بين السلاح وسقوط ايران ماذا يستفيد لبنان
بقلم ناجي علي أمهز
ليس في السياسة ما هو أشد خطراً من الخلط بين الرغبات والوقائع، ولا ما هو أكثر كلفة من قراءة التاريخ بعين الطائفة لا بعين الدولة. ومن هنا، لا يمكن مقاربة مسألة سلاح حزب الله، ولا فرضية سقوط إيران، خارج السياق العميق لتكوين المشرق العربي؛ حيث الطائفية ليست عَرَضاً، بل بنية راسخة منذ قرون.
التاريخ القريب يعلّمنا أن الزعامة لا تُقاس بالخطابة. جمال عبد الناصر، صاحب الصوت العالي والخطب الطويلة، قاد مشروعاً انتهى بنكسة 1967، وبخسارة مصر لدورها الاستراتيجي، وبسبب النكسة وقعت اتفاقية كامب ديفيد. في المقابل، كان حافظ الأسد قليل الكلام، شديد الصمت، يبني دولة إقليمية متماسكة، ويمسك بتوازنات الداخل والخارج لعقود.
الرجلان قاتلا “الإخوان المسلمين”، ومع ذلك حوسبا بمعيار طائفي لا سياسي؛ سُمح لعبد الناصر بكل أخطائه لأنه “ابن الطائفة الكبرى”، فيما حُوكم الأسد حتى في قبره لأنه “علوي”.
لقد اتُهم حافظ الأسد بأنه “إسرائيلي” فقط لانه علوي، رغم أنه لم يلتقي مع اسرائيلي ورفض السلام المنفرد والتنازل عن الجولان، بينما اليوم يُعتبر “الشرع” بطلاً وهو الذي بدأ مسار التنازلات وتوقيع الاتفاقيات واللقاءات مع الاسرائيليين. ما كان خيانة بالأمس يُقدَّم كبطولة اليوم، لا لجوهر الفعل، بل لهوية الفاعل.
الشيعي الذي دافع عن فلسطين واغتيلت قياداته ودُمّرت مدنه لأجلها، يُقال عنه اليوم “مجوسي ورافضي وفارسي”، بينما أردوغان التركي الذي يقيم الاتفاقيات مع إسرائيل يُنادى بـ “زعيم الأمة”، رغم أنه لم يطلق رصاصة واحدة، بل كانت بلاده تمد إسرائيل بالمواد الغذائية إبان حصار غزة.
هذه المقدمة ضرورية لفهم ما ينتظر لبنان؛ فهي رسالة إلى الشيعة والمسيحيين معاً: لا أحد في هذا المشرق يُحاسَب خارج ميزان الطائفة. الغرب يعرف هذه الحقيقة، ويعرف أن المجتمعات السنية لا تقبل أن تُحكم إلا من أبنائها. وتجربة أفغانستان نموذج؛ حيث فشلت أميركا اجتماعياً لا عسكريا، لأن الشعب الافغاني اختار “طالبان” بكل انغلاقها.
حتى شارل مالك والشيخ بيار الجميل اللذان حاربا إسرائيل بالفكر والسياسة وُصما بـ “الانعزاليين” لان بشير الجميل طلب دعم اسرائيل لقتال الفلسطينيين، بينما تطلب جبهة النصرة الدعم من اسرائيل لقتال ما اسمته بالنظام العلوي فانه يعتبر جهادا في سبيل الله.
حتى الدروز الذين استنجدوا باسرائيل لحمايتهم من الذبح على يد جبهة النصرة اعتبروا كفارا وخونة، بينما ان تطبب اسرائيل وتدعم جبهة النصرة في قتال الدولة السورية فانه بطولة.
إنها ازدواجية المعايير الطائفية التي تحكمنا.
لا ينبغي للبنانيين أن يتوهموا بالسياسة مركزية وطنهم عالميا، لانه في نظر الغرب “تفصيل حساس” لا محور الكون. يُحمى لأنه مختبر للتعدد، لا لأنه قوة عظمى. لبنان بدوره الفلسفي هو مساحة لقاء، وقد صمد رغم المخططات التي أرادت تقسيمه إلى “ولايات خمس”، وهو المخطط الذي نراه يطل برأسه اليوم بعد مئة عام.
