أن يكون هو نفسه المسكون بكل هذا الشجن؟ أعترف أنني غارقة في عشق هذا الصوت؛ تلك البحّة التي تحمل رائحة الأرض، وتلك النبرة التي تفيض إحساساً حتى يكاد يذوب المستمع بين مخارج حروفها. شيرين لا تغني بحنجرتها، إنها تغني بقطعة من روحها، وهذا سرُّ سحرها الذي لا يُنافس.
وجعُ الضعف أمام عواصف الحياة
لكن، وبقدر ما أعشق فنها، يملأ قلبي حزنٌ لا يقلُّ عمقاً عن حزني على غيابها. يحزنني جداً أنها، رغم نجاحها الأسطوري، ورغم أنها تملك العالم بوقوفها على خشبة المسرح، لم تكن بالقوة الكافية في مواجهة عواصفها الشخصية. يُدمي قلبي أن أرى “نجمة مصر” وهي تقع فريسةً لظروفٍ قاسية، وكأنها طائرٌ رقيق الجناحين، يُجيد التحليق في سماء الفن، لكنه يتخبط بمجرد أن تلامس قدماه أرض الواقع المثقلة بالهموم.
لقد سرقتنا المشاكل من شيرين، وسرقت شيرين من نفسها. آلمني أنها لم تستطع أن تستمدَّ من حبنا لها درعاً يحميها، وأنها في لحظات ضعفها، كانت بمفردها تماماً أمام “غول” الأزمات الذي حاول إطفاء بريق عينيها.
رسالة إلى روحها..
يا شيرين، نحن لا نحبكِ لأنكِ مثالية، بل نحبكِ لأنكِ “حقيقية”. نحبكِ بعفويتكِ التي كلفتكِ الكثير، وبضعفكِ الذي يشبه ضعفنا، وبأخطائكِ التي هي ضريبة القلب الطيِّب في زمنٍ لا يرحم.
يؤسفني أنكِ لم تدركي بعد حجم القوة التي تكمن في صوتكِ؛ هذا الصوت الذي يستطيع أن يهزم المستحيل لو آمنتِ به. جمهوركِ الكبير لا يزال واقفاً على رصيف الانتظار، ليس رغبةً في “لحنٍ جديد” فحسب، بل رغبةً في أن يراكِ منتصرة على أحزانك، قويةً في وجه من خذلوكِ، وعائدةً بمقامكِ الرفيع الذي يليق بكِ وحدكِ.
شيرين.. أنتِ لستِ مجرد أزمة وتمر، أنتِ تاريخٌ من الإحساس، والقلوب التي سكنتِها لا تزال تدعو لكِ بالسلام، وتنتظر أن تعود “بنت النيل” لتضيء عتمة أيامنا بضحكتها وصوتها الذي لا يشبهه شيء.