كلام الوزير باسيل: وكأن “القيامة” قامت على الطائفة الشيعية
*بقلم: ناجي علي أمهز*
في هذا المقال، لا أنتقد كلام الوزير جبران باسيل؛ فهذا خياره السياسي الذي تفرضه المتغيرات الهائلة داخلياً وإقليمياً، وهو مسارٌ كنتُ كتبتُ سابقاً أنه سيصل إليه حتماً. لكنني هنا أصف واقعاً مريراً، لعلنا ننقذ الطائفة الشيعية من “أصوات النشاز” في إعلام وسياسة شيعية كانت هي السبب الأساس في كل مشاكلنا الوجودية.
إن أعظم ما يشرح وقع كلام الوزير باسيل الأخير وغيره من حلفاء الطائفة، هو ما جاء في تفسير القرطبي لسورة “عبس” التي تصف هول يوم القيامة؛ حيث يفرّ الإنسان من أقرب الناس إليه (الأخ، الأم، الأب، الزوجة، والأولاد) خشية المطالبة بحقوق، أو خوفاً من افتضاح أمر، أو لانشغال كل فرد بمصيره ونجاة نفسه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. هذا ما نشهده اليوم؛ حالة من “الفرار” الجماعي من التحالف مع الطائفة الشيعية”.
بالعودة إلى الجذور، وقبل الانسحاب السوري من لبنان، لم يكن لإعلام “محور الوصاية السورية” أي وزن في يومياتنا السياسية؛ فقد كان الجميع يدرك أنه مجرد ناطق باسم نظام شمولي (وللاسف غالبية الوجوه اليوم من تلك الحقبة والمدرسة)، حتى أطلق عليه الشهيد سمير قصير مقولة إعلام “تطيير الفيلة” لشدة انفصامه عن الواقع.
لكن الكارثة بدأت بعد توقيع “ورقة التفاهم” وانطلاق ما سُمي بـ”إعلام محور المقاومة”؛ إذ صُدمتُ انا وغيري بأداء إعلامي يلتصق بالحضيض، لا يعرف وسطية ولا منطقاً؛ فإما تأليهٌ مطلق لمن يحبون، أو شتمٌ مقذع لمن يكرهون، دون أدنى تحليل عقلاني.
لقد شعرت بالخوف حينها، ليس فقط على التيار الوطني الحر الذي سيخسر بيئته المسيحية أمام هذا الأسلوب “المنفّر” (مديح وتمسيح جوخ مفرط)، بل أيضاً على الطائفة الشيعية التي استُبدلت صورتها الرصينة المرتبطة بهيبة السيد نصر الله بنماذج إعلامية “مجنونة منفرة” تثير السخرية، لدرجة أدت في النهاية إلى “تطيير” التفاهم، والحزب، والطائفة، والبلد معاً.
لم يكن تحذيري للحزب من التحالف مع الجنرال ميشال عون نابعاً من رغبة في العزل، بل من قراءة دقيقة لعقلية الجنرال التي لا تغفر “الزحطات” الفكرية والسياسية؛ فهو رجل سلطة ودولة بامتياز، لا يبحث عن المديح بقدر ما يبحث عن شريك يمتلك رؤية تخدم نفوذه محلياً ودولياً.
لقد حاولت لسنوات، ومن أجل حفظ قاعدة التيار مسيحياً وحماية الشيعة وإطالة عمر تحالفهم، تنبيه حزب الله عبر أصدقاء قليلين من خطورة “الانكشاف السياسي الكامل” أمام عقل الجنرال الفذ، محذراً من أن لغة “التبخير” المتبعة في الإعلام الشيعي ستنتج استخفافاً بالعقل السياسي للطائفة، وتصور الحزب كمجرد أداة لـ”تمسيح الجوخ”، وهو أسلوب لا يتقبله العقل المسيحي القائم على المعرفة.
هذه السياسة وهذا الإعلام هما من أهدرا تاريخ الطائفة ومستقبلها من أجل “حب الظهور”، وهما المسؤولان أولاً وأخيراً عن إبعاد وتنفير الحلفاء السياسيين وتدمير التوازن الوطني. وبسببهما، صار البعض يستخف بالعقلية الشيعية، مكتفياً بـ”مديح للسيد” ليمرر خلفه أقسى الطعون السياسية، وهو ما أوصلنا اليوم إلى مشهد عزل داخلي ودولي لا يتقبله عقل.
أمام تصريحات الوزير جبران باسيل التي وصف فيها الحزب بأنه “ورقة إيرانية” أساسية، متهماً إياه بالخطأ في “حرب الإسناد” وفقدان المشروعية، يشعر المرء وكأن “القيامة” قامت على الطائفة، حيث يسعى الجميع للفرار منها كما في مشهد اليوم العظيم.
هذا الموقف هو الترجمة الحرفية لما كتبتُه في مقالي “حزب الله في خطر” عام 2016، حين توقعتُ بدقة:
1. أن التيار الوطني الحر سيشكك بالحزب عند أول تضارب للمصالح.
2. أن وصول عون للرئاسة سيؤدي لتهميش حليف كـ “سليمان فرنجية”.
3. إقصاء الاعتدال السني المتمثل بالرئيس سعد الحريري.
4. إعلان الدكتور سمير جعجع “العمود الفقري” والزعيم الأوحد للمسيحيين (وأعتقد أن الدكتور جعجع لم يخطئ بانتخاب عون لأنه كان يدرك هذه النتيجة مسبقاً).
إن الخلاصة المرة التي نعيشها اليوم ليست مجرد حرب عسكرية، بل هي نكسة سياسية وتكتيكية استراتيجية؛ فالتاريخ سيسجل كيف غفل حزب الله عن آليات السياسة الداخلية العميقة، وهو الذي يعتبر نفسه لاعباً إقليمياً. الخطر الحقيقي يكمن في أن صناع القرار الدوليين باتوا ينظرون إلى الطائفة كقوة تفتقر للحنكة في إدارة التوازنات، مما حوّل تضحياتها الجسام إلى “أثمان” تُدفع في سوق المساومات، وسط غياب تام لأي معالجة سياسية جادة من قبل “الشيعة” الذين لا يزالون يرفضون الإصغاء لنخبة أبنائهم، ويتمسكون بـ “أصنام” إعلامية وسياسية دمرت الطائفة وكل ما بُني بالدم والتضحيات.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع