سلطة الوهم والتبعية وتكرار فيلم السقوط
يتبنى وزير الخارجية يوسف رجي، في سياق يتماهى مع طروحات رئاسية، خطابا يروج لانقضاء صلاحية المقاومة بعدما اعتبرها سببا في جلب الدمار وعبئا ثقيلا على حاضنتها الشعبية وعلى الكيان اللبناني باسره، منطلقا من قناعة مفادها اننا خسرنا المعركة امام اسرائيل مما يستوجب المبادرة بتقديم التنازلات. ان هذا الطرح يمثل جوهر المنطق الذي تعتمده السلطات السياسية التي تبرز عقب الحروب الاستعمارية الامريكية والاسرائيلية في منطقتنا، حيث تسعى جاهدة لتنفيذ ما عجز الاحتلال عن تحقيقه عسكريا من خلال اختراق الجبهة الداخلية وتفكيك عناصر قوتها.
ان المشهد الراهن يعيد الى الاذهان وبصورة مطابقة ما جرى بعد اجتياح عام 1982، حين برزت سلطة كانت تنسق بشكل علني مع قوات المارينز والعدو الصهيوني، وشرعت في مطاردة المقاومين والتنكيل بالقوى الوطنية الصامدة تحت ستار الواقعية والمنطق. كانت حكومة امين الجميل انذاك تروج لنفس السردية التي نسمعها اليوم، محاولة اقناع اللبنانيين بضرورة الرضوخ للمشيئة الاسرائيلية وتوقيع اتفاقية سلام عام 1983، مدعية ان قيام الدولة وبناء مؤسساتها برعاية امريكية يتطلب حتما القضاء على فصائل المقاومة والمنظمات الفلسطينية لضمان الامن والرفاهية، وهي ذات الادوات التي تحاول اليوم تحويل النصر الى هزيمة نفسية عبر شعارات السيادة وبسط السلطة.
من الناحية القانونية والوطنية، فان شرعية المقاومة ليست منة من احد بل هي حق مقدس يكفله الدستور اللبناني الذي ينص في مقدمته على ان لبنان وطن سيد حر مستقل ونهائي لجميع ابنائه، مما يفرض على الشعب والجيش والمقاومة مسؤولية الدفاع عن هذا الوجود عند اي تهديد خارجي، خاصة وان الدستور ينيط بالسلطة الاجرائية حماية الوطن، وفي حال عجزت الدولة او تمنعت عن القيام بهذا الواجب الوجودي، فان الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس يصبح واجبا شعبيا ملزما لحماية الارض والعرض والارواح، وهذا ما كرسته البيانات الوزارية المتعاقبة التي اعطت للمواطنين الحق في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة.
هذا الحق اللبناني الاصيل ينسجم تماما مع القانون الدولي، وتحديدا المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة التي تمنح الشعوب حقا طبيعيا في الدفاع عن النفس، فرديا او جماعيا، في حال وقوع عدوان مسلح، ولا يمكن لاي نص قانوني ان يسقط حق الشعوب في البقاء، مما يجعل من المقاومة عملا شرعيا بامتياز يهدف الى حماية الوجود ومنع الزوال امام اطماع توسعية لا تتوقف. ان المقاومة هي في الاصل نتيجة للاحتلال وليست سببا له، وقد حررت الارض وصانت الكرامة منذ عام 1978 وحتى اللحظة، وان محاولات تصويرها كعبء هي قلب للحقائق وتجاهل لارادة الشعوب التي لا تنكسر امام جبروت الانظمة.
ان هذه السلطة التي تلوح بالتنازلات وتتبنى منطق المهزوم صارت هي العبء الحقيقي الذي يثقل كاهل الوطن، وعليها ان ترحل لانها تنفذ اجندة غريبة عن تطلعات اللبنانيين، فالمقاومة لا تنتهي مهمتها التاريخية طالما بقي كيان الاحتلال قائما، وهي تظل التعبير الاصدق عن سيادة حقيقية لا تصنعها الوعود الامريكية بل تصان بدماء الشرفاء الذين يرفضون الارتهان للخارج او القبول بمشاريع الاستسلام والتبعية.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.