خبر الان

وقف إطلاق النار أم شرعنة تصفية المقاومة؟

 

كتب أكرم بزي

عندما يجتمع القاضي والجلاد في خصم واحد، لا يتبقى للضحية سوى جرعة مضاعفة من الألم والظلم، وهذا تماما ما يترجمه الواقع اللبناني اليوم، حيث تشرعن الاتفاقيات السياسية استمرار النزيف بدلا من إيقافه، إن تمديد مهلة ما يسمى بوقف إطلاق النار خمسة وأربعين يوما إضافية، في وقت يستمر فيه الكيان الصهيوني بهدم القرى والمدن وقتل المدنيين، لا يمكن تصنيفه إلا كضوء أخضر لمواصلة آلة الدمار تحت غطاء دبلوماسي، وبعلم وموافقة السلطة اللبنانية التي تبدو عاجزة أو متواطئة في قبول شروط تزيد من سحق شعبها، ليكون هذا التمديد باختصار رخصة رسمية لقتل وإبادة ما تبقى، وسط صمت دولي مخز يبارك للجلاد فعلته.
وتحمل التصريحات الأخيرة للسفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر دلالات عميقة تعكس جوهر المسار الذي تسلكه المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الحالية، إذ تعزز القراءة بأن ما يجري يتجاوز فكرة البحث عن وقف عابر لإطلاق النار نحو محاولة صياغة واقع استراتيجي جديد في المنطقة برعاية أميركية مباشرة، وعندما يتحدث السفير في مقابلته مع موقع والا الإسرائيلي في أيار 2026 عن معركة مشتركة تجمع إسرائيل والولايات المتحدة والسلطة اللبنانية ضد حزب الله، فإنه يزيح الستار عن تقاطع المصالح الذي أدار العمليات العسكرية الأخيرة من توغل واغتيالات وتدمير ممنهج معتبرا إياها أدوات تنفيذية لتحقيق هدف سياسي مشترك، وتثبت هذه المواقف أن المقاومة في لبنان لم تعد تواجه القوة العسكرية الإسرائيلية وحدها في الميدان بل أصبحت في مواجهة جبهة ثلاثية الأبعاد تضم القوة الإسرائيلية والضغط السياسي الأميركي والتماهي الرسمي اللبناني مع هذه الطروحات.
إن تشديد السفير على أن إسرائيل لن توافق بأي شكل على وقف ملاحقة حزب الله حتى في ظل وقف إطلاق النار ينسجم تماما مع الوثائق التاريخية والسياسية التي تؤكد أن الأهداف الإسرائيلية في لبنان تتجاوز الحدود الجغرافية لتصل إلى هندسة النظام السياسي والأمني اللبناني، وبالعودة إلى تقارير صحيفة هآرتس والوثائق التي أفرج عنها الموساد في أيلول 2022 نجد أن التخطيط لعمليات واسعة النطاق في لبنان كان يهدف دائما إلى إحداث تغيير جوهري في العلاقات وفرض ترتيبات أمنية تضمن تبعية القرار اللبناني للمصالح الأمنية الإسرائيلية، كما أن وصف السفير لتصريحات الحكومة اللبنانية بشأن نزع السلاح بأنها بعيدة عن الواقع يضع السلطة في موقف العاجز أو الشريك الصامت الذي يقدم وعودا لا يملك أدوات تنفيذها بينما تستمر إسرائيل في التمسك بحق الدفاع عن النفس كذريعة لانتهاك السيادة اللبنانية في أي وقت وهو مسار يعيد إلى الأذهان ما كشفته الوثائق حول اجتماعات نهاريا في أيلول 1982 حيث كان الضغط الإسرائيلي يمارس لانتزاع تنازلات سيادية مقابل وعود أمنية واهية.
بناء على ذلك يتأكد أن المشهد التفاوضي الحالي ليس إلا وجها آخر للحرب تسعى من خلاله واشنطن وتل أبيب بالتنسيق مع أطراف في السلطة اللبنانية إلى انتزاع ما عجزت القوة العسكرية عن تحقيقه بالكامل وهو تحويل لبنان إلى ساحة أمنية مكشوفة تحت شعار منع إعادة التسلح مما يضع المقاومة أمام تحدي المواجهة مع منظومة متكاملة تهدف إلى تصفية وجودها السياسي والعسكري دفعة واحدة.
في هذا السياق أعد الأميركيون ورقة تم تقديمها بصفتها نتيجة المفاوضات بين وفد رئيس الجمهورية جوزف عون والعدو الإسرائيلي لتكون بمثابة إعلان نوايا بين لبنان وكيان الاحتلال، والمنتظر أن يكون مضمون هذه الورقة أشد خطورة من تفاهم 16 نيسان 2026 إذ يضع الإطار العملي لتطبيق بنوده مما يدخل السلطة في حالة من التحالف العملي مع العدو، وتصر السلطة اللبنانية على جر البلاد نحو الهاوية مستندة إلى غياب ردود الفعل السياسية والشعبية المناسبة على ما يجري في واشنطن وتوضح التسريبات المتعلقة بالاقتراح الأميركي لإعلان النوايا والمنبثق عن الجولة الثالثة من المفاوضات ملامح هذا المسار الخطير الذي يتضمن تمديد وقف إطلاق النار وفق ترتيبات أمنية وعسكرية مجدولة وانسحابا إسرائيليا تدريجيا من لبنان خلال فترة قد تصل إلى عامين بالتوازي مع تنفيذ الدولة اللبنانية لالتزاماتها.
وتشمل هذه الالتزامات إطلاق الدولة اللبنانية خطة شاملة لنزع سلاح حزب الله وإعادة تفعيل لجنة الميكانيزم لمراقبة تنفيذ الدولة اللبنانية للترتيبات الأمنية مع منح الجيش اللبناني بدعم دولي صلاحية الدخول إلى أي منشأة عامة أو خاصة للتحقق من نزع السلاح واستخدام الأقمار الصناعية وآليات رقابة أميركية لمتابعة المنشآت التابعة للحزب بالإضافة إلى إنشاء قوة خاصة داخل الجيش اللبناني مهمتها نزع السلاح ومنع إعادة تسلح الحزب بدعم أميركي مباشر، وفي المقابل تتبنى واشنطن الكامل للرواية الإسرائيلية بأن حزب الله يخرق وقف إطلاق النار وتؤكد على دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها مع عدم توقع توقف إسرائيل عن استهداف عناصر الحزب أينما وجدوا واعتبار سلاحه هو جوهر الأزمة والضغط على لبنان للبدء الفوري بخطة نزع السلاح دون شروط مسبقة مع عدم ضمان الإدارة الأميركية لوقف كامل للحرب قبل تحقيق هذا الشرط.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي عدوانه المستمر منذ تشرين الثاني 2024 مخلفا القتلى والدمار وتجريف القرى واستهداف الإعلاميين والمسعفين ومواقع الجيش واليونيفيل شهدت كواليس وزارة الخارجية الأميركية لقاء جمع أعضاء الوفد اللبناني الذي يضم سيمون كرم وندى معوض ووسام بطرس والعميد أوليفر حاكمة والعميد وديع رحمة وآخرين حيث تناولوا الطعام مع أعضاء وفد حكومة العدو الذي يضم يحيئيل ليتر ونوا عينوسار والعميد اريك بندول والعميد هميخاي ليفين ويوري درزنين.
إن هذا المشهد يثير تساؤلات حادة حول طبيعة تلك اللقاءات وما إذا كان هذا التقارب والاحتفاء يجريان على وقع الاتفاق على تصفية المقاومة وإقامة منطقة عازلة في الجنوب ونزع أسلحة المقاومين بالقوة وصولا إلى افتتاح مكتب تمثيلي إسرائيلي في بيروت، إن هذا التماهي من سلطة تابعة للإدارة الأميركية لا يمكن مجابهته بالسكوت ولن يمر دون رد تفشله الإرادة الشعبية التي أسقطت مفاعيل اتفاق 17 أيار 1983 من قبل حيث سيتحرك الشارع ليعلن من جديد أن نور الحق أقوى من ظلام التآمر والعدوان وسينتصر أصحاب الأرض في النهاية.

 

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس الموقع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى