هواجس المسيحيين وحق الشيعة: دعونا نستثمر ورقة السلاح دوليا؟
ثمة حقيقة راسخة في الوجدان اللبناني يصعب القفز فوقها: الغالبية الساحقة من المسيحيين، ولا سيما الموارنة، ترفض مبدئيًا أي سلاح خارج إطار الدولة، حتى لو كان هذا السلاح منبثقًا من بيئتهم نفسها.
بالنسبة للمسيحي، لا وطن بديل عن لبنان، ولا كيان آخر يمكن التعويض به. لبنان هو مشروعه التاريخي والسياسي والوجودي، وهو “البيت” الذي تشكّل فيه وتكوّن، وإن شاركه فيه الآخرون.
في المقابل: فقد قدّم الشيعة التضحيات الجسيمة في سبيل لبنان والقضايا العربية والاسلامية، وهناك 90% من الشيعة ترى في سلاحها ضمانة للبقاء داخل هذا الوطن نفسه. بعد ان خذلهم الكثيرين سياسيا وطائفيا في لبنان والمنطقة، وهم يتمسكون بعناصر القوة لأنها تحمي وجودهم، فلبنان هو بيتهم الوحيد، وفضاؤهم السياسي الأخير، في ظل غياب أي تمثيل رسمي أو مظلة إقليمية أو دولية تحميهم خارجه.
تاريخيًا، كانت صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني تشكّل المحرك الأساسي للدولة والسياسة. إلا أن الحرب الأهلية أعادت إنتاج التوازنات، فكان “اتفاق الطائف” الذي وزّع صلاحيات سلطة الرئيس المارونية على ثلاثية طائفية.
انقسم اللبنانيون: فريق رأى في الاتفاق ولادة قبل أوانها تحتاج إلى حماية، وفريق آخر اعتبر أن وجود الجيش السوري شكّل فرصة تاريخية لفرض نزع سلاح الميليشيات، لأن أياً منها لم يكن ليسلّم سلاحه طوعًا مهما طال أمد الحرب.
مطلع التسعينيات “وهذا النقاش كنت اسمعه من نخبة مسيحية في الصالونات السياسية”، حول سلاح “القوات اللبنانية” وهو شديد الشبه بالنقاش الدائر اليوم حول سلاح “حزب الله”. بعد نفي الجنرال عون ورفاقه، واحتلال اجزاء مما عرف بمنطقة “الشرقية” أدركت “القوات” أنها محاصَرة دوليًا وإقليميًا، فاختارت تسليم سلاحها والانخراط في التسوية. غير أن النتائج جاءت صادمة: خلال سنوات قليلة، حُلّ الحزب، اعتُقلت قياداته، هُجّر كوادره، وانتهت عمليًا مرحلة “المارونية السياسية”.
اليوم، يقرأ الشيعة هذا المسار باعتباره تحذيرًا تاريخيًا. فإذا كان المجتمع الدولي قد بطش بالمسيحي الماروني، الأقرب ثقافيًا وسياسيًا إلى الغرب، فكيف سيكون تعاطيه مع الشيعي المحاصر عربيًا، والمعزول دوليًا، والمصنّف في خانة العداء الصريح للنظام العالمي؟
الفوارق هنا جوهرية:
1. الامتداد: المسيحي لديه كنيسة عالمية ولوبيات قوية وقدرة على الهجرة والعمل في أوروبا وأمريكا. أما الشيعي فمحاصر عربياً، ودولياً، وموضوع على قوائم الإرهاب.
2. الميدان: القوات كانت تلاحقها سوريا، أما الحزب تقاتله إسرائيل وتلاحقه سوريا الجديدة وهناك تحالف دولي مستعد لمحاربته.
3. لعبة المصالح: سابقاً، كانت “القوات” تتقاطع في معركتها ضد الفلسطينيين والسوريين مع مصالح دولية تدعم إسرائيل. أما اليوم، فحزب الله في عداء مباشر وصريح مع المشاريع الأمريكية والإسرائيلية، مما يضعه في مواجهة مباشرة مع قوى لا تريد “حلاً” بل تريد “تصفية”.
