ما لا تقوله الملامح.. عن أدب المسافات والتماس العذر
ثمة جانب مخفيّ في حياة كل من نقابلهم، مساحة رمادية لا تطأها أقدامنا مهما بلغت درجة قربنا منهم. نحن نلتقي بالناس في “منتصف حكاياتهم”، نرى ردود أفعالهم، تقصيرهم المفاجئ، أو ربما بروداً لم نعتده منهم، فننسى أن خلف هذا السلوك تكمن عواصف صامتة قد لا نتحمل نحن سماع دويّها. الحقيقة هي أن الظروف لا تحكم تصرفاتنا فحسب، بل هي أحياناً تعيد صياغة أرواحنا بشكل مؤقت، فتجعل من اللطيف حاداً، ومن الاجتماعي منطوياً، ومن المقرب غائباً.
الذكاء الحقيقي ليس في ملاحقة أخطاء الآخرين بالتحليل، بل في “الترفع الوجداني” عن محاكمتهم. أن تضع عذراً لشخصٍ لم يعتذر، ليس ضعفاً في شخصيتك، بل هو نبلٌ في فهمك لطبيعة البشر. نحن لا نعرف ما الذي سرق منهم نومهم بالأمس، ولا أي خبرٍ أثقل كواهلهم قبل أن يلقوا علينا التحية. لذا، فإن احترام ظروف الآخرين هو في جوهره احترامٌ لضعفنا الإنساني المشترك؛ هو صمتك حين يكون الكلام عبئاً عليهم، وهو انسحابك الهادئ حين تشعر أن مساحتهم الخاصة لم تعد تتسع إلا لأوجاعهم.
إن أجمل هدية يمكن أن تقدمها لإنسان يمر بظرفٍ صعب، هي “ألا تضطره للشرح”. أن تشعره بأن مكانته محفوظة رغم غيابه، وأن الودّ لا يسقط بمجرد عثرة أو انشغال. نحن بحاجة لأن نكون الملاذ الذي لا يحاسب، والصدر الذي لا يضيق بالصمت. ففي عالمٍ يركض خلف الكمال المزيف، يظل العذر الجميل والتفهم الصادق هما أرقى ما نتركه من أثر في قلوب الآخرين، لعلنا نجد غداً من يقرأ صمتنا بنفس تلك الرحمة.