خبر الان

المدرّبة ريم العريضي: وسط أزمات الحياة…كيف نحمي أنفسنا؟

 

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات وتتزايد فيه الضغوط النفسية والاجتماعية، بات الحديث عن الصحة النفسية أمر أساسي. وبين الخوف من المستقبل، وضغط الحياة اليومية، والتحديات الاقتصادية والمعيشية، أصبح الإنسان يبحث أكثر من أي وقتٍ مضى عن التوازن الداخلي والسلام النفسي الذي يمكّنه من الاستمرار.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الوعي بالعلاقة العميقة بين العقل والجسد والروح، وكيف ينعكس أي خلل في أحدها على الإنسان بأكمله.
للحديث أكثر عن هذا الموضوع، كان لنا هذا الحوار مع المدرّبة والمتخصصة في الصحة النفسية والتنمية الذاتية ريم العريضي.
– في ظلّ الحروب والأزمات التي يشهدها العالم اليوم، وخصوصًا ما يمرّ به لبنان، كيف يؤثّر التوتر المستمرّ وعدم الاستقرار على الصحة النفسية للأفراد؟
يؤثّر الجهاز العصبي بشكلٍ مباشر على الصحة النفسية، فعدم الاستقرار يولّد شعورًا بالخوف من المجهول، والإحساس بالعجز أو بعدم الاستعداد لما هو قادم. وعندما يشعر الدماغ بغياب الأمان، يرسل إشاراتٍ إلى الجهاز العصبي ليبقى في حالة تأهّب مستمرّة بهدف الحماية.
ومع استمرار هذا التوتر لفتراتٍ طويلة، خصوصًا بعد الأزمات المتلاحقة التي عاشها اللبنانيون خلال السنوات الماضية، يصبح الجهاز العصبي في حالة استنزاف دائم، وكأنّه يعيش باستمرار تحت التهديد والخطر. وهذا الأمر يستهلك طاقة الجسد والدماغ معًا، وينعكس بشكلٍ واضح على الصحة النفسية، من خلال ارتفاع معدلات القلق، والعصبية، والاكتئاب، وغيرها من الاضطرابات التي تؤثّر بدورها على صحة الإنسان الجسدية والنفسية بشكلٍ عام.
– كيف تتغيّر عادات الناس الصحية، ولماذا نلاحظ ميلاً واضحًا نحو الإهمال في العناية بالصحة؟
أحبّ دائمًا أن أوضّح معنى “العادة الصحية”، لأنّ أي عادة نقوم بها انطلاقًا من الخوف أو التوتر قد تتحوّل، حتى وإن بدت صحية، إلى ردّة فعلٍ تؤذينا بطريقةٍ غير مباشرة. فالعادات الصحية الحقيقية يجب أن تنبع من المحبة تجاه النفس والجسد، لا من الضغط أو الشعور بالإجبار. أصبحت اليوم الحياة مليئة بالمتطلبات والضغوط المادية والاجتماعية، لذلك لم يعد الإنسان يُهمل صحته لأنّه لا يهتم بها، بل لأنّ دماغه بات يعطي الأولوية لأمورٍ أخرى، كالدراسة، والعمل، والمسؤوليات، والحياة الاجتماعية. وعندما يصل الإنسان إلى مرحلة الاهتمام بصحته، يكون جهازه العصبي قد دخل أصلًا في مرحلة التعب والاستنزاف، فيبدأ الدماغ بإرسال إشارات تدفعه إلى الراحة أو إلى توفير طاقته بدل استثمارها في العناية بنفسه.
ومن هنا نلاحظ أنّ كثيرًا من الأشخاص لا يعطون صحتهم الأولوية إلا بعد التعرّض لوعكة صحية، أو حادثة، أو مرض، يجبرهم على إعادة ترتيب أولوياتهم وإدراك أهمية العناية بأنفسهم.
– رغم وعي الأفراد بأضرار بعض السلوكيات، لماذا يلجؤون تحت الضغط إلى عادات غير صحية مثل الإفراط في تناول السكر أو التدخين..؟
منذ اللحظات الأولى في حياة الإنسان، يبدأ الدماغ بالبحث عن الأمان والمحبة. والمعتقدات التي تتكوّن خلال السنوات الأولى من عمرنا تنعكس لاحقًا على عاداتنا وسلوكياتنا عندما نكبر. فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما ارتبطت المناسبات السعيدة، كأعياد الميلاد أو النجاح أو المكافأة، بالحلويات والسكر، ما جعل الدماغ يربط السكر بمشاعر الحب، والاهتمام، والتقدير، والفرح. ومع تكرار هذه التجارب، يترسّخ هذا الارتباط في العقل الباطن.
وعندما يكبر الإنسان ويتعرّض لضغط نفسي أو عاطفي، أو يمرّ بخسارة أو تعب أو صدمة، يبدأ دماغه بالبحث عن أي شعور يمنحه الأمان أو الراحة أو الإحساس بالمحبة والتقدير، فيلجأ تلقائيًا إلى العادات التي ارتبطت لديه بهذه المشاعر، كالإفراط في تناول السكر أو التدخين أو غيرها من السلوكيات. لذلك، فإنّ الإنسان تحت الضغط لا يبحث فعليًا عن السلوك بحدّ ذاته، بل عن الشعور الداخلي الذي يمنحه هذا السلوك، أي الشعور بالأمان والمحبة والاحتواء.
– إلى أي مدى يمكن اعتبار العناية بالصحة النفسية استثمارًا ضروريًا، وليس مجرد رفاهية، خاصة في ظل الظروف الصعبة؟
الصحة النفسية هي الأساس في وجودنا وطريقة عيشنا للحياة. واليوم أصبح من أوّل الأسئلة التي يطرحها الأطباء على مرضاهم: “هل تتعرّض لضغط أو توتر نفسي؟”، لأنّ حالة الجهاز العصبي تؤثّر على مختلف جوانب حياتنا. فعندما يعيش الإنسان في حالة توتر دائم، ينعكس ذلك على صحته الجسدية، وعلى سلوكياته، وعلاقاته، وتركيزه، وحتى على إنتاجيته في العمل وقدرته على الاستمرار. كما قد يدفعه هذا الضغط إلى الإفراط في بعض العادات المؤذية، أو إلى الانعزال وفقدان الطاقة. لذلك، فإنّ الاستثمار في الصحة النفسية هو استثمار في صحتنا الجسدية، وفي عملنا، وعلاقاتنا، وحياتنا بأكملها، وهو أمر أساسي لنتمكّن من مواجهة الحياة بطريقة متوازنة وصحية.
– بعد فترات الحرب أو الشدّة، ما الخطوات العملية التي يمكن أن يبدأ بها الأفراد لإعادة بناء صحتهم النفسية والجسدية؟
تختلف خطوات التعافي من شخصٍ إلى آخر بحسب الظروف والتجارب التي مرّ بها، لكن هناك أمورًا أساسية يمكن أن تساعد الجميع بشكلٍ عام.
من المهم أن يمنح الإنسان نفسه يوميًا بعض الوقت للتوقّف والتنفس والشعور بالأمان داخل جسده. كما أنّ الامتنان والتقدير للحظة الحالية يساعدان الدماغ على استعادة الشعور بالاستقرار، لذلك يمكن للإنسان أن يركّز يوميًا على الأمور الجيدة الموجودة في حياته مهما كانت بسيطة. ومن الضروري أيضًا أن نثق بقدرتنا على النموّ من خلال الصعوبات، وأن ننظر إلى التحديات كفرصة للتعلّم والتطوّر، لا فقط كمصدر للألم.
أما على الصعيد الجسدي، فحتى التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقًا كبيرًا، كالمشي لبضع دقائق يوميًا، أو النوم بشكلٍ أفضل، أو تناول طعام صحي، أو قضاء وقتٍ في الطبيعة. وبالطبع، فإنّ طلب المساعدة عند الحاجة يبقى خطوةً أساسية ومهمة، سواء من خلال اللجوء إلى معالج نفسي، أو مدرّب، أو مرشد مختص، لأنّ الدعم أحيانًا يكون جزءًا أساسيًا من رحلة التعافي.
• كيف تفسّرين الترابط بين العقل والجسد والروح، ولماذا لا يمكن تحقيق صحة حقيقية دون التوازن بين هذه الجوانب الثلاثة؟
الجسد هو الوعاء الذي يحمل الروح والعقل، والروح هي التي ترشد العقل نحو طريقه في الحياة. ومن خلال تجربتي الشخصية، اكتشفت أنّ الاهتمام بصحتي وجسدي كان من أكبر أفعال المحبة التي قدّمتها لنفسي.
هذه المحبة بدأت تشفي اوجاعي الجسدية والنفسية، وهذا الشفاء ساعدني على التواصل مع روحي التي بدورها ارشدت عقلي على مساري. عندما بدأت أعيش الحقيقة المتناغمة مع سبب وجودي، انبنى السلام الداخلي والتوازن النابع من محبة، ولم تستطع اي عاصفة ان تؤثر على هذا التوازن.
فالإنسان خُلق بعقلٍ وجسدٍ وروح، وأي خلل في أحد هذه الجوانب ينعكس على الجوانب الأخرى، لذلك يبقى التكامل بينها ضرورة أساسية لتحقيق التوازن والصحة الحقيقية.
من هنا جاءت فكرة برنامجي “Mindful Motion Method”، الذي يهدف إلى مساعدة الأشخاص على استعادة هذا التوازن بين العقل والجسد والروح، ليعيشوا حياة أكثر هدوءًا ووعيًا وانسجامًا مع ذواتهم.
ولأي نصيحة أو استشارة، يمكن التواصل مع المدرّبة ريم العريضي عبر حسابها على إنستغرام”Mindfulmotion.lb”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى