• المجتبى… الذي تسلّم رايةً مخضّبةً بالدماء

     

    بقلم : أمين السكافي.

    لم تكن اللحظة التي تسلّم فيها المجتبى زمام القيادة لحظةً عابرة في سجل التاريخ، بل كانت فاصلةً بين زمنين: زمن الترقب والاحتمال، وزمن الفعل والانفجار. جاء في وقتٍ اشتدّت فيه العواصف، وتكاثرت فيه التحديات، وتقاطعت فيه السهام على صدر الأمة، فكان حضوره أشبه بجوابٍ قدري على سؤالٍ طال انتظاره.

     

    وُلد المجتبى في بيتٍ لم يكن عادياً، بل كان بيتاً تُصاغ فيه الأفكار كما تُصاغ المصائر. في كنف الإمام الذي حمل همّ الأمة عقوداً، تشكّلت ملامح وعيه، وتكوّنت رؤيته للعالم. هناك، لم يكن التعلم نظرياً، بل كان معايشةً يوميةً لثقل المسؤولية، واحتكاكاً مباشراً بقضايا كبرى على رأسها فلسطين، تلك القضية التي لم تكن يوماً بنداً سياسياً، بل عقيدةً راسخة في وجدان الثورة.

     

    أما روح الله الخميني، فقد كان الحاضر الغائب في تكوينه، المثال الأعلى الذي جسّد فكرة التمرّد على الظلم، والوقوف في وجه الطغيان مهما بلغت كلفته. من ذلك المعين، نهل المجتبى روح الثورة، وتعلّم أن العدالة ليست شعاراً، بل مشروعاً يحتاج إلى إرادةٍ لا تلين. تشرب من الخميني صلابته، ومن والده حكمته، فاجتمع فيه وهج البدايات وهدوء الاستمرارية.

     

    لم يكن انخراطه في الحرس الثوري مجرد خيارٍ عسكري، بل كان إعلان انتماءٍ إلى خطٍ كامل. هناك، في ميادين القتال خلال الحرب مع العراق، تعرّف إلى الوجه الحقيقي للصراع، واختبر معنى التضحية، وبنى شبكة علاقاتٍ لم تكن عابرة، بل رفاق دربٍ حملوا معه لاحقاً مشروعاً كاملاً. تلك التجربة صقلته، وجعلت منه رجلاً يعرف الحرب لا من خرائطها، بل من دخانها ودمائها.

     

    وحين تسلّم القيادة، لم يكن غريباً أن يبدو الرقم الأصعب في معادلةٍ معقّدة. فقد حمل في داخله ثورية الخميني التي لا تعرف المساومة، وهدوء والده الذي يجيد إدارة التوازنات. جمع بين الحسم حين يجب الحسم، والصبر حين يكون الصبر سلاحاً. لم يندفع، ولم يتراجع، بل سار بخطى محسوبة نحو إعادة تشكيل المشهد.

     

    في إدارته للصراع، بدا وكأنه يقود أوركسترا متعددة الجبهات، حيث تتناغم الساحات رغم تباعدها. من فلسطين إلى لبنان، ومن اليمن إلى العراق، كان هناك خيطٌ ناظم يربط الإيقاع، حتى ليخيّل للمتابع أن القرار يصدر من عقلٍ واحد. لم يكن ذلك محض صدفة، بل نتيجة رؤيةٍ تعتبر أن المعركة واحدة وإن تعددت ميادينها.

     

    أما الولايات المتحدة والكيان الغاصب، فقد شكّلا في عهده محور المواجهة الأوضح. لم يكن غضبه انفعالاً، بل موقفاً مبنياً على تراكماتٍ من الدم، وخصوصاً دماء غزة التي تحوّلت إلى وقودٍ لمرحلةٍ جديدة. في تلك اللحظات، بدا المجتبى كمن يحمل ثأر أمة، لا كقائد دولةٍ فحسب، فارتفعت وتيرة المواجهة، واتسعت رقعتها، ضمن حساباتٍ دقيقة تجمع بين الردع والتصعيد.

     

    تميّز المجتبى أيضاً بصفاتٍ ورثها وتبنّاها؛ فكان زاهداً في شخصه، صارماً في قراره، عميقاً في قراءته، قليل الكلام كثير الفعل. لا تغريه الأضواء، ولا يستعجل النتائج، بل يعمل بصمتٍ طويل النفس، كما يفعل من يعرف أن المعارك الكبرى لا تُحسم في يومٍ أو عام. فيه من الخميني شجاعته في كسر القيود، ومن والده بصيرته في إدارة الزمن.

     

    هكذا، لم يكن صعوده مجرد انتقالٍ في السلطة، بل استمراراً لنهجٍ متكامل، وتحوّلاً في أسلوب المواجهة. وبين رايةٍ خُضّبت بدماء الشهداء، ويدٍ تمسك بها بثبات، يمضي المجتبى في كتابة فصلٍ جديد، عنوانه أن الثورة ليست حدثاً من الماضي، بل مسارٌ مفتوح على كل الاحتمالات

  • لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد

     

    بقلم : أمين السكافي

    في اللحظات التي يضيق فيها الأفق حتى يكاد يطبق على الصدر، ويبلغ فيها الألم حدَّه الذي لا يُحتمل، يقف الإنسان عارياً من كل أسباب القوة، إلا من يقينه. هناك، في تلك الحافة الفاصلة بين الرجاء والانكسار، انطلقت صرخة نبيٍّ كريم، لم تكن مجرد كلمات، بل كانت مرآةً لوجعٍ إنسانيٍّ خالد: «لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد».

     

    إنها حكاية نبي الله لوط عليه السلام، حين وجد نفسه محاصراً بقومٍ استقالوا من فطرتهم، وتمرّدوا على كل معنى للإنسانية. لم يكن ضعفه ضعف عقيدة، بل كان ضعف الجسد حين يُثقل بحمل الرسالة، وضعف الفرد حين يتكالب عليه جمعٌ فقد بوصلته. كان وحده، نعم، لكنه لم يكن خاوياً؛ كان ممتلئاً بالإيمان، مشبعاً بالحق، غير أن الحق في لحظةٍ ما قد يبدو غريباً، وحيداً، مستضعفاً.

     

    أحاط به قومه كإعصارٍ أعمى، لا يسمع نداءً، ولا يستجيب لرجاء. أرادوا أن ينتهكوا حرمة ضيوفه، وهم في حقيقتهم ملائكة الرحمن، فجعل لوط عليه السلام من جسده سداً، ومن صوته حصناً، يناشدهم، يذكّرهم، يستبقي فيهم بقية إنسان، لكنهم أبوا إلا أن يغرقوا أكثر في ظلامهم. وهنا، عند الذروة، حيث تنكسر كل الوسائل الأرضية، وتتهاوى أسباب الدفع، خرجت صرخته: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد.

     

    لم تكن صرخة يأس، بل صرخة إنسانٍ أدرك حدود قدرته، فاشتاق إلى سندٍ يردع الطغيان. ولذلك جاء قول النبي محمد ﷺ ليكشف البعد الأعمق: «يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد»، أي إلى الله. كأن الحقيقة الكبرى التي تُخفى خلف الألم، أن الركن الذي يُطلب في الأرض، قائمٌ في السماء، لا يغيب، وإن غاب عن الأبصار.

     

    غير أن القصة، في امتدادها الإنساني، لا تتوقف عند حدود الغيب، بل تنفتح على واقعٍ يتكرر. كأن لوطاً عليه السلام لم يزل واقفاً، ولكن هذه المرة في أرض فلسطين؛ في عيون طفلٍ يبحث عن أمان، في يد أمٍّ تحاول أن تحجب الموت عن صغارها، في شيخٍ يواجه الدمار بثباتٍ يشبه المعجزات. هناك أيضاً، يُحاصر الحق، ويُستضعف أهله، وتُرفع الصرخة ذاتها، وإن اختلفت الألسن: لو أن لنا بكم قوة… لو أن لنا ركناً شديداً.

     

    إنها صرخة لا تحمل استسلاماً، بل تحمل استنفاراً أخلاقياً، نداءً يتجاوز الحدود والجغرافيا، موجهاً إلى أمةٍ كان يُفترض أن تكون درعاً، وإلى عالمٍ يدّعي العدالة. لكن، وكما في قصة لوط، لا يكون الغياب مطلقاً. فثمة من سمع النداء، لا بأذنه، بل بضميره، فلبّى. ثمة من قال، بفعله لا بشعاره: نحن الركن الشديد.

     

    هناك من تحمّل الكلفة، وقَبِل أن يدفع الثمن، واختار أن يكون في صفّ الحق لا في هامش المتفرجين. أولئك الذين أدركوا أن النصرة ليست موقفاً عابراً، بل قدرٌ يُصنع، وأن الوقوف مع المظلوم ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة أخلاقية تُعيد للإنسان معناه.

     

    وهكذا، تمتدّ القصة بين زمنين، لكنها في حقيقتها زمنٌ واحد: صراعٌ لا ينتهي بين نورٍ يُقاوم، وظلامٍ يتمدّد. وبين صرخة لوط التي استدعت نصراً من السماء، وصرخة فلسطين التي تستنطق ضمير الأرض، يبقى الركن الشديد حاضراً… لمن أراد أن يكونه، أو لمن آمن أنه موجود.

     

    وفي ختام الحكاية، لا يبقى إلا السؤال الذي يطارد التاريخ: كم من صرخةٍ يجب أن تُسمع، قبل أن يدرك العالم أن المظلوم حين يقول «لو أن لي بكم قوة»، إنما يختبر إنسانية من حوله، لا ضعفه ؟

  • وقفة في هولندا رفضاً للعدوان على ايران واغتيال الإمام الخامنئي 

     

     

    نُظّمت وقفة جماهيرية في امستردام في هولندا، للتنديد بالعدوان المتواصل على إيران ولبنان، وادانة لجريمة اغتيال قائد الأمة الشهید الامام الخامنئي واستهداف الشعب الايراني، وللمطالبة بمعاقبة العدو الصهيو-امريكي.

    واحتشد المشاركون رافعين اعلام ايران و الأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بوقف الحرب واحترام القانون الدولي وحماية المدنيين.

    ودعا المشاركون المجتمع الدولي والاتحاد الاوروبي لاتخاذ خطوات جادة لوقف انتهاكات امريكا واسرائيل بحق ايران وفلسطين ولبنان والكف عن الصمت تجاه جرائم امريكا و اسرائيل.

  • ايران بين دولة إقليمية وعظمى….!

     

    بتاريخ ١ شباط ١٩٧٩، عاد الإمام روح الله الخميني بعد سنوات من منفاه في العراق وفرنسا، وبعد انتصار الثورة جرى استفتاء في ٣٠ و٣١ من آذار