خبر الان

عندما تُنزع آخر أوراق التوت!

*د. عبدالله عيسى*
في السياسة، تقول المجريات من السذاجة تسخيف مفاعيل الانقلاب على السلطة في لبنان، ومن السطحية الاتكاء على قاعدة “دعه يمر”؛ وما ليّ عنق الدستور اللبناني للوصول إلى قصر بعبدا إلا خطوة من الخطوات المشبوهة؛ فإنه وعلى عتبة عام ونصف فقط من بداية عهد رئيس الجمهوريّة اللبنانية، أخذ ينزع آخر أوراق التوت، مستظلًا رافعة الهيمنة وقد أذاقت لبنان الحديد والنار.

*صاعق يضرب الكيان اللبناني*
لا شك، أن الذهنية والخطاب والممارسة التي تمارسها الرئاسة الحالية للجمهورية اللبنانيّة والتي من نتائجها هذه الشاكلة للحكومة اللبنانيّة ومقرراتها، تعدّ أحد صواعق التفجير الممنهجة التي تقود إلى ضرب الكيان اللبناني، وتمزيق نسيجه المجتمعي، وإهدار عناصر القوة الوطنيّة كاملة، ولا يقف الأمر عند حدود توترات الموقف السياسي فحسب.
وهو بذلك، يستدرج الطوائف وتحديدًا المسيحيّة منها إلى جحيم ما لبثت أن غادرته بأضرار بالغة فاقمتها تطوّرات المشهد الإقليمي؛ فالطائفيّة تتغذى على التناحر وتقود إلى الانتحار بالتطرّف الذي يستمد معنى وجوده من الرهان على العنف والغلبة المستوردين بانصياع ساحق أمام الهيمنة العالميّة والاحتلال والعدوان الصهيو أميركي.
بقليل من التأمل، تجده غارقًا في الطائفيّة المقيتة حد الثمالة، يمارس الوعظ بالعقلانية وتلازم الشجاعة مع الحكمة، وهو من ذلك براء، يسدّد الطعنة تلو الطعنة، ضمن استراتيجيته الخطوة خطوة التي تقود إلى انتحار وطن، ما لم يقبض على الجاني وتُقطع طرق إمداده بجرعات الإدمان على تبيئة الانتحار الجماعي بالعدوى الناعمة.
تراه كمن لا يعبأ بدم أبناء وطنه، ومع ذلك يُبهره التقاط صوره مستقبلًا ومودّعًا ومفتتحًا الاحتفالات، لا يلتفت إلى رمادي الدمار ولا إلى أنين الأسرى وعذابات الجرحى وقدسية الشهادة والشهداء، وهو يتقن التمييز بينهم في فن تفكيك عرى الاجتماع السياسي اللبناني؛ مستمدًّا عونه من ماضٍ بليد، مستدعيًا مزيد من الإبادة حيث يحتسب أو لا يحتسب.
يتربّع على الوهم، يبني استعراض الصلابة بميوعة الرهان على هزيمة بني وطنه، دون العناية بتاريخ حديث أو معاصر ودون إدراك لتضاريس الاجتماع السياسي اللبناني وموازينه بين الجبال العالية والأوديّة السحيقة في ديموغرافيته وجغرافيته البشريّة.

*الدبلوماسيّة بمكيالين وذُل!*
يستعجل القطيعة كجزء من حملة عدوانيّة على سيادة الوطن وكرامته، وعلى شعبه ومقاومته، وعلى الصداقة التاريخيّة اللبنانيّة_الإيرانيّة، فيُناقض الوقائع بقوله “إن إيران تستخدم لبنان ورقة مساومة في محادثاتها مع الولايات المتحدة”؛ مقابل رحابة الصدر والترحيب المستدام لكل الإملاءات الأميركيّة، فابتسامته صادقة عند استقباله “مورغان أورتاغوس” التي جالت على مواقع الاحتلال الإسرائيلي في الأرض اللبنانيّة وتباهت في حمل أحد مقذوفات المقاومة وقد سيطر عليها الجيش اللبناني ليفجّرها في خدمة مجانيّة للقاتل، وتنسجم مواقفه مع حرصه على نشر تلك الصورة حيث تشتد يده على يدها التي تتزيّن بنجمة داود وبعطر الكراهية والإبادة والحقد الممتد من غزة إلى لبنان.
وكذلك، عندما يتأبّط إملاءات “توم برّاك” وورقته كما هي، ثم يحرص عند استقبال الموفد الإيراني إسماعه لازمة “حروب الآخرين وتدخلاتهم” وصولًا إلى عدم قبول أوراق اعتماد سفير الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في بيروت وإعاقة حركته الدبلوماسيّة، حيث استقرّت ديناميّة تصرّفاته بالتماهي مع الحاكم الفعلي للبنان سفير الولايات المتحدة الأميركية في بيروت “ميشال عيسى”، وتجلّى التواطؤ التام إبّان التفاوض المباشر وجولاته المكوكيّة التي تستعر فيها روح الفتنة الداخليّة والانقلاب على عقيدة الجيش الوطنيّ اللبنانيّ، وتسييل المكر العدوانيّ على طاولة “إسلام آباد” والذهاب إلى الآخر في ركاب التطبيع. فالأمر ليس صدفة، ولا عرضيًّا، إنها أحداث متلاحقة، بمثابة قطعة في “Puzzle” يتكامل على أرضيّة إرساء الشرق الأوسط الجديد.

*فاقد التمثيل يحاضر بالوزن الشعبي!*
يهرب من مهزلة مخرجات جلسة 29 أيار التفاوضيّة وما مهدته لجلسة 22 حزيران وما سيليها إلى الهجوم على إيران وحزب الله ومزيد من الانفتاح الذليل على الكيان الإسرائيلي للجلوس والتحاور والتمهيد المبرمج للقاء رئيس وزراء العدو “بنيامين نتنياهو” وتحريره من إدانته كمرتكب جرائم حرب، بالأسلوب عينه الذي مهد به للتفاوض المباشر، متبرّعًا بادعاءات “نحن مستعدون، وراغبون، وملتزمون”؛ معتبرًا أن أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم “لا يمثل الشعب اللبناني”.
وهنا، كلامه في التمثيل مبتور لسببين:
الأول: إن الشيخ نعيم قاسم، وتحديدًا في توقيت الإجابة على جولة التفاوض المباشر ومخرجاتها في 29 أيار، يجسّد الاجتماع السياسيّ السياديّ الوطنيّ اللبناني، وليس فقط بحر الاجتماع السياسيّ اللبنانيّ المقاوم، وهو بذلك، لا تضاهيه أي شخصية في الداخل اللبناني على الإطلاق، بل تدور مداره كل الشخصيات الوازنة في موقفها وقرارها.
الثاني: يرتد هذا الكلام نقضيًّا عليه، في تمثيله الرسمي المستعار خارجيًّا ومحل النقاش الدستوري والقانوني داخليًّا، وقد تجاوزته قوة الأمر الواقع بموجب مفاعيل 27 تشرين الثاني 2024 وما استتبع تلك اللحظة السياسيّة من انقلاب السلطة في سورية. بينما تصاعدت درجات المنبوذيّة الشعبيّة في رسمها البياني مع انكشاف عورات العهد، وتلاشي آخر أوراق التوت، أمام عائلات الشهداء والجرحى والأسرى والمقاومين والنازحين والذين آووا دون احتكار، وأولئك الذين يمتلكون البصيرة تجاه العدو وممارساته، والذين لا يتسلّل إليهم وهن الرهان على مسار السلام مع العدو وقد رأووه في فلسطين والجوار على هوانه وفشله، وأولئك الذين اقشعرت أبدانهم من ورقة 29 أيار 2026، وازدادوا ريبة إثر اغتيال واستشهاد العميد وسام صبرا والنقيب إيلي خوري والعسكري حسن غزال كجريمة موصوفة بحق لبنان وجيشه وسيادته ورسالة عدوانية واضحة بموجب مندرجات تلك الجولات التفاوضية المباشرة وهول مساراتها التطبيقية.
الخلاصة المفيدة تقول: إن من لا يميّز بين العدو والصديق، بل يتخذ من عدو لبنان صديقًا ومن صديقه عدوًّا، لا ينزع أوراق قوة الوطن بحصريّة السلاح بيد دولة فاقدة لاستراتيجية دفاعية ولأمن وطني وقومي، إنما ينزع آخر أوراق التوت بحصرية الاستباحة في هدم الكيان اللبناني على كل من فيه.
وفوق ذلك يمكن القول: إن اليد التي تمتد وهي تتسوّل لقاء عدوها، بل تغويه بمزيد من العدوان، وتتظاهر بأن “لبنان خاض مفاوضات شاقة”، وتخادع بأن ذلك سيفضي إلى “سلام عادل ودائم!” تبقى يدًا على زناد تدمير لبنان من تراثه إلى موقعه ودوره، يجب أن تعود إلى رشدها أو تشل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى