• التمدد الاستيطاني والاعتداءات على الأماكن المقدسة

    بقلم سري القدوة

    الجمعيات الاستعمارية، وبمساندة سلطات الاحتلال، تقود منذ عقود حملات منظمة لإخلاء العائلات الفلسطينية في الشيخ جراح، مستخدمة أدوات قانونية وتخطيطية وإدارية غير مسبوقة، لتحقيق الهدف ذاته المتمثل بالتهجير القسري وتثبيت الوجود الاستعماري في قلب الحي، وتشمل هذه السياسات مشاريع “تجديد حضري” واسعة النطاق، تتضمن بناء نحو ألفي وحدة للمستعمرين، أي ما يفوق عدد المنازل الفلسطينية القائمة في الحي بأكمله، مع إقصاء السكان الفلسطينيين كلياً، إلى جانب تسجيل وتسوية أراض لصالح المستعمرين، والاستيلاء على المساحات العامة، وإعادة تخصيصها لخدمة مشاريع دينية وقومية يهودية .

    ما يجري في الشيخ جراح يتجاوز مخططا واحدا، ليشكل سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الحي ديمغرافيا وعمرانيا، حيث تطرح مشاريع استعمارية إضافية، إلى جانب مساع حثيثة لربط هذه المشاريع بالبؤر في الشطر الشرقي، مروراً بمناطق كرم المفتي وجبل المشارف، بما في ذلك محيط الجامعة العبرية، ويهدف هذا الربط إلى تقسيم الحي إلى شطرين شمالي وجنوبي، وتسهيل السيطرة عليه، وربط شطري القدس الشرقي والغربي عبر طوق استعماري متصل داخل الأحياء الفلسطينية، لا سيما في المناطق المصنفة تاريخيا كمنطقة فاصلة بين عامي 1948 و1967.

    ما يعرف بمخطط عطروت لا يمكن فصله عن أهدافه الإستراتيجية بعيدة المدى، وفي مقدمتها القضاء على ما كان يعرف بمطار الدولة الفلسطينية المستقبلية، والذي شكل رمزا سياديا وسياسيا مهما، كما يهدف المخطط إلى تكريس الفصل بين التجمعات الفلسطينية الواقعة خلف الجدار وتلك الموجودة أمامه، عبر خلق سد استعماري بشري يمنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي، ويندرج المخطط كذلك ضمن مشروع “القدس الكبرى” بالمفهوم الإسرائيلي، الذي يهدف إلى ضم ما يقارب 10 بالمائة من مساحة الضفة الغربية، من خلال شبكة أنفاق وطرق التفافية لربط المستعمرات الواقعة شمال شرق القدس .

    الاحتلال ومنذ مطلع العام الماضي اعتدى على المسجد الأقصى من خلال سماحه لعصابات المستعمرين الإرهابيين باقتحامه وتدنيس ساحاته ومصاطبه، وذلك لـ(280) مرة، مارس خلالها المستعمرون شعائر تلمودية أصبحت تمارس بشكل يومي كالسجود الملحمي، بالإضافة إلى النفخ بالبوق، في إظهار واضح لممارستهم وصلواتهم التلمودية الجماعية والتي تمارس في مكان محدد لتكرس التقسيم الزماني والمكاني، وأن هذه الاقتحامات تتم تحت إشراف وحماية شرطة الاحتلال التي تمنع بشكل دائم حراس المسجد الأقصى التابعين لدائرة الأوقاف في القدس من قيامهم بعملهم داخل ساحاته .

    التمدد الاستيطاني في القدس والاعتداءات على الأماكن المقدسة والمصلين المسيحيين يتواصل في ظل إقدام جماعات دينية يهودية متطرفة بالاعتداء على الحجاج المسيحيين في مدينة القدس المحتلة، وتحديدا في منطقة كنيسة حبس المسيح، كما ضيقت عليهم خلال الأعياد المسيحية، ومنعتهم من الوصول إلى كنيستي المهد والقيامة .

    يسعى الاحتلال إلى قلب الميزان الديمغرافي لصالحه، عبر سياسات الطرد والهدم بحق الفلسطينيين، مقابل الإحلال السكاني الاستعماري، وهو ما تثبته الوثائق والخطط الرسمية الإسرائيلية بما فيها مخطط “نحلات شمعون” في حي الشيخ جراح، وتحديداً في منطقة أرض النقاع، والذي يقضي بهدم الحي وبناء مستعمرة على مساحة تقارب 17 دونما، تضم 316 وحدة على أنقاض منازل نحو 40 عائلة فلسطينية، ويستند هذا المخطط إلى منظومة قوانين تمييزية عنصرية، تتيح للجمعيات الاستعمارية المطالبة بأملاك تعود إلى ما قبل عام 1948، في حين يحرم الفلسطينيون من الحق ذاته في استعادة أملاكهم التي هجروا منها قسرا .

    سفير الإعلام العربي في فلسطين
    رئيس تحرير جريدة الصباح الفلسطينية
    infoalsbah@gmail.com

  • الاحتلال يواصل ارتكاب جريمة التهجير القسري

     

    بقلم : سري القدوة

     

     

    حكومة الاحتلال تواصل ارتكاب جريمة التهجير القسري بحق سكان قطاع غزة ضمن سياسة مدروسة وعلنية توظف فيها أنماطا مختلفة من الجرائم وتعمل ضمن أدوات التهجير القسري الإسرائيلية والتي تشمل القصف والتجريف واسع النطاق، والتجويع المتعمد، وتدمير البنية التحتية المدنية، وطرد السكان بقوة النار وبأوامر التهجير، وتجميعهم في مساحة محدودة تقل عن 15% من مساحة القطاع، تمهيدا لتهجيرهم الجماعي خارجه، بعد أن حولت معظم مناطق غزة إلى أراضٍ مدمرة غير مأهولة وغير صالحة للحياة، بما يشكل امتدادا مباشرا لجريمة الإبادة الجماعية التي تنفذها منذ نحو 21 شهرا .

     

    قوات الاحتلال كانت قد أصدرت بين 28 و30 يونيو 2025 ثلاثة أوامر عسكرية جديدة بتهجير سكان مناطق واسعة في شرقي مدينة غزة وجنوبها، وأجزاء من شمالي القطاع، شملت مساحة شاسعة تمتد لعدة كيلومترات مربعة، وتسببت في نزوح عشرات آلاف المدنيين قسرا، ممن وجدوا أنفسهم عالقين بين التهجير المستمر، والتجويع، والقصف المتواصل، في ظل انعدام أي ملاذ آمن داخل القطاع .

     

    الأوامر الأخيرة رفعت عدد أوامر الإخلاء التي أصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي بالرغم من اتفاق وقف الحرب برعاية أمريكية ووقف إطلاق النار، وأن هذه الأوامر غير القانونية، إلى جانب التوغلات العسكرية المتسعة، جعلت أكثر من 85% من أراضي قطاع غزة خاضعة إما لسيطرة عسكرية مباشرة أو لأوامر نزوح قسري، فيما يعد محوا واستهدافا منهجيا للوجود الفلسطيني، ويكشف عن نية واضحة لإحداث تغيير ديمغرافي دائم في القطاع .

     

    قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل قصف المناطق التي يجبر المدنيون على النزوح إليها، بما في ذلك المدارس، ومراكز الإيواء المؤقتة، والخيام، وقسمت قطاع غزة الى ما يعرف بالمنطقة الصفراء والخضراء وتنفذ فيها مجازر جماعية تستهدف السكان المهجرين تحت وطأة القصف والتجويع والبرد القارس، في انتهاك صارخ ومتعمد لأبسط قواعد القانون الدولي، ما يؤكد أن النزوح القسري لا يتم فقط تحت التهديد، بل في إطار بيئة مميتة وغير إنسانية تمعن في قتل المهجرين وتعريضهم لمعاناة مقصودة، وتشير بوضوح إلى استخدام النزوح كأداة في سياسة الإبادة الجماعية الجارية .

     

    نمط إصدار أوامر التهجير القسري، وجرائم القتل والتدمير واسعة النطاق، وسياسة التجويع المتعمد، كلها تشكل مكونات متكاملة لخطة إسرائيلية تمضي بلا مواربة نحو تنفيذ المرحلة النهائية من جريمتها وهدفها الأصلي، وهي الطرد الجماعي للفلسطينيين خارج أرضهم، وتحديدا خارج قطاع غزة، بعد أكثر من 25 شهرا من ارتكاب جرائم إبادة جماعية شملت قتل وإصابة ما يزيد عن 200 ألف مدني، ومسح بلدات كاملة من الوجود، وتدمير البنية التحتية في القطاع، وتجريف مقومات الحياة فيه، وتهجير سكانه داخليا بشكل منهجي، في سياق خطة تهدف إلى القضاء الكامل على الجماعة الفلسطينية ككيان ووجود .

     

    خطط تهجير الفلسطينيين قسرا تمثل امتدادا مباشرا للمشروع الإسرائيلي الاستعماري الاستيطاني والممتد منذ عقود، والقائم على محو الوجود الفلسطيني والاستيلاء على الأرض، وأن ما يميز هذه المرحلة عن أنها تتخذ طابعا أكثر خطورة واتساعا، إذ تستهدف 2.3 مليون إنسان خضعوا لإبادة جماعية شاملة، وجرى حرمانهم من أبسط الحقوق الأساسية، في ظروف قهرية منهجية تتسم بالقسوة الفائقة والتجريد الكامل من أدنى شروط الحياة، في محاولة متعمدة لدفعهم خارج وطنهم لا كخيار، بل كشرط وحيد للنجاة، في واحدة من أوضح محاولات التهجير الجماعي المخطط لها في التاريخ المعاصر .

     

    سفير الإعلام العربي في فلسطين

    رئيس تحرير جريدة الصباح الفلسطينية

     

  • خطاب سياسي جديد بعد 22 سنة: صحوة ضمير أم استجابة لضغوط؟

     

    بقلم/عامر جاسم العيداني

    بعد أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق يطفو إلى السطح خطاب سياسي يبدو في ظاهره مختلفا عما اعتاده العراقيون ، حديث متزايد عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة واحترام هيبتها وعدم التلويح بالقوة ضد مؤسساتها إلى جانب دعوات صريحة للتخلي عن نظام المحاصصة والبدء بوضع خطط حقيقية لبناء الدولة واقتصادها.

    هذا التحول في اللغة السياسية يثير سؤالاً مشروعا ، هل نحن أمام صحوة ضمير متأخرة لدى أحزاب حكمت البلاد طيلة 22 سنة أم أن الأمر لا يعدو كونه استجابة لضغوط داخلية وخارجية فرضت تغيير النبرة لا أكثر؟

    منذ عام 2003 تشكل النظام السياسي على أساس المحاصصة الطائفية والحزبية التي قدمت حينها بوصفها ضمانة لتمثيل الجميع لكنها تحولت عمليا إلى آلية لتقاسم النفوذ والموارد وإضعاف مؤسسات الدولة. في ظل هذا النظام تمدد السلاح خارج إطار الدولة وتداخلت السياسة بالأجنحة المسلحة ما أفقد القانون هيبته وقيد أي محاولة جادة لبناء دولة حديثة ذات اقتصاد منتج.

    اليوم حين تصدر الدعوات نفسها من القوى التي كانت جزءا أساسيا من تكريس هذا الواقع يصبح التشكيك مشروعا، فالعراقيون سمعوا على مدى سنوات طويلة شعارات مشابهة في مواسم الانتخابات أو عند اشتداد الأزمات دون أن تترجم إلى سياسات أو قرارات حاسمة. ولهذا فإن أي خطاب جديد لا يقاس بجمال مفرداته بل بمدى استعداده لمواجهة المصالح التي نشأت وترسخت داخل منظومة الحكم نفسها.

    في المقابل لا يمكن عزل هذا التحول عن السياق العام الذي يعيشه العراق والمنطقة فإن الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع أسعار النفط في بعض الفترات وتضخم البطالة واتساع رقعة الفقر كلها عوامل جعلت استمرار النموذج القائم عبئا ثقيلا حتى على القوى المستفيدة منه، يضاف إلى ذلك ضغط الشارع الذي لم يعد يقبل بسهولة بمنطق السلاح المنفلت أو تبرير الفشل بالمؤامرات كما ظهر جليا في موجات الاحتجاج المتكررة.

    أما العامل الخارجي فهو حاضر بقوة أيضا فالعراق بات مطالبا أكثر من أي وقت مضى بتقديم نفسه كدولة مستقرة قادرة على حماية الاستثمارات وضبط السلاح وبناء اقتصاد متوازن. ان المجتمع الدولي والمؤسسات المالية وحتى الشركاء الإقليميون يربطون أي دعم حقيقي بإصلاحات واضحة في مقدمتها تعزيز سلطة الدولة وإنهاء ازدواجية القرار الأمني والاقتصادي.

    من هنا يمكن القول إن الخطاب الجديد هو نتاج تلاق بين ضغط الواقع الداخلي ومتطلبات الخارج أكثر مما هو انعكاس لمراجعة ذاتية عميقة، غير أن هذا لا يعني التقليل من أهميته فالتحول في اللغة قد يكون مقدمة لتحول في السياسات إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية وجرى الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة القرارات المؤلمة.

    الاختبار الحقيقي لهذا الخطاب يكمن في الأفعال وهل ستتخذ خطوات واضحة لحصر السلاح بيد الدولة دون استثناءات؟ هل سيتم تفكيك منظومة المحاصصة عمليا عبر قوانين وممارسات عادلة؟ وهل ستطرح رؤية اقتصادية تتجاوز الريع النفطي نحو الإنتاج والاستثمار؟ دون ذلك سيبقى الخطاب مجرد محاولة لشراء الوقت وامتصاص الغضب.

    في النهاية لا يهم العراقيين إن كانت الدوافع صحوة ضمير أم ضغطا خارجيا بقدر ما يهمهم أن يروا دولة تبنى فعلا لا تدار بالشعارات فبعد 22 سنة من التجارب القاسية لم يعد الشارع مستعدا لمنح ثقته مجانا بل ينتظر نتائج ملموسة تثبت أن هذا التحول ليس مجرد تغيير في اللهجة بل بداية مسار مختلف.

  • هذا ليس خلاف رأي هذا كشف أقنعة.

    كتب إسماعيل النجار

     

    هذا ليس خلاف رأي هذا كشف أقنعة.

    حين يتحوّل القلم إلى أداة تضخيم الذات، وحين يُختصر الوعي العام بضمير المتكلم، نكون أمام ظاهرة خطرة لا كاتب عابر. نحن أمام شخص يعتقد أن المقاومة منصة، وأن الدم فكرة ثانوية، وأن التاريخ يُكتب بعبارة: أنا قلت. أنا كتبت. أنا حذرت!.

    من هنا يبدأ الاشتباك، لا المجاملة.

    هذا النرجسي الذي لا زال على رأس آصبعه العسل من خير (ألحاج محمد عفيف) يخرج إلينا اليوم بمرضهِ المعروف لدى الجميع “ب” “أل” “أنا” هو هكذا دائماً!. أنا قلت، أنا كتبت، أنا حذرت، الكل من حوله يقول إنه نرجسي دائماً يقول الناس تقول عني قال “فلان” كتب فلان.

    هذا الكلام دائماً ما يكتبه هو ويحاول إظهار نفسه بأنه العرَّافة البلغارية (بابا فانغا!). مريض بحب الـ”أنا”، مريض بقول أنا قلت. لقد تمادى صاحب القلم الأسود كثيراً في إتهام المثقفين الشيعة بالغباء وكأنهم المبصرون العميان، وهو بابا فانغا المبصر!. كتب واتهم واستصغر القوم على حجمه، واستغل خطابات القادة وجعلها عباءته لينفذ من خلالها إلى عقول الناس، بأن قصده شريف ويريد الإصلاح بأمة جدهم، مع العلم أنه ليس منهم. وهنا لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها هذا ليس ناقدًا، بل متسلّق وعي. وليس مفكّرًا، بل سمسار مواقف.

    ليس محبًّا للمقاومة، بل مستهلك شعارات تربّى سياسيًا في حضن الكتائب والقوات، ثم قرّر أن يعمّد ماضيه بخطاب لا يشبهه.

    هو يكتب ليصادر العقول، لا ليخاطبها.

    يهاجم المثقفين لأنهم يفضحون خواءه. يتطاول لأن التواضع يعرّي تاريخه. ويصرخ “أنا” لأن الجماعة لم تعترف به يومًا. المقاومة، يا هذا، ليست منشورًا، وليست مساحة استعراض، وليست دفتر تنبؤات،

    وليست عباءة تُستعار عند الحاجة.

    المقاومة أخلاق، وانتماء، وصبر، وتضحية، ومن لم يتربَّ عليها، لن يفهمها ولو حفظ خطاباتها عن ظهر قلب. أما الذين يرون أنفسهم أوصياء على الوعي، فغالبًا ما يكونون أول من خان الوعي يوم احتاج موقفًا لا مقالًا.

    هذه ليست قسوة في اللغة، هذه حقيقة بلا مسكّنات. وهنا بيت القصيد

    أن هذا النموذج من الكُتّاب ليس جديداً على تاريخ الصراعات الفكرية، هو نتاج بيئة سياسية صهيونية ربّته على الفردية، وعلى صناعة “البطل الورقي”، وعلى تحويل القلم إلى مرآة يرى فيها نفسه فقط. هو يدّعي حب المقاومة لأنه يعرف أن هذا العنوان هو الأكثر رواجاً، لكنه في العمق لم يتشرّب يوماً ثقافتها ولا أخلاقياتها، لا يفهم المقاومة إلا بوصفها سلّماً للصعود الشخصي، لا مشروع تضحية جماعية.

    هو لا يكتب ليُنير، بل ليقول كنت هنا.

    لا ينتقد ليُصلح، بل ليُصنِّف نفسه فوق الآخرين. ولا يحذّر بدافع المسؤولية، بل بدافع تسجيل النقاط، وكأن التاريخ دفتر علامات، والمقاومة مادة امتحان.

    الأخطر في هذا النوع من الخطاب ليس نرجسيته الفاقعة فحسب، بل محاولته الدائمة تسفيه العقول، وشيطنة المثقفين، واحتكار الوعي، وكأن الذاكرة الشعبية عاجزة، وكأن جمهور المقاومة قاصر يحتاج إلى وصيٍّ متعالٍ يشرح له ما يفهمه instinctively منذ عقود.

    المقاومة لا تحتاج إلى “بابا فانغا”،

    ولا إلى عرّاف سياسي، ولا إلى كاتب يلبس عباءة القادة ليُخفي عُري ماضيه.

    المقاومة تُقاس بالموقف عند الخطر،

    وبالانتماء ساعة الخسارة،

    وبالصمت الشريف حين يكون الصمت حكمة، لا بالضجيج، ولا بتضخيم الـ“أنا”، ولا بالعيش الدائم على هامش الآخرين. ومن لا يرى في المقاومة إلا مرآة لذاته،

    فلن يرى فيها يوماً وطناً.

     

     

  • الذكرى العاشرة لضربة توشكا في باب المندب اللحظة التي انهار فيها وهم السيطرة وبدأ زمن الردع اليمني

     

    عدنان عبدالله الجنيد.

     

    مقدمة:

    لم تكن ضربة توشكا في باب المندب مجرّد فعلٍ عسكريٍّ في سياق حربٍ مفتوحة، بل كانت الشرارة الأولى التي كسرت حاجز الخوف الجمعي، وأسقطت وهم الردع المطلق الذي شيّدته قوى الاستكبار في وعي الشعوب والفصائل المقاومة لعقود.

    في تلك اللحظة، لم يُستهدَف موقعٌ ميدانيٌّ فحسب، بل اهتزّت منظومة نفسية كاملة بُنيت على أن الهيمنة قدرٌ لا يُكسر، وأن التفوق العسكري حتمي، وأن الممرات الاستراتيجية محرّمة على إرادة الشعوب.

    من باب المندب انكسر السقف

    ومن هناك بدأ وعيٌ جديد يرى أن المبادرة ممكنة، وأن كسر المعادلة فعلٌ محسوب حين يتكئ على الإيمان، والعقيدة، وحسن تقدير اللحظة.

    ولم تولد فكرة طوفان الأقصى من فراغ، بل جاءت ثمرة تراكمٍ استراتيجيٍّ طويل، كانت توشكا إحدى لحظاته التأسيسية: لحظة كُسِر فيها الخوف قبل أن تُكسَر التحصينات.

    باب المندب: الجغرافيا التي تُربك الإمبراطوريات:

     

    يمثّل باب المندب عقدةً جيواستراتيجية في منظومة السيطرة العالمية؛ فمن يهيمن عليه يمتلك مفاتيح التجارة والطاقة وحركة الأساطيل. وكان مخطط العدوان على اليمن واضحًا: تحييد هذا الموقع وتحويله إلى منطقة نفوذ خاضعة لإدارة أمنية تحمي المصالح الأمريكية–الإسرائيلية، وتؤمّن الخاصرة الجنوبية للكيان الصهيوني.

    جاءت توشكا لتقلب الفرضية:

    اليمن حاضر، والسيادة فاعلة، والجغرافيا ليست فراغًا. لم تكن الضربة ردًّا انفعاليًا، بل إعلان دخول اليمن معادلة الأمن البحري بوصفه فاعلًا قادرًا على الإرباك والمبادرة.

    وحدة العدو… ووحدة المعركة:

    في تلك الليلة، تكثّفت الحقيقة: العدو واحد والمشروع واحد.

    امتزج الدم الأمريكي والإسرائيلي والسعودي والإماراتي مع أدواتهم في خندقٍ واحد. سقطت الأقنعة، واتّضح أن من يقصف صنعاء هو ذاته من يحمي احتلال القدس، وإن اختلفت اللافتات.

    من هنا، لم تعد الحرب تُقرأ محليًا؛ إنها صراع وجود بين مشروع تحرّر وسيادة، ومشروع استعمار جديد بأدوات عسكرية وأمنية وإعلامية.

    من الدفاع إلى كسر المعادلة:

    أسّست توشكا لتحوّلٍ نوعي في العقيدة القتالية اليمنية:

    من الصمود إلى المبادرة

    من الدفاع إلى الردع

    من التكتيك إلى التأثير الإقليمي.

    للمرة الأولى، اضطرت غرف القرار المعادي إلى مراجعة حساباتها؛ اهتزّ الأمن الاستخباراتي، وتعرّت هشاشة الرهان على المرتزقة والشركات الأمنية، وتبدّد وهم الحسم السريع.

    ومن رحم الحصار، بدأ تشكّل ردعٌ يمنيٌّ متراكم: تصنيع ذاتي، خبرة ميدانية، وربطٌ واعٍ بين القرار العسكري والبوصلة العقائدية.

    من باب المندب إلى القدس: المعنى الاستراتيجي:

    لم تكن القدس بعيدة عن توشكا؛ فباب المندب خطّ إمداد وأمن قومي للكيان الصهيوني.

    وحين يُضرب هذا المفصل بإرادة يمنية حرّة، تصل رسالة الردع إلى القدس دون إطلاق صاروخٍ عليها.

    هكذا تُدار الحروب الكبرى: ضربة في الجنوب تُربك الشمال.

    ومنذ تلك الليلة، انتقلت فصائل المقاومة في المنطقة من منطق الاحتواء إلى منطق الاقتحام، ومن الدفاع إلى المبادرة.

    تراكم الوعي، وتكاثفت الخبرة، حتى بلغ المسار ذروته في طوفان الأقصى بوصفه ثمرة كسر الخوف قبل كسر الخطوط.

    الخاتمة: سنن النصر:

    بعد عشر سنوات، يتبيّن أن توشكا لم تكن ضربة يد، بل ضربة سنن.

    لم تكن قوةً ماديةً فحسب، بل تجلّيًا لإرادةٍ عليا حين تتجسّد في شعبٍ آمن بقضيته، وربط بندقيته ببوصلة الأمة، ووجّه فعله حيث يجب أن يكون.

    رمى اليمن في باب المندب،فارتدّ الأثر إلى عمق المشروع المعادي،لأن المعركة واحدة، والعدو واحد، والطريق إلى القدس يُقاس بالوعي والثبات لا بالمسافة.

    ﴿وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رمى﴾

  • الاحتلال والتوسع الاستيطاني في الضفة

     

    بقلم : سري القدوة

     

     

    إعلان سلطات الاحتلال الإسرائيلي بناء 764 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، تعد بمثابة محاولات إسرائيلية لتقويض جميع الجهود الدولية الرامية إلى وقف العنف والتصعيد وتحقيق الاستقرار في المنطقة، وإن القرار الإسرائيلي مرفوض ومخالف للشرعية الدولية والقانون الدولي، خاصة قرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي أكد أن الاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة جميعه غير شرعي، وأن هذه القرارات الاستيطانية لن تعطي الشرعية والأمن لأحد .

     

    وفي الوقت نفسه تواصل حكومة الاحتلال اعتداءاتها المتصاعدة، التي تستهدف الوجود الفلسطيني في القدس، بما يشمل سياسات التهجير وهدم المنازل وفرض العقوبات الجماعية على المقدسيين، إضافة إلى الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى، وما تحمله من تهديدات خطيرة قد تنعكس على استقرار المنطقة برمتها .

     

    تهدف السياسات الإسرائيلية بوضوح إلى خلق حقائق على الأرض تجعل من المستحيل تطبيق حل الدولتين على أساس حدود عام 1967 وان مشاريع البنية التحتية الاستيطانية هي جزء لا يتجزأ من هذه الإستراتيجية، ويشكل النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، انتهاكاً صارخاً ومستمراً للقانون الدولي، وان التسارع في وتيرة هذا النشاط غير القانوني، حيث شهد هذا الشهر وحده إقرار ودراسة خطط لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، بالإضافة إلى إجراءات تهدف إلى ترسيخ الأمر الواقع الاستيطاني وتوسيع نطاقه ويرتبط التوسع الاستيطاني بشكل عضوي بانتهاكات أخرى للقانون الدولي، مثل هدم المنازل الفلسطينية، والتهجير القسري للسكان، وتقييد حرية الحركة، وعنف المستوطنين، وهي انتهاكات وثقها التقرير أيضاً في سياقات أخرى .

     

    كثافة وحجم الموافقات على بناء الوحدات الاستيطانية الجديدة والسياسات المتبعة لتسريعها، لا تدل فقط على استمرار جريمة الحرب المتمثلة في نقل السكان، بل على مفاقمتها وتعميقها بشكل ممنهج، ويؤدي التوسع الاستيطاني إلى مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية وتفتيت التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية، وعزل التجمعات السكانية الفلسطينية، والسيطرة على الموارد الطبيعية، وكل ذلك يقوض بشكل مباشر حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه وإقامة دولته المستقلة والقابلة للحياة .

     

    يجب التحرك العاجل على الصعيد العربي والإسلامي والدولي لمواجهة إعلان سلطات الاحتلال البدء بإقامة 17 مستعمرة جديدة في الضفة الغربية خلال السنوات الخمس المقبلة وأن مثل هذه السياسات العدوانية لن توفر الأمن لأي طرف على المدى القريب أو البعيد، وأن جميع الخطوات الأحادية إنما تدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، وتتحمل حكومة الاحتلال مسؤولية التداعيات الخطيرة لهذه السياسة التدميرية الهادفة إلى إشعال المنطقة، وجرها إلى مربع العنف والحروب، وتقويض أي جهد ساعٍ إلى إخراج المنطقة من دوامة العنف، وعلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على سلطات الاحتلال للتراجع عن سياسات الاستيطان، ومحاولات الضم والتوسع وسرقة الأرض الفلسطينية، وإجبارها على الخضوع لقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، وذلك لإنجاح جهود الرئيس ترمب ومساعيه إلى وقف الحرب وتحقيق الاستقرار في المنطقة .

     

    بينما يقع على عاتق المجتمع الدولي، وبخاصة الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، مسؤولية قانونية وأخلاقية للتحرك بشكل فوري وحاسم لوقف هذه الانتهاكات، ويجب ألا يقتصر الأمر على الإدانات الشكلية، بل يتطلب إجراءات عملية تشمل مساءلة المسؤولين الإسرائيليين عن هذه الجرائم، وتفعيل آليات لضمان عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن الاستيطان، واتخاذ خطوات لضمان حماية الشعب الفلسطيني وحقوقه غير القابلة للتصرف .

     

     

     

    سفير الإعلام العربي في فلسطين

    رئيس تحرير جريدة الصباح الفلسطينية

     

  • إستراتيجية ترامب للأمن القومي

     

    كتب رياض الفرطوسي

    لم تكن وثيقة الأمن القومي الأمريكية الجديدة مجرد تحديث تقني لسياسة عظمى تتنفس منذ عقود بإيقاع ثابت، بل بدت وكأنها انقلاب ناعم… أو خشن، لا فرق، على كل ما اعتادته واشنطن من مناهج وتحالفات ومفاهيم. وثيقة تُشبه صاحبها، وتتمرد مثله، وتبالغ في الصراحة حدّ أن تبدو أحياناً كأنها تعترف أكثر مما تُعلن.

     

    منذ الصفحة الأولى، يتضح أن المنافسة بين القوى الكبرى—العمود الفقري لكل وثائق الأمن القومي السابقة—خرجت من مركز الصورة. كأن واشنطن تتجاهل عمداً ما بنته طوال عقدين، وتقرر أن العالم ليس ساحة صراع بين أقطاب، بل غابة مفتوحة يريد ترامب أن يمشي فيها بلا خريطة ولا نوايا مُعلنة. هذه ليست فقط إعادة تعريف للتهديد، بل إعادة تعريف لدور أمريكا نفسها.

     

    وفي هذا العالم الجديد، تُقدَّم روسيا بصورة غريبة: ليست خصماً شرساً، بل كياناً ضعيفاً لا يستحق أن يكون محور الاستراتيجية. هنا يطلّ ظلّ “عقيدة مونرو” المعدّلة؛ وهي السياسة التي أعلنها الرئيس جيمس مونرو عام 1823 لمنع القوى الأوروبية من التدخل في شؤون الأمريكتين، وتؤكد حق الولايات المتحدة في التأثير الحصري في القارة الأمريكية. نسخة ترامب الخاصة من العقيدة ترى العالم من عدسة القارة الأمريكية أولًا، ومن عدسة المصالح المباشرة قبل أي حسابات جيوسياسية عميقة. إنها عودة إلى الداخل، ولكنها عودة بنبرة لا تُشبه الانعزالية الكلاسيكية، بل أقرب إلى إعلان أن أمريكا لا تريد أن تُطارد الأشباح، بل تريد أن تفرض إيقاعها في من تعتبرهم ساحتها الطبيعية.

     

    الانقسام عبر الأطلسي كان حضوراً صارخاً. فبينما حاولت الإدارات السابقة ترميم الجسور مع أوروبا، تكاد الوثيقة الجديدة تهدم تلك الجسور بابتسامة باردة. الرسالة واضحة: أوروبا ليست أولوية، وليست شريكاً كامل الثقة، وعليها أن تستعد لأيام صعبة. أمريكا تريد من الحلفاء أن يكونوا أكثر انضباطاً، وأكثر قدرة على حمل أعبائهم، وأقل اعتمادًا على المظلة الأمريكية. وكأن الوثيقة تهمس للأوروبيين: “لن نحملكم بعد الآن… استعدوا للسير وحدكم”.

     

    وفي قلب الوثيقة، نجد الانضباط الاقتصادي يُرفع إلى مرتبة “أساس القوة الوطنية”. ليست القوة العسكرية، ولا التحالفات، ولا التفوق التكنولوجي؛ بل الاقتصاد… قدرة أمريكا على التحكم في عجزها، في صناعاتها، في عملتها، في سلاسل التوريد التي تريد إعادتها إلى الداخل. إن “أمريكا أولًا” هنا ليست شعاراً سياسياً، بل وصفة اقتصادية تتعامل مع العالم كصفقة لا بد أن تربحها واشنطن على حساب الآخرين.

     

    ورغم كل هذا الخطاب الحاد، تمنح الوثيقة مساحة هادئة للصين: منافس نعم، خصم لا. علاقة ملتبسة، كأن واشنطن تريد “إدارة الصراع” لا خوضه. وفي آسيا، تستمر السياسة الأمريكية كأن شيئًا لم يتغير: أحلاف، قواعد، ردع… لكن ما تغيّر هو أمريكا نفسها. الحلفاء يرون السلوك مألوفًا، لكن اليد التي تمسك بالدفة غير مألوفة، متحولة، غير قابلة للتنبؤ.

     

    ومع هذا الانحراف عن التقليد، يظهر إهمال النظام الدولي كواحد من الأخطار التي تهدد “أمريكا أولًا” نفسها. فترمب يريد من العالم أن يعمل وفق منطق القوة والمصلحة، لكنه يتجاهل أن فراغ القواعد سيمنح لاعبين آخرين قدرة أكبر على الحركة—الصين، روسيا، وحتى أوروبا التي قد تضطر إلى بناء أذرع مستقلة. وكأن الوثيقة تقول دون أن تنتبه: “نريد عالماً بلا قواعد… لكن بشرط أن تظل قواعدنا نافذة”.

     

    وفي ثنايا النص، تلمع فكرة تبدو لأول وهلة بسيطة لكنها خطيرة:

    هل يمكن للأمريكيين أن يحصلوا على المزيد من خلال فعل أقل؟

    إنها فلسفة صريحة في الوثيقة—تقليص التزامات، تقليل كلفة الأدوار العالمية، السعي وراء نتائج أكبر بجهد أدنى. لكن تجربة التاريخ تقول إن هذا النوع من الأحلام غالباً ما يتحول إلى أوهام.

     

    أما إفريقيا، فهي تحضر في الوثيقة كأرض جديدة للمنافسة مع الصين، لكن بحفاوة غير معتادة. كأن واشنطن تريد أن تسرق من بكين مناطق نفوذها من دون أن تدفع الفاتورة الكبيرة التي دفعتها الأخيرة. إنه اصطياد سياسي بمهارة الصياد الذي يريد أن يغنم من دون أن يبتل بالماء.

     

    وفي محور الشبكات والاتصالات، تحذر الوثيقة من هشاشة البنية الرقمية الأمريكية، وتُعلن أن المرونة الوطنية تبدأ من حماية المعلومات، من حرب السيبرانيات، من كابلات الألياف الضوئية التي صارت أخطر من حاملات الطائرات. إنه اعتراف أن القوة الحديثة تُبنى في غرف الخوادم لا في ساحات القتال.

     

    لكن خلف كل هذه العناوين، يمكن للقارئ أن يلمس التنافر الذي يشقّ الوثيقة من أطرافها. لغة مشدودة، غير متماسكة، تجمع بين الوعد بالاستقلالية والرغبة في السيطرة، بين الانسحاب من الالتزامات والدخول في تدخلات جديدة، بين رفض فكرة “الهيمنة الأمريكية” والتمسك بامتيازاتها كاملة.إنها حالة من التناقض الصارخ يصعب التغاضي عنها ولا يمكن تجاهلها، لكنها تعكس بدقة العقلية التي تدير واشنطن الآن: عقلية تريد كل شيء ولا تريد أن تدفع ثمن أي شيء.

     

    وفي النهاية، تخرج الوثيقة بخلاصة تقولها دون أن تنطق:

    أسطورة ضبط النفس ماتت.

    أمريكا لا تريد أن تضبط نفسها، ولا تريد للعالم أن يضبطها.

    تريد حرية الحركة، وحرية القرار، وحرية إعادة تعريف كل ما ظن العالم أنه ثابت.

     

    وبين سطور هذه الرغبة العارمة، يطلّ سؤال ضخم:

    هل يستطيع رئيس واحد أن يغيّر مسار دولة بوزن الولايات المتحدة؟

    أم أن الوثيقة الحادة ستُعاد صياغتها على أيدي البيروقراطية كما أعادت واشنطن صياغة كل الانقلابات قبلها؟

     

    هذه ليست مجرد استراتيجية للأمن القومي…

    إنها صفحة أولى من كتاب يكتب مستقبلًا غامضاً، لعالم يتشكل بقوة رجل، وبمزاج لا يمكن التنبؤ به، وبأصابع تضغط على مستقبل أميركا والعالم معاً.

  • الملف اليمني إلى الواجهة مجدداً…!


    فجأة حضر أمين عام الأمم المتحدة انطونيو غوتيريش إلى الرياض عاصمة المملكة، والتقى محمد بن سلمان الرجل الأول بعد والده، وكانت الأزمة اليمنية على رأس جدول أعماله في المنطقة الحبلى بالأزمات من اليمن مروراً بالسودان وفلسطين وسوريا ولبنان…!
    واللافت، هو تحرك الأمم المتحدة على أزمة مضى عليها عشر سنوات منذ سنة ٢٠١٥ أو ما يُعرف بالتحالف الدولي بقيادة السعودية ووقف إطلاق النار الهش في سنة ٢٠٢٢ حتى أصبح اليمن يمنيات وتفكك التحالف الدولي وانسحب المشاركون، ولم يبقَ في الميدان إلا الأخوة الأعداء على أرض الجنوب وكل منهما له أهدافه والصراع بين المحمدين ولد سلمان وولد زايد. فالأول يدعم الحكومة (الشرعية) والثاني يتبنى (المجلس الانتقالي) عسكرياً ومادياً الذي سيطر على محافظتي حضرموت والمهرة ويدعم إقامة دولة جنوبية مستقلة والعودة باليمن إلى سنة ١٩٩٠ بينما ولد سلمان يريد دولة يمنية موحدة تخضع لنفوذه…!
    يبدو أن التقارب الإيراني- السعودي بواسطة صينية قد حرّك الملف اليمني ودفع به إلى الواجهة، خاصة أن طهران تدعم الجيش اليمني وأنصا.ر الله والقوات الشعبية مما شجع الرياض إلى إرسال وفد سعودي برئاسة اللواء قحطاني الذي التقى الزعماء والعشائر للحد من الصراع والدعوة إلى الوحدة خشية سيطرة الإمارات من خلال المجلس الانتقالي وانقسام الجنوب على ذاته إلى فرق عدة منها:
    ١- المجلس الانتقالي (إماراتي)
    ٢- الحكومة المؤقتة والرئيس المعيّن (سعودي)
    ٣- قبائل واحزاب أقرب إلى الشمال ومع الوحدة
    ٤- حزب الإصلاح(إخوان مسلمين)
    ينهض مما تقدم، أن الأزمة اليمنية ناتجة من موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وبحر العرب والخاصرة التي تمتد آلاف الكليومترات من السعودية والتي تعتبرها الحديقة الخلفية، أضف إلى ذلك أن محافظة حضرموت هي الأكبر والأغنى بحقول النفط وأصبحت هدفاً استراتيجياً للإمارات، وفرّقت بين الحليفين المحمدين اللذين يخشيان وحدة اليمن واستقلالها، حيث أثبتت في العدوان على غزة قدرات غير مسبوقة، إذ أقفلت البحر الأحمر وبحر العرب وعطلت الملاحة البحرية وسيطرت على باب المندب، وهذا ما أقلقهما ودفع بأمين العام للأمم المتحدة إلى تسليط الضوء لعله في ذلك يحقق إنجازاً سياسياً قبل انتهاء ولايته…!
    وعليه تثار تساؤلات عدة منها:
    ١- لماذا تحرك غوتيريش إلى المنطقة وخاصة الرياض؟
    ٢- لماذا ذهب اللواء القحطاني على رأس وفد سعودي إلى حضرموت؟
    ٣- هل التنافس على الجنوب هو بين المحمدين؟
    ٤- أي مستقبل ينتظر اليمن الوحدة أم الفيدرالية أم الانفصال بين الشمال والجنوب؟
    د. نزيه منصور

  • ترامب وفنزويلا قراءة في خلفيات التصعيد وأبعاده الإقليمية

    كتب إسماعيل النجار

    ،ترامب وفنزويلا قراءة في خلفيات التصعيد وأبعاده الإقليمية، فهل يُمَهِّد ترامب لمفاجأة في الشرق الأوسط؟بينما تنشغل واشنطن بملفات دولية متشابكة، في صراعها المفتوح مع الصين وروسيا إلى توتراتها المزمنة مع إيران،

    عاد اسم فنزويلا فجأة إلى الواجهة، ليتصدّر المشهد السياسي الأميركي والدولي من جديد مع تصعيد غير مسبوق في الخطاب، يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب.هذا التصعيد، الذي بدا للوهلة الأولى مجرد ضغط كلاسيكي على حكومة نيكولاس مادورو، يكشف عند تفحّصه عن طبقاتٍ أعمق من المصالح والتقاطعات، ويطرح أسئلة تتجاوز الجغرافيا اللاتينية لتلامس الشرق الأوسط مباشرة..فما الذي يريده ترامب فعلاً؟ ولماذا الآن؟ وهل للنفط والغاز دور في هذه المعادلة؟ ثم ماذا عن إيران و«محور المقاومة»؟ وهل نحن أمام إعادة رسم للخريطة الاستراتيجية قبل انفجار محتمل؟.يظهر من مسار المواقف الأميركية أنّ إدارة ترامب تشبه كل الإدارات الأميركية السابقة ولكن بحدة أكبر وتسلُط لا سابقَ له حيث تسعى إلى إضعاف قبضة مادورو في الحكم وإعادة إنتاج سياسة «الضغط المركّب» التي تقوم على العقوبات، والعزل السياسي، والسعي لتقويض الشرعية الدولية للحكومة الفنزويلية..ثم إعادة النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية بعد تمدد محاور مضادة تمثلها الصين وروسيا وإيران في السنوات الأخيرة الى الحديقه الخلفية الأميركية.وتسعى واشنطن إلى بناء ورقة ضغط إضافية لاستخدامها في ملفات أخرى، إذ شاع في استراتيجيات واشنطن توظيف ساحات بعيدة للتأثير على خصوم أقرب. وبهذا المعنى، ليست فنزويلا هدفاً بذاتها فقط، بل جزء من خريطة الردع الأميركية في مواجهة خصومها المتشددين في الشرق الأوسط. لذلك يصعب فصل توقيت التصعيد عن أربعة عوامل أساسية؛منها المتغيرات الداخلية الفنزويليةكَون البلاد تمرّ بدورات سياسية ساخنة، من الانتخابات إلى الاضطرابات الاقتصادية والتهريب والحدود المفتوحة مع كولومبيا.هذه الملفات تمنح واشنطن فرصة لرفع مستوى الضغط بحجة «إعادة الديمقراطية»..حجة تمدد النفوذ الإيراني الروسي،لأن كاراكاس اليوم ليست لاعباً محلياً فقط. بل أصبحت حليف استراتيجي لإيران، وشريك اقتصادي وأمني لروسيا، وممر مهم للصين في سوق الطاقة والمعادن. وهذا التموضع يجعل أي تراجع في فنزويلا مكسباً مباشراً لواشنطن. من هنا تأتي حاجة ترامب لإظهار الحزم في السياسة الخارجيةفي لحظات سياسية أميركية دقيقة سواء كانت انتخابية أو مرتبطة بملفات داخلية حساسة، يميل البيت الأبيض إلى «رفع الصوت» خارجياً لتعزيز صورة القيادة القوية..أيضاً ترابط ساحات الضغط الأميركية، من آسيا إلى أميركا اللاتينية وصولاً إلى الشرق الأوسط، تحبذ واشنطن العمل على عدة جبهات بالتوازي، لخلق بيئة إنهاك استراتيجية لخصومها. إذن… فنزويلا ليست ملفاً منفصلاً، بل حلقة ضمن سلسلة ضغط متزامنة. لأن طمع واشنطن بالنفط والغاز الفنزويلي هو الكامن وراء التصعيد؟.أيضاً نستطيع القول أنه من الخطأ افتراض أن النفط هو السبب الوحيد للتصعيد لكنه بالتأكيد أحد أهم الأسباب الأميركية. لأن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم.لذلك هي تسعى إلى السيطرة على إيقاع إنتاجها وتصديرها يعني التأثير على توازنات السوق العالمية.وخصوصاً أن شركات أميركية كبرى تملك تاريخاً عميقاً في الاستثمار هناك.وأن أي تغيير سياسي في كاراكاس يفتح الباب أمام عقود بمليارات الدولارات..ومع أن العقوبات الأميركية أضعفت قدرة فنزويلا على الاستفادة القصوى من ثروتها النفطية، فإن قدرة حكومة مادورو على الالتفاف عبر قنوات صينية وإيرانية وروسية أبقت سوق النفط الفنزويلي حياً، ولو بسرعات مختلفة. وهذا بحد ذاته يزعج واشنطن..فهل تحاول واشنطن تشتيت الأنظار عن تحضيرات ضد إيران؟هذا السؤال مطروح بقوة في مراكز التحليل الدولية، وليس بلا أساس.لأن التصعيد المتزامن في أكثر من ساحة يتوافق مع أسلوب واشنطن في خلق «ضباب تكتيكي» يحجب خطوط التحرك الأساسية. ووجود علاقات وثيقة بين طهران وكاراكاس يبرر لواشنطن اتخاذ إجراءات ضد فنزويلا كجزء من استراتيجية ردع إيران.التحركات العسكرية والدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية تعزز فرضية استعدادات غير معلنة..لكن، ورغم هذا الترابط، لا يوجد دليل مباشر يشير إلى أن فنزويلا مجرد «ستار» لتحرك كبير تجاه إيران.ولكن السيناريو ممكن، ولكنه ليس مثبتاً.هناك سؤال يطرح نفسه بقوة هل تصبح كراكاس مجرّد مقدمة لصدام أكبر في منطقة الشرق الأوسط؟{حسب الصيغة الشعبية للسؤال }«هل يكون العرس في فنزويلا والطبل والزمر في طهران؟»عملياً، قد تستخدم واشنطن ساحة أميركا اللاتينية كجزء من تضييق الخناق الاقتصادي الاستخباراتي على إيران. لكن تنفيذ ضربة أو عملية كبيرة في الشرق الأوسط يحتاج معطيات مختلفة تماماً عن تلك التي تخص فنزويلا. لذلك ربما تكون كاراكاس جزءاً من المشهد لإشاحة الأنظار عما يتم تحضيره لطهران لكنها ليست منصة عملياتية مباشرة..ويبقى السؤال إذا اندلعت حرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة هل سيشارك «محور المقاومة» بكُلِّهِ وكَليلِهِ أم سيقف كل فريق منفرداً في موقف المتفرج؟المؤشرات الحالية تقول إن المشاركة ليست تلقائية، بل مشروطة بعوامل متعددة، منها إمتلاك القدرة اللوجستية، بعض أطراف «المحور» تلقّت ضربات قاسية خلال العامين الماضيين، أدت إلى فقدان قيادات مفصلية وبنى قتالية. وفي الحسابات الداخلية، فإن كل فصيل مرتبط بإيران يواجه واقعاً داخلياً خاصاً (سياسياً أو شعبياً أو أمنياً) يجعله حذراً من الانخراط بحرب واسعة إلا إذا اتفق الجميع أن تكون الحرب الأخيرة.استراتيجية طهران نفسها تأتي حسب ما تفضله بالرد التدريجي والمحسوب، لا المواجهة الشاملة. ثم تترك مجالاً لردود «متدرجة» من حلفائها صاروخ هنا، هجوم محدود هناك وليس انخراطاً شاملاً..أما الخشية من حرب إقليمية كبرى سببها؛ أن الجبهات في لبنان، والعراق، ، أصبحت ذات خصوصية .وأي خطوة غير مدروسة قد تتحول إلى انفجار شامل يصعب احتواؤه.الترجيح الأكثر واقعية؛ إذا اندلعت الحرب، سيشارك «المحور» بأسلوب متفاوت، لكن ليس باندفاعة موحدة أو غير محسوبة..سؤال آخر يقول هل اقترب أجل السلام؟ الجواب المختصر لا.والجواب الأعمق أن هناك مساعٍ لاحتواء الانفجارات وليس لحلّ الصراعات.الشرق الأوسط اليوم يعيش مرحلة «توازنات خوف» لا «توازنات سلام».تراجع شهية القوى الكبرى للحروب المفتوحة قد يمنع اندلاع حرب شاملة، لكنه لن يخلق سلاماً مستقراً.في الخلاصه فنزويلا ليست بعيدة عن الخليج والملفات تتصل بعضها ببعض.إن قراءة التصعيد الأميركي تجاه فنزويلا بمعزل عن المشهد الدولي الأشمل تجعل الصورة ناقصة.{الطاقة}، التحالفات المتقاطعة، النفوذ الروسي《الصيني، التمدد الإيراني إلى الحديقه الأميركية، حسابات ترامب الداخلية، والهواجس الإسرائيلية في الشرق الأوسط. كلها خيوط تصنع شبكة واحدة.في عالم تتقاطع فيه الساحات، قد يبدأ الشرر السياسي من كاراكاس، لكن دخان المرحلة صدقوني يصعد دائماً فوق سماء الشرق الأوسط.لذلك المنطقه إما أمام تسوية كبرى وإما أمام حرب كبرى.

  • الجنوب الصامد

     

     

    الجنوب ليس مجرّد رقعة جغرافية على خارطة الوطن بل هو قلب نابض بالصمود وتاريخ ممتد بالوفاء ودرعٌ وقف في وجه كل المعتدين عبر الزمن الجنوب هو جزء لا يتجزأ من وطننا الكبير وجزء من هويتنا التي لا يمكن لأي قوة أن تنتزعها أو تشكّك فيها

     

    إن ما يتعرض له الجنوب من اعتداءات متكررة لا يمسّ أرضه فحسب بل يمسّ كرامة كل مواطن يؤمن بأن الوطن وحدة واحدة لا تتجزأ ومن يغضّ الطرف عن هذه الاعتداءات أو يقلل من شأنها فهو يبتعد كثيرًا عن جوهر الوطنية لأنها لا تُقاس بالشعارات بل بالمواقف الصادقة والوقوف مع كل شبرٍ من أرض الوطن

     

    لقد كنّا، وما زلنا وسنبقى بإذن الله سدًّا منيعًا يدافع عن الجنوب وأهله وعن كل بقعة تنتمي لهذا الوطن العظيم. ندافع بالثبات بالوحدة بالإيمان بأن وطننا يستحق منّا أن نحميه وأن نقف مع بعضنا بعضًا مهما تنوعت اختلافاتنا أو تعددت مشاربنا

     

    فالجنوب ليس قضية فئة ولا منطقة بل قضية وطن وقضية كرامة وقضية انتماء

    وما دام في هذا الوطن رجال ونساء يحملون في قلوبهم حب الأرض فلن ينجح أي معتدٍ في أن يزعزع أمنه أو يمسّ لحمته

     

    سيبقى الجنوب صامدًا

    وسيبقى الوطن واحدً

    وسنبقى نحن جميعًا السور الذي لا يُخترق

     

    الشيخ سليمان الاسعد وادي خالد عكار

زر الذهاب إلى الأعلى