«قراءة في سياسة التوقيت، وإدارة الابتزاز، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية»
توقيت ظهور وثائق جيفري إبستين يفرض سؤالًا أبعد من مضمونها: لماذا الآن؟
ففي منطق الاستخبارات وإدارة النفوذ، لا تُفتح الملفات حين تكتمل، بل حين يُراد توظيفها سياسيًا. وما كُشف لا يمكن اختزاله بفضيحة أخلاقية معزولة، بل يُقرأ كجزء من شبكة ابتزاز عابرة للحدود، استُخدمت لضبط سلوك شخصيات نافذة مشاركة في صناعة القرار العالمي.
الأخطر من الوقائع ذاتها هو توقيت تسريبها. فالفضائح الكبرى تاريخيًا تُستثمر لإعادة ترتيب موازين القوة، وكسر الرموز، وسحب الشرعية الأخلاقية من نخب قبل الدخول في مراحل اضطراب أوسع. الهدف ليس إحقاق العدالة بقدر ما هو إعادة ضبط الطاعة داخل المنظومة الحاكمة.
اجتماعيًا، تؤدي هذه التسريبات إلى صدمة أخلاقية جماعية، وانقسام في الرأي العام، وتآكل الثقة الشاملة بالمؤسسات، ما يخلق بيئة مهيّأة لتقبّل أنماط حكم أكثر صلابة تحت شعار “الإنقاذ” أو “إعادة النظام”. هنا لا تبدأ الخطورة بالحرب المباشرة، بل بإعادة تعريف مفاهيم الخير والشر، والعدو والمنقذ.
في هذا السياق، يعود الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد بوصفه نقطة تقاطع للصراع الجيوسياسي والرمزي. فالتصعيد لا يُراد له الحسم، بل الاستمرار بما يبرّر عسكرة الاقتصاد، وتشديد القبضة الأمنية، وإعادة تعريف الوطنية بوصفها طاعة لا مساءلة.
قضية إبستين تكشف أن الأشخاص ليسوا بالضرورة مركز الشبكة، بل أدوات داخلها. وحين تنتهي صلاحية الأداة، يُفتح ملفها لإرسال رسائل ردع واضحة لبقية اللاعبين: الخروج عن الصف له ثمن.
أما النخب المتحكمة، فهي لا ترى نفسها فاسدة بقدر ما تعتبر ذاتها فوق المعايير العامة، وهو ما يفسّر قدرتها على إدارة الفوضى دون شعور بالذنب. الرسالة الضمنية من هذه التسريبات ليست “نحن فاسدون”، بل “نحن قادرون على إسقاط بعضنا”.
الخلاصة أن المرحلة الراهنة ليست مرحلة كشف حقيقة بقدر ما هي مرحلة فرز ووعي. فليس كل من يفضح منقذًا، ولا كل فضيحة عدلًا. الخطر الحقيقي يكمن في استبدال نخبة سقطت بأخرى أكثر صمتًا ودهاءً، تحت عنوان نظام جديد.
النجاة في هذه المرحلة لا تقوم على امتلاك المعلومات، بل على البصيرة: رفض تبرير الفساد مهما تغيّر شكله، وعدم تسليم الوعي لأي خطاب “خلاصي” يولد من قلب الفوضى
رئيس تحرير سنا tv
سنا فنيش