البطريرك الراعي وجه كلمات حازمة للخارج والداخل “الجنوب ليس ورقة مقايضة”، وعدونا يقتلنا مرة واحدة، أما الفساد فيقتلنا كل يوم.
في خطابٍ اتسم بالمكاشفة التامة والوضوح السياسي كما تعودنا من غبطته، كسر البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي جدار الصمت تجاه الأزمات المتراكمة، مقدماً من “الديمان” وثيقة وطنية شاملة تتجاوز الوعظ الديني لتلامس جوهر العقد الاجتماعي اللبناني. ومن منطلق روحيٍّ عميق، استلهم الراعي من مثل “الفريسي والعشار” قاعدةً لـ “التواضع الوطني“؛ حيث اعتبر أن مفتاح العلاقة مع الآخر في الوطن يبدأ من كسر كبرياء الاستقواء، فمن لا يتواضع أمام الله، لن يرى في شريكه الوطني إلا خصماً أو تابعاً.
وبإسقاطٍ سياسي ممتلئ بالحكمة، حوّل البطريرك هذه القيم الأخلاقية إلى مبادئ سيادية صلبة، مؤكداً أن “لبنان ليس ملكاً لفريق“، وأن السلطة ليست “غنيمة” يُستأثر بها. وقد رسم الراعي خطوطاً حمراء واضحة حول مفهوم السيادة، مطالباً بحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز دور الجيش ليكون “الكلمة الفصل” في حماية الأرض، معتبراً أن “الحياد الناشط” هو السبيل الوحيد لانتشال لبنان من صراعات المحاور ورفض تحويله إلى “ساحة” أو “صندوق بريد”.
ولم يغب الجرح الجنوبي عن لغة البطريرك المباشرة، إذ وضع النقاط على الحروف برفضه المطلق لتحويل الجنوب وأهله إلى “ورقة مقايضة“ في الحسابات الإقليمية، مطالباً بانسحاب إسرائيل وتثبيت حق الناس في الأمان والعودة. هذا البعد السيادي اقترن بصرخة إنسانية مدوية، ساوى فيها الراعي بين خطر العدو الخارجي وخطر الفساد الداخلي، في عبارة لخصت وجع الناس: “عدونا يقتلنا مرة واحدة، أما الفساد فيقتلنا كل يوم“.
ختاماً، جاء خطاب الراعي بنبرة رعوية وطنية جامعة وتحذيرية في آن واحد، ليرسل رسائل ثلاثية الأبعاد: للداخل بضرورة الشراكة لا الغلبة، وللخارج باحترام استقلال القرار اللبناني، وللدولة باستعادة هيبتها ومحاسبة الفاسدين. إنه خطاب “الخلاص الممكن” الذي لا ينهض فيه لبنان بانتصار فريق على آخر، بل بانتصار الجميع لمنطق الدولة والعدالة.
التفاصيل:
ترأس البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد السادس عشر من زمن العنصرة في كنيسة الصرح البطريركي في الديمان، عاونه رئيس الديوان الخوري خليل عرب وأمين السر العام الأب فادي تابت، بمشاركة المونسنيور فيكتور كيروز والأب كاميليو مخايل وعدد من الكهنة، في حضور رئيس واعضاء إقليم كاريتاس الجبة، ووفد من المنظمة الدولية لحقوق الإنسان ووفد فاعليات وأهالي بلدة مشمش وحشد من المؤمنين.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى الراعي عظة تطرّق فيها إلى الشأن الوطني. وقال: “من يرفع نفسه يُواضع، ومن يواضع نفسه يُرفع (لو ١٤:١٨). التواضع الوطني يبدأ بأن يعترف الجميع بأن لبنان ليس ملكا لفريق، وأن لا أحد يملك وحده حق تقرير المصير. الدولة ليست غنيمة والسلطة ليست امتيازا، والموقع العام ليس وسيلة لتكبير الأشخاص، بل أمانة لخدمة الناس. ولكي يستعيد لبنان عافيته، لا بد من مرجعية وطنية واحدة وقرار سيادي . حماية لبنان تكون بحصر السلاح بيد الدولة، لأن الدولة لا تستطيع أن تحمي مواطنيها أو تطلب احترام سيادتها إذا بقي القرار الأمني موزّعًا بين مرجعيات متعددة. وهذا المسار يجب أن يتم بالحكمة والمسؤولية، بعيدًا عن التحريض والفتنة، وبما يحفظ كرامة جميع اللبنانيين. أما المفاوضات، فلا يجوز أن تبقى جولات بلا نتيجة فالمطلوب وقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وضمان أمن الناس وحقهم في العودة إلى قراهم وبيوتهم”.
وأشار إلى أن “الجنوب ليس ورقة تُستعمل في الحسابات، بل هو أرض لبنانية وأهل أعزاء لهم حق ثبات في الأمان والحياة وإعادة الإعمار. لا يجوز أن يبقى الجنوبيون أسرى الانتظار، ولا أن تتحول معاناتهم إلى مادة للمساومة”.
وقال: “يحتاج لبنان إلى جيش يعرف أن مهمته ليست حماية الحدود فقط، بل حماية معنى الدولة نفسه. جيش حاضر حيث يجب أن تكون الدولة، وحازم حين يُهدَّد الوطن، مسنود بإرادة سياسية لا تتركه وحيدًا أمام الأخطار. فالدولة التي لا يملك جيشها الكلمة الفصل في حماية أرضها تبقى دولة ناقصة السيادة. ويحتاج لبنان إلى حياد يحميه من صراعات الآخرين. فالحياد ليس انسحابا من القضايا الوطنية، ولا تخليا عن الحقوق، بل هو رفض لتحويل لبنان إلى ساحة للمحاور. إنه طريق لاستعادة القرار الحر، وحفظ العلاقات مع الجميع، وإبقاء لبنان وطنا لا جبهة مفتوحة. إن لبنان لا ينهض عندما ينتصر فريق على فريق بل عندما ينتصر الجميع للدولة. ولا يبنى الوطن بمنطق الغلبة، بل بالشراكة، واحترام القانون، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الخاصة. عندها يصبح التواضع الوطني قوة، ويصبح الخلاص ممكنا.
واضاف: “في الشأن الوطني، نرجو أن يكون توقيع قانون العفو العام بابا للرحمة، وفرصة لفتح صفحة جديدة عنوانها العدالة والمصالحة والسلام في لبنان. فالعفو، إذا اقترن بالحق والعدل لا يكون مجرد إسقاط للعقوبة، بل يكون خطوة نحو تضميد الجراح، وإعادة بناء الثقة، ومنح من يستحق فرصةً جديدة للعودة إلى المجتمع والحياة. ونأمل أن يفتح هذا القانون بابا لمزيد من المصالحات، وأن يساعد على طي صفحات الألم والانقسام، بروح تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوق المتضررين، وتضع مصلحة لبنان ووحدته فوق كل اعتبار”.
وأردف: “كثير من المواطنين يرفعون وجعهم إلينا ويقولون: لبنان وأهله وصلوا إلى مرحلة ما عاد فيها الصمت مقبولاً . المواطن يختنق من الغلاء والفقر والمرضى يتعذبون، والعائلات تكافح لتؤمن أبسط مقومات الحياة، فيما الكهرباء والمولدات والفواتير تزيد وجع الناس عدونا يقتلنا مرة واحدة، أما الفساد والإهمال وغياب المحاسبة فيقتلوننا كل يوم ونحن فاتحين عيوننا ونرى وطننا ينهار. نحن بحاجة لصوت قوي مثل صوتكم يقف إلى جانب الناس، ويقول الحقيقة بلا خوف ولا مجاملة لبنان لا يحتاج إلى شفقة، بل يحتاج دولة وعدالة، ومحاسبة. ثقتنا بصوتكم وضميركم كبيرة، ورجاؤنا أن يبقى وجع اللبناني أولوية”.
وختم الراعي: “فلنصل، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء يا رب، علمنا الصلاة بتواضع، والعمل بمحبة. احفظ لبنان، وارفعه بالحق والسلام. لك أخ المجد والشكر إلى الأبد، آمين”.
وبعد القداس، استقبل البطريرك المشاركين في القداس، وألقى رئيس إقليم كاريتاس الجبة الدكتور إيليا إيليا كلمة شكر فيها للبطريرك رعايته الدائمة لكاريتاس ودعم رسالتها الانسانية والاجتماعية. وتوجه بشكر خاص للأب سمير غاوي والمطران جوزيف نفاع و الخوري خليل عرب وكل اعضاء إقليم كاريتاس الجبة على جهودهم وعطائهم الصامت.