كما يبدو أن هناك قانوناً دولياً يحاسب كل طائفة لبنانية تنشط سياسيا:
• في 1949، عندما قام الروم بدورهم العربي الريادي للدفاع عن قضايا الامة العربية “اعدم الزعيم انطون سعادة” وأعدم معه حراك الروم السياسي.
• في 1958، عندما تحمس “السنة” للمد الناصري، تدخلت أمريكا وأنهت حراكهم السياسي، ودفع الدروز الثمن غاليا.
• في 1990، انتهى الحراك السياسي “الماروني” بعد نفي واعتقال واغتيال زعمائهم وتسليم السلاح.
• في 2025، يبدو الدور وصل إلى “الشيعة” ليس فقط لكسر حراكهم السياسي، بل لمحاسبتهم على مواجهة النظام العالمي.
يجب أن نكون واقعيين؛ لولا وجود حزب الله اليوم، لكان السياسيون اللبنانيون لا قدرة لهم الا تنفيذ الأوامر الامريكية دون نقاش.
وجود سلاح حزب الله يمنح الدولة والساسة اللبنانيين، فرصة لفرض شروطهم حتى على الدول العربية، التي تتسابق اليوم الى لبنان لاجل ان تثبت للامريكي انها قادرة على تقديم الحلول.
لذلك، بدلاً من الصدام الداخلي، يجب على اللبنانيين (رجال الدولة والساسة المخضرمين) الاستفادة من ورقة السلاح، اقله في “البازار الدولي” لتحصيل حقوق لبنان السيادية وانتاج توازن يحمي مصالحهم ودورهم، بدلاً من التفريط بهذه الورقة مجاناً كما حدث عندما فرط اللبنانيين بورقة سلاح القوات بسبب اختلافهم ولارضاء السوري والامريكي، والتاريخ يكرر نفسه.
لو كانت أمريكا تريد حلاً حقيقياً، لضغطت على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة، ولسمحت بإعادة الإعمار وعودة الاسرى الى ذويهم، والمهجرين الى بيوتهم وحقولهم وقراهم، ولرفعت أسماء اللبنانيين عن قوائم الإرهاب (كما فعلت مع “جبهة النصرة” التابعة لداعش الارهابية، رغم الفارق الشاسع، فالحزب حمى الأقليات بينما داعش والنصرة نحرتهم).
أو على الأقل، لو أمريكا كانت لا تريد حربا في لبنان، لفتحت أبواب الهجرة للشيعة كما فعلت مع مطلع التسعينيات للمسيحيين، عندما تركت البلد لسوريا دون أن تكلفها رصاصة واحدة. لكن الحقيقة أنهم لا يريدون حلاً؛ يريدون لبنان “منصة غاز” ومنطقة أمان لإسرائيل، ولو كان الثمن تدميره بالكامل، لاعادة هندسته من جديد.
الخلاصة:
لا أحد يطالب ببقاء السلاح خارج الدولة للأبد، والحزب نفسه أعلن ذلك صراحة. ولكن من حق الشيعة حماية أنفسهم بعد أن خذلتهم الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي حين كانت إسرائيل تحتل قراهم وتنكل بهم. نحن اليوم على شفا انفجار يحاكي الحرب الأهلية، لكنه في الحقيقة “حرب دولية” بذرائع داخلية.
نحن بحاجة إلى حلول “ذكية متوازنة بين الداخل والعالم” تنقذنا جميعاً، قبل أن يدفع اللبنانيون ثمن “حلم الاقتصاد الأمريكي والاحتلال الإسرائيلي” من جهة، والانقسام الداخلي من جهة اخرى.
السؤال الكبير: هل سيبعث “طائر الفينيق” اللبناني من جديد وسط النار والرماد؟ أخشى هذه المرة أنه قد استنزف كل حيواته الاربعة، فالروح التي لا تستطيع التوحد حول وطنها، قد لا تجد وطناً اخر لتبعث لاجله من جديد.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.