خبر الان

ردونا محرومين.. وبطلنا بدنا نحرر فلسطين

بقلم ناجي علي أمهز
حقيقةً كنا محرومين، بس كنا مرتاحين ومحترمين، لا نعرات دينية ولا خلافات طائفية وسياسية، وبالستر عايشين، كنا سِلسين ولينين، ويحبونا والسنة والدروز والمسيحيين ، وبكل لبنان واحزابه ومناطقه موجودين.

صحيح كان الاقلية متعلمين، والفلاح فينا قوي ومتين، يفتل شورابه ويرتب شرواله ويا رب تعين، وأغلبنا عتالة ومياومين، ونتعب كرمال اللقمة، وتربية الاولاد، بس كنا مبسوطين، يوصل الواحد منا على بيته تعبان شقيان، تلاقيه العيلة بالفرح والاحضان والعافية، وعلى بساطة عيشتنا كنا أغنياء وسلاطين، يفقع بطن أكل وينام “متل القتيل”، لا همّ الدني ببالنا ولا مع حدا متزاعلين.

كانت الضيعة تجمعنا على حصاد “البيادر” وتشرين، نقطف زيتوننا، ونجمع محاصيل الدخان، ونتسطح تحت الدوالي مرتاحين، نلعب ورق والسهرة صباحية والكل فرحانين، وبالعتابة والميجانا والدبكة “البعلكية” مشهورين، وكان فينا شعراء وأدباء، من زين شعيب لنصري شمس الدين.

كان عنا “إقطاع” صحيح، بس طلعوا بيكات دراويش ومساكين، ادام زعماء اليوم “المقطعين الموصلين”، يقعد البيك بالساحة ويسمع شكاوى المعترين، ما كان بيننا وبينه بوابات حديد ولا عسكر مدججين، كنا نقله “يا بيك المي مقطوعة” يركض يخدمنا وهو ممنون، وكان عامل زعيم “فينا” مش “علينا” ونحنا فيه قبلانين، الإقطاعي القديم كان يخدم من كيسه، مش متل هالفاسدين الناهبين، كانت الهيبة للكلمة، مش متل دجالين هالأيام، اللي بدك تبوس إيدهم وتترجاهم تيصير ابنك من الموظفين.

كان عنا نواب “بسيطين” بدهم رضانا، ويرضوا خاطرنا بكلمتين طيبين، ويجمعونا على عيران ولقمة “لحم بعجين”، اليوم النائب لا إلو رقم ولا عنوان ولا بتعرف محله من ملحه، وبدل ما يخدمك بدك تخدمه، ولا حرف من طرف ولا بتعرفه إذا بـدين أو بلا دين.

وكان أولادنا إذا حملوا “الباسبور” تفتح بوجههم بواب العالمين، من بلاد العرب لأفريقيا وأمريكا وأوروبا وبلاد اللاتين، نبني قصور بعرق الجبين، يستقبلونا بالورد كـ “مبدعين”، ما كانت الناس تصنفنا، كانوا يقولوا الاوادم اللبنانيين، وما كان حدا يفتش جيابنا عن بارود، ولا يصنفنا إرهابيين، كنا بنظر الكل “فينيقيين” جدود الحرف وبالمجد غارقين.

حقيقةً ما كنا نعرف كتير بالدين، بس كنا أكتر من هلق مؤمنين، كنا نبكي على صوت “رامح مدلج” و”مهدي زعرور” وعزف الربابة الحزين، وكنا نشوف رجل الدين نازل من السما ونعتبره من المعصومين، نبوس إيده ونعطيه برضا خاطرنا عدس وطحين وزيت وتين.

بليلة ما فيها ضو قمر، طبوا علينا “العروبيين المنافقين” ولحقوهم “اليساريين يلي بلا دين” وجابوا معهم الفدائيين الفلسطينيين والمجرمين البعثيين، شافونا طيبين وعند كل الناس مقبولين، استغلوا حميتنا وغيرتنا، وطلعولنا شوية كذابين، من سياسيين وإعلاميين ومحللين، وأوهمونا نحنا هالكم واحد محرومين، انه قادرين نهزم امريكا واسرائيل ونحرر فلسطين، بعد ما عجزوا كل العرب والمسلمين! وفوتونا بنفق ما بيطلعنا منه إلا رب العالمين، باعونا شعارات وخلونا بزواريب الحرب غرقانين، سرقوا ضحكتنا وبساطتنا، وصرنا نحلم بالأمان ورغيف الخبز ونحنا اللي كنا بفقرنا نطعمي الجوعانين.

يمكن صار عنا أغنياء، بس غاليبيتهم بلا أخلاق ومنفوخين، لا مننتفع منهم ولا منعرفهم، لأنهم إما بخيلين أو للزعماء تابعين، كتروا الفقراء، وكنا محرومين وصرنا شحادين.

كنا مرتاحين ومستقرين، صرنا مهجرين ومنكوبين، وكل الدني صارت ضدنا ونحنا “يا غافل إلك الله” مش عارفين. صرنا نترحم على زمن الإقطاع، لأن كان عنا إقطاعي واحد، واليوم الكل صاروا إقطاعيين، وبتموت ألف موتة قبل ما توصل لزعيم أو تلمح نائب من هالموظفين. وصار فينا متل “الغراب” اللي جرب يقلد مشية الحجل، لا هو طالها ولا عرف يرجع لمشيته القديمة.. لما كنا محرومين.

صرنا بكل الدني مطاردين، ممنوع نسافر وممنوع نستأجر، وحتى ببلدنا صرنا مشردين ومكروهين، وتحت التراب وفوق التراب ميتين، وتحولت حياتنا البسيطة يلي كانت كلها فرح ومرح، لحزن وانين.

خِدوا كل هالشعارات، وردونا لراحة البال واليقين، بطل بدنا زعامة ولا ملايين ولا نكون متفوقين، ولا بقى بدنا نحرر فلسطين، ردونا بس “محرومين”.. نعيش لو لحظات هنية، ونموت بهداوة.. ونندفن متل الناس العاديين.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى