التغريبة العاملية…
التغريبة العاملية…
كتب: أكرم بزي*
انها حكاية الانتماء التي كتبت بماء العيون ودم الشهداء، حيث يتجلى في هذه الملامح الف تعبير عن قدسية التراب والوفاء الازلي للمكان، فالرجل الذي يسجد فوق الركام في الصورة الاولى لا يقبل مجرد حجر اصم، بل يودع في حنايا الارض عهد البقاء وشقاء العمر وذكريات الاهل التي سكنت كل زاوية من زوايا بيته المهدوم، وهذا الفعل بحد ذاته هو اعلى درجات المقاومة الوجدانية، فالبقاء فوق الحطام هو رسالة تحد صريحة ومباشرة للعدو الصهيوني بان الحجر قد يسقط بفعل الات الدمار لكن الحق لا يموت والارادة لا تنكسر، وهو التمسك الذي يجعل من الركام محرابا للصمود ومن الارض هوية وجودية لا تتبدل مهما اشتدت الخطوب، فجنوبي الارض يزرع قلبه في حديقته قبل ان يزرع الشجر، ويرى في بيته خندقا اماميا للدفاع عن كرامة الامة، وجزءا لا يتجزأ من جغرافيا الرفض التي تأبى الخضوع امام جبروت المحتل، وظل الجنوبي يحمل مفتاح بيته في ذاكرته قبل جيبه، مؤمنا بان الارض التي جبلت بدمائه وعرقه لا يمكن ان تضيع، وان كل ذرة تراب هي امانة معلقة في اعناق الشرفاء لردع العدوان وافشال مخططاته الرامية لاقتلاع الانسان من تاريخه الممتد للاف السنين.
وفي ملامح هذا العجوز الذي يغطيه غبار النزوح وتعب السنين، تظهر كرامة الانسان الذي رفض ان يغادر حلمه الا تحت وطأة القصف، فهو يحمل في نظراته الحزينة والصلبة في ان معا تاريخا طويلا من الصبر، ويجسد بصموده عنصرا جوهريا من عناصر المقاومة الشعبية التي لا تقهر، فكل تجعيدة في وجهه هي شاهد على مجازر العدو وصمود الاهالي، وكل خطوة يخطوها هي فعل مقاوم يثبت ان صاحب الارض هو الاقوى تاريخيا وانسانيا، وقد اثبت هؤلاء ان الجنوبي يحمل وطنه ومقاومته في وجدانه اينما حل، فكانوا سندا وعونا للمجاهدين في الميادين، واختلقوا المعجزات من ابسط الادوات المتاحة لردع العدو وكسر هيبته، وظلوا متمسكين بجذورهم العميقة رغم بعد المسافات وقسوة التهجير، يؤكدون للعالم اجمع ان الجنوب ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو عقيدة راسخة من المقاومة والاباء، وان الاستشهاد في سبيل هذه الارض هو اسمى غايات الوجود، حيث تتحول الدماء الى منارات تضيء طريق العودة والتحرير لكل الاجيال القادمة التي لا تعرف للاستسلام سبيلا.
ان هذا الارتباط الوجداني العميق يتجاوز حدود السكن المادي ليصل الى جوهر الصراع الوجودي مع العدو الصهيوني، فبات من هؤلاء الابناء الطبيب والمجاهد والمهندس والمخترع الذي سخر كل امكاناته لخدمة قضية الارض، ووصل بعضهم الى مراتب الثراء فكانوا السند المالي واللوجستي الذي اعاد اعمار ما هدمه العدوان بابهى مما كان، لتظل القرى قلاعا حصينة وحواضن دافئة للمقاومة، الا ان كل تلك النجاحات لم تفك ارتباطهم الوثيق ببيوتهم الاولى التي شهدت انطلاقة رصاصاتهم في وجه الاحتلال، وقد ابى هؤلاء جميعا الا ان تكون قراهم مستقرهم الاخير، فبعدما قضوا اعمارهم في الكد والبناء والمواجهة، اختاروا ان يحتضن تراب الجنوب اجسادهم، فليس هناك اشرف من ان يمتزج جسد الانسان بالتراب الذي دافع عنه، وهي رابطة العرق والدم التي لا تنفصم، وهي الذاكرة الممتلئة بالشجن والحنين التي يتردد في ارجائها لحن المنجيرة واهازيج العتابا الممزوجة بزغاريد الشهادة، لتظل حكايتهم شاهدا حيا على وفاء الانسان لارضه وقدرته الفائقة على تحويل الالم الى قوة ردع تزلزل اركان الكيان الغاصب.
ان هؤلاء الاشخاص بوقوفهم فوق ركام منازلهم، يمثلون روح المقاومة التي لا تعتمد فقط على العتاد، بل على عقيدة الثبات التي تذهل الصديق والعدو، فهم الذين حولوا الحرمان الى سلاح، والنزوح الى استراحة محارب يستعد للعودة اكثر تصميما، انهم المبدعون في اختلاق معجزات البقاء من وسط الرماد، حيث يرممون البيوت تحت هدير الطائرات، ويحرثون الحقول في مواجهة نيران القذائف، ليرسلوا اشارة واضحة ان هذه الارض ولادة للابطال والشهداء، وان كل جيل يسلم راية المقاومة لمن بعده بصلابة اكبر وايمان لا يتزعزع، فالمقاومة بالنسبة لهم هي الهواء الذي يتنفسون والقدر الذي يعشقون، وهي التي تجعل من الشيخ الطاعن في السن بطلا يكسر كبرياء المحتل بصمته وعنفوانه، لتبقى القرى الجنوبية شامخة ببيوتها واهلها، وعصية على كل محاولات الاقتلاع او الانكسار، في ملحمة وجدانية كبرى يتداخل فيها حنين الارض بوهج البندقية، وعشق الديار بارادة الاستشهاد في سبيل الحرية والكرامة، ولاننا اصحاب الارض والحق، فان يقيننا يختصر في كلمة واحدة: سنعود قريبا.
* كاتب وباحث في العلوم السياسية
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس الموقع