الأرض في الوجدان اللبناني: أكثر من ملكية وأقل من وطن لا تكون
المشهد: باحة منزل قروي عتيق في جنوب لبنان.تظهر في الخلفية أشجار زيتون معمرة، وجدار صخري قديم. “أبو حديد” (رجل سبعيني، يرتدي القمباز، يمسك بيده حفنة من تراب الأرض) يواجه ابنه “سامر” (في الثلاثينيات، يرتدي ملابس عصرية، ويحمل حقيبة أوراق).سامر (بنبرة حادة ويائسة):يا بيّي افهم عليّ! البلد عم ينهار، والليرة ما إلها قيمة. جاني عرض بمليون دولار كاش من شركة أجنبية كرمال هالتلة. هيدا السعر ما حنحلم فيه بعد اليوم!أبو حديد (ينظر إلى التراب في يده، ثم يلتفت لابنه بهدوء مخيف):مليون دولار؟ وعم بتسمّيه حلم يا سامر؟ هيدي الأرض مش شقفة عقار مسجّلة بالدوائر العقارية. هيدي رفات جدودك، وهيدا عرق جبيني، ودّم خيّك اللي استشهد وهو عم يحميها.سامر (يقاطعه بانفعال):الشهدا راحت وراحت الإيام! بدنا نعيش ونبني مستقبلنا برّات هالبلد. شو نفع التراب إذا كنا عم نموت من الجوع؟ البيع هون مش عيب، هيدا بزنس!أبو حديد (يتقدم منه وعيناه تشعان غضباً، يرفع يده الممتلئة بالتراب):بزنس؟! بلبنان، اللي بيبع أرضه، متل اللي بيبع عرضه! الغريب اللي جاي يشتري التلة ما بدو يستثمر، بدو يقلع شجر الزيتون اللي عمره من عمر التاريخ ويزرع بداله غدر. بدو يشتري كرامتنا بـ “كاش” بيموت بلحظة، وبيبقالنا العار لآخر العمر.سامر (يهبط رأسه للأرض بصمت، محاولاً إخفاء توتره):بس يا بيّي… الكل عم يبيع.أبو حديد (يضع التراب في جيب جمبازه ويقبض على كتف ابنه بقوة):الرخيص هو اللي بيبيع، واللبناني الحُر بيموت جوع ولا بيمشي بجنازة أرضه. إذا وقّعت على هالورقة، لا أنت ابني ولا بعرفك. الفلوس بتروح، والأرض بتبقى لأصحابها اللي بيعرفوا قيمتها. اختار يا سامر: يا بتبقى زلمة بهالأرض، يا بتعيش غريب غني… بس بلا شرف.(يمشي أبو حديد باتجاه أشجار الزيتون دون أن يلتفت وراءه، يمسك سامر الأوراق بيده، وينظر إليها بتردد، ثم يبدأ بتمزيقها ببطء).