لقد فشلت كل محاولات الدمج القسري؛ فسوريا الأسد حاولت لـ 40 عاماً تفكيك الطائفية بالتعليم والقانون، فانهار كل شيء في أشهر. ولبنان جرب أن يكون “مسيحياً” فخسر، وجرب أن يكون “إسلامياً” فخسر، لأنه بلد لا يعيش إلا بالتوازن.
في مشرق طائفي حتى الموت، لا يمكن مطالبة طائفة مهددة وجودياً بالتخلي عن قوتها دون ضمانات. وإذا كان العالم يريد سحب سلاح حزب الله، فليجب عن الأسئلة الحقيقية:
1. من يحمي الشيعة؟
2. من يضمن الأمن الاجتماعي؟
3. من سيعوض مئات آلاف العائلات التي تعيش على شبكة دعم مرتبطة بإيران؟
اذا قال الغرب الدولة تحمي اذا كم مليار يجب ان يدفع هذا الغرب للبنان طالبوه بهذا الامر.
إيران هنا ليست مجرد شعار، بل هي شبكة رعاية وتعليم وصحة وغذاء لأكثر من مليون إنسان (شيعة وغيرهم). قطع هذا الشريان فجأة لا ينتج انتصاراً لفريق، بل ينتج فوضى شاملة و”صوملة” للبنان.
حتى الشركات الكبرى حين تُفلس، تُلزَم بالتعويض كي لا تسبب بطالة واهتزازاً اجتماعياً. فكيف بتنظيم يضم مقاتلين مدربين؟ هل سيُرمون في الشارع؟ أميركا نفسها قدمت الرعاية والتعويضات لجنودها العائدين من الحروب لأنها تعرف أن المقاتل بلا أفق هو “مشروع حرب داخلية”.
لبنان لا يحتاج أزمات جديدة، بل حلولاً متدرجة. المطلوب “تدوير الزوايا”؛ استثمار ورقة السلاح لتحصيل انسحاب إسرائيلي، وإعمار، وعودة مهجرين، وضمانات زمنية واضحة. ثم نبدأ نقاشاً لبنانياً هادئاً بلا تخوين.
أما المراهنة على سقوط إيران، فنتائجها لن تكون “رذاذ مطر” بل “سقوط نيزك”. السؤال هو: ماذا سيولد بعد السقوط؟ هل ستنتهي الشيعية السياسية بسلام، ونكون امام حشود من الالبان والشيشان والافغان كما في سوريا، أم سنشهد “حشداً شعبياً” بعد مجازر كـ “سبايكر”؟ هل سنُهجر كالمسيحيين والإيزيديين في العراق.
حتى لو لم نهجر كيف سيكون دورنا في هذا المشرق وهل سيذهب لبنان الى الازدهار ام ستكون يده على الزناد وتحت الابتزاز السياسي الدائم لحماية وجوده وحدوده ودوره.
نحن بحاجة إلى حلول، لا إلى صناعة أزمات. نحن كاقليات لم يعد لدينا الا الدولة لانها الحصن الاخير في المنطقة، دعونا ننتقل الى الدولة بهدوء وروية بانتاج حوار وتوافق داخلي، لا ان نكرر تجربة النكسة المسيحية عام 1990.
اللبنانيين الذين رضخوا لشروط الامريكي والسوري اخطئوا في معالجة الموضوع المسيحي حينها، هل اليوم نعيد الخطأ نفسه وبتكلفة اعلى.
هذا العالم لا يرحم.
فقد اغتيل الشهيد الرئيس بشير الجميل بـ 500 كيلو من المتفجرات.
بينما اغتيل الشهيد الرئيس رفيق الحريري بالف كيلو من المتفجرات.
اما اغتيال الشهيد السيد نصرالله فانه باكثر من 83 الف كيلو من المتفجرات التي القيت بالطائرات الحربية لاغتياله.
من استفاد من طوفان الاقصى الفلسطينيين الذين قتلوا وجرحوا او الاسرى الجدد او الذين يعيشون بين الموت والقبر في خيم تحت المطر.
من المستفيد من دمار سوريا وتهجير شعبها.
المستفيد من كل شيء هي جهة واحدة، انها الدول الكبرى.
الحروب تغيرت، وادوات الصراع اختلفت، لا يحتمل لبنان اي صراع داخلي، يجب ان تعمل القيادات بعيدا عن المزايدات والاستفزازات خاصة القيادات الشيعية والمسيحية، لما فيه مصلحتهم وملصحة لبنان ككل.