ضمير برتبة “محتوى”: لماذا أبكتنا طريدة محمد دايخ ومرت دماء البشر مجاناً؟
بقلم: ميساء الحافظ
هل أصبحنا نتحمل رؤية الدم البشري على الشاشات، وتصيبنا الفجيعة أمام غريزة الطبيعة؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه بعد الضجة الواسعة التي أثارها الفيديو الأخير للمخرج والممثل محمد دايخ. مشهد قصير لأفعى تلتهم طريدتها، وهو فعل بيولوجي يتكرر في الغابات منذ بدء الخليقة، كان كفيلاً بقلب وسائل التواصل الاجتماعي رأساً على عقب، وتحويل المنصات إلى محكمة أخلاقية تطالب برأس الفنان.القصة هنا لا تتعلق بالرفق بالحيوان بقدر ما تكشف عن ازدواجية غريبة يعيشها مجتمعنا الافتراضي اليوم. يمر المستهلك الرقمي يومياً بعشرات المشاهد لمدن تُباد، وأطفال يموتون تحت الأنقاض، فيكتفي بهزّ إصبعه لمتابعة التصفح دون أن يهتز له جفن. لكنه، وأمام مشهد الأفعى والهامستر، يستنفر فجأة ويمارس دور الحارس الإنساني. هذا الاندفاع الحاد يبدو كأنه محاولة هروب من عجزنا الحقيقي أمام الكوارث الكبرى المحيطة بنا، فنفتش عن معركة صغيرة وآمنة خلف الشاشات، لنثبت لأنفسنا وللآخرين أننا ما زلنا بشرًا نملك قلوباً تنبض.لكن التدقيق في خلفيات هذا الهجوم، يأخذنا سريعاً إلى زاوية مغايرة تماماً، زاوية سياسية بامتياز.
لقد تم استغلال لقطة الأفعى الجائعة وتسييسها بذكاء مفرط لتصفية حسابات مؤجلة مع محمد دايخ، الذي طالما استفزت كتاباته الجريئة وأعماله الكوميدية جهات ومجموعات بعينها. تحول الكائن الصغير فجأة إلى رمز لـ “الضحية”، ووُظفت الحادثة بالكامل كغطاء إنساني للهجوم على شخص الفنان والنيل من مواقفه، في استغلال واضح لعواطف الناس الطيبة.لم يبتكر محمد دايخ قسوة جديدة في هذا العالم، بل نقل جزءاً من حقيقة الطبيعة إلى فضائنا الافتراضي المليء بالمظاهر.
لعل ذنبه الحقيقي أنه خدش الطمأنينة الزائفة التي نعيش فيها، ووضعنا أمام مرآة خشنة تؤكد أن مشكلتنا ليست مع العنف بحد ذاته، بل مع من يجرؤ على كشف الغابة الحقيقية التي نتحاشى مواجهتها كل يوم.حين يحاكَم التعبير البصري بهذه الشراسة، بينما تمر الجرائم الفعلية في العالم دون محاسبة، علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نبحث فعلاً عن الإنسانية، أم أننا نبحث فقط عن قضية سهلة نخدّر بها ضمائرنا المتعبة؟