خبر الان

كواليس الصفقة الكبرى وضريبة التهميش، واشنطن وطهران على عتبة التفاهم

 

كتب أكرم بزي

تكشفت في العاصمة الأمريكية وفي كواليس الدبلوماسية الإقليمية ملامح تحول إستراتيجي بالغ الأهمية، حيث وضعت واشنطن وطهران اللمسات الحيوية على مسودة اتفاق تاريخي يهدف إلى صياغة واقع جديد في الشرق الأوسط، هذه التطورات المتسارعة التي وثقتها التقارير الاستقصائية والمقابلات الحصرية لصحيفة نيويورك تايمز الصادرة في الثالث والعشرين والرابع والعشرين من مايو/أيار ٢٠٢٦، تكشف عن عمق البراغماتية الأمريكية وعن طبيعة التوازنات الجديدة التي بدأت تفرض نفسها على الساحة الدولية، فالإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب لم تعد تكتفي بإدارة الأزمات، بل تسعى إلى إغلاق الملفات الساخنة وفتح مسارات الملاحة والاقتصاد الإقليمي، حتى لو كان الثمن تهميش حلفائها التقليديين وكبح جماح طموحاتهم العسكرية.
تتجاوز مسودة التفاهم الحالي فكرة الهدنة المؤقتة لتصل إلى جوهر الصراع الإستراتيجي، إذ تشير المعطيات التي نقلها مراسلو الصحيفة لورانس نورمان، وفارناز فاسيحي، وإيريك شميت عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين ومسؤولين دفاعيين أمريكيين، إلى أن طهران منحت موافقة مبدئية على وقف العمليات القتالية وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة التجارة العالمية، وهو الممر المائي الحيوي الذي طالما شكّل ورقة ضغط إستراتيجية في يد القيادة الإيرانية، وفي المقابل، تضمن المقترح الذي أعلن عنه الرئيس ترامب بندا رئيسيا يقضي بتخلي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، على أن تترك التفاصيل التقنية وآليات التنفيذ لمهلة تفاوضية تمتد بين ثلاثين إلى ستين يوما، وضمن هذا الإطار البراغماتي، تلوح في الأفق ملامح صفقة مالية كبرى تشمل الإفراج عن نحو خمسة وعشرين مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، بينما يتم ترحيل النقاشات المعقدة والشروط الصارمة للملف النووي طويل الأمد إلى جولات تفاوضية لاحقة، مما يعكس رغبة الطرفين في تحقيق إنجاز سريع وملموس يمهد الطريق لترتيبات أوسع.
على الجانب الآخر من المشهد، تعكس هذه المفاوضات المباشرة تحولا دراماتيكيا في طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، حيث كشف مسؤولون دفاعيون ومصادر استخباراتية إسرائيلية لصحيفة نيويورك تايمز عن حالة من التعتيم الشبه كامل فرضتها إدارة ترامب على حليفتها تل أبيب، مستبعدة إياها من كواليس المحادثات المباشرة مع طهران بعد أسابيع طويلة من التنسيق العسكري والسياسي المكثف، هذا التهميش المتعمد أجبر الحكومة الإسرائيلية على الاعتماد على قنواتها الدبلوماسية الخاصة وجهودها الاستخباراتية لتتبع مسار التفاوض، في وقت مارست فيه واشنطن ضغوطا صارمة لوقف العمليات العسكرية وفرض قيود مشددة على التحركات في الجبهة الشمالية، إن هذا الواقع الجديد يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن القرارات السياسية والميدانية الإسرائيلية أصبحت مرتهنة ومقيدة بالموافقة الأمريكية الصريحة، مما يضع حدا لسياسة التفرد ويؤكد أن الإستراتيجية الأمريكية العليا في المنطقة باتت تتقدم على كافة الحسابات والاعتبارات الإقليمية الأخرى، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من صياغة النفوذ وترتيب الخرائط السياسية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى