بلد المياه يعاني الجفاف: عندما تغضب الطبيعة… أم تُتَّهم؟
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
حلّ شتاء هذا العام على لبنان واعدًا، فالأمطار هطلت بغزارة وفاقت التوقعات، غير أنّها، وكعادتها في ظل دولة عاجزة عن التخطيط، تحوّلت من نعمة منتظرة إلى عبء ثقيل. سيول، طرقات مقطوعة، وبنية تحتية مكشوفة على عجزها، في بلد لا يملك استراتيجيات بعيدة المدى لإدارة موارده الطبيعية، ولا رؤية مستدامة لتحويل المطر إلى أمن مائي.
في طرابلس، المدينة التي لطالما عانت من تحديات المياه، تحوّل هذا الطقس العاصف إلى اختبار حقيقي لصمود بنيتها التحتية، عندما أدت السيول إلى انهيارات صخرية جزئية داخل جوف مغارة نبع وادي هاب، أحد أهم مصادر المياه للمدينة والميناء.
هذه الحادثة ليست نتيجة خطأ إداري، بل هي كارثة طبيعية مفاجئة، ناتجة عن قسوة الظروف الجوية وتآكل الصخور والتربة بفعل السيول، ما أدى إلى انسداد جزئي أو كلي في مجرى المياه المتجه من النبع نحو شبكات التزويد. النبع يوفّر حوالي 30–40٪ من حاجات طرابلس والمناطق المحيطة، لذا كان أثر الانقطاع كبيرًا وفوريًا على ضخ المياه للمناطق المعتمدة عليه بشكل رئيسي.
ومع أن السبب الأولي طبيعي، فإن طبيعة الشبكات القديمة والطابع الجيولوجي الحساس للمغارة والنفق يجعل القدرة على الاستجابة الميدانية المعقدة تتطلب وقتًا أطول، إذ حالت تعقيدات الموقع دون معاينة سريعة وفورية، واضطر الفريق الفني إلى التدخل اليدوي مع دعم تقني وخبرة متخصصة، لتحديد أبعاد الضرر بدقة قبل البدء في الإصلاح. وحتى الآن، لم تُعلن أرقام رسمية عن طول أو عمق الانهيار، وهو ما يجعل حجم الكارثة الحقيقي مرهونًا بالتقييم الميداني القادم، لكن المعطيات الاولية تقول ان العمق هو ١٣٠ متر والمسافة هي بعد ٣ كيلومتر.
في هذا السياق، يظهر الخوف المشروع من الحلول الترقيعية التي لطالما اعتمدت في لبنان عند مواجهة الكوارث، إذ أنّ أي حادث طبيعي مهما كان بسيطًا قد يتحوّل إلى أزمة مستمرة بسبب ضعف التخطيط الطويل الأمد واستمرار اعتماد ترقيعات مؤقتة. كما أنّ التراشق بالاتهامات بين الجهات الرسمية يوضح أنّ الاستعداد لأي طارئ يبقى ناقصًا، ويزيد من وقع الكارثة على المدينة وسكانها.
وفي الوقت نفسه، يظهر أثر الأزمة الاجتماعي والاقتصادي، إذ عادت صهاريج المياه لتفرض نفسها كحل قاسٍ، مع ارتفاع الأسعار إلى مستويات مبالغ فيها، ما يجعل المياه رفاهية تُدفع عليها أثمان باهظة، ويجعل الفقراء فريسة لانعدام البدائل في مدينة لا تتجاوز فيها أجرة العامل اليومية 10 دولارات، في حين يصل سعر الصهريج أحيانًا إلى 30 دولارًا.
أزمة المياه في طرابلس هذا الموسم ليست مجرد خلل في الشبكة أو خطأ إداري، بل نتيجة طبيعية قاسية أظهرت هشاشة تصميماتنا وقدراتنا الاستجابية. الطبيعة هي السبب المباشر، لكن افتقار الدولة إلى خطط استباقية وتحصين استراتيجي لمثل هذه المواقع الحساسة يزيد من تأثير الكوارث ويطيل زمن الاستجابة. السؤال الذي يبقى مطروحًا بقوة: هل ستستمر الطوارئ في كشف ضعف الاستعدادات، أم سنبدأ أخيرًا في بناء دولة تُدير مواردها الطبيعية بذكاء وتحصّن بنيتها تجاه القادم من تقلبات الطبيعة؟