خبر الان

دكتاتورية الترفيه: حين يصبح “الملل” هو الرفاهية الأغلى في عام 2026

في اللحظة التي تفرغ فيها من قراءة هذه الجملة، سيكون هناك آلاف الخوارزميات التي تعمل خلف شاشتك في صمت مطبق لضمان ألا تترك هاتفك أبداً، ففي عالمنا اليوم، عام 2026، لم يعد الذهب أو النفط هو السلعة الأغلى، بل أصبح “انتباهك” هو المنجم الذي تتصارع عليه القوى العظمى. لقد خضنا حرباً شرسة ضد الفراغ وظننا أننا انتصرنا حين ملأنا كل ثانية من حياتنا بمحتوى لا ينتهي، لكننا في الحقيقة خسرنا أعظم هبة بشرية وهي القدرة على “اللاشيء”. هل تتذكر متى كانت آخر مرة جلست فيها في حافلة أو انتظرت دورك في رواق طويل دون أن تمد يدك إلى جيبك لتستخرج ذلك “المخدر الرقمي”؟ لقد أصبحنا نخشى الصمت كما لو كان وحشاً سيفترسنا، بينما الحقيقة أننا نهرب من مواجهة أفكارنا وأحلامنا وحتى تساؤلاتنا الوجودية التي لا تظهر إلا في لحظات السكون.

ما لا تدركه وأنت تلاحق الإشعارات المتتالية هو أنك تحرم دماغك من أعظم وظائفه، فالعلم يخبرنا في دراساتنا الحديثة لهذا العام أن العبقرية لا تولد من رحم الانشغال، بل من رحم الملل؛ ففي تلك اللحظات التي “لا نفعل فيها شيئاً”، تنشط شبكات عصبية معقدة لتربط الخيوط المنفصلة وتولد الأفكار المبتكرة التي نطلق عليها لحظات الإلهام. نحن اليوم نعيش حالة من “التخدير المستمر”، حيث تحولنا من منتجين للأفكار إلى مجرد حاويات لبيانات الآخرين، وهو ما جعل “الملل” يتحول من حالة ذهنية مزعجة إلى رفاهية نادرة لا يمتلكها إلا الشجعان. إن امتلاك أحدث التقنيات في 2026 ليس دليلاً على الثراء، بل إن الثراء الحقيقي هو القدرة على قطع الاتصال والجلوس مع الذات دون شعور بالذعر أو الحاجة للهروب، لأن العقل الذي لا يمل هو عقل لا يبتكر ولا يواجه الحقيقة. إن استعادة قدرتك على أن تمل هي في جوهرها إعلان استقلال عن دكتاتورية الترفيه، وهي الخطوة الأولى لاستعادة إنسانيتك المفقودة وسط ضجيج الخوارزميات، فهل تملك الشجاعة الآن، بعد أن تضع هاتفك جانباً، أن تكتفي بالتحديق في الفراغ وتسمع صوت أفكارك الخاص لأول مرة؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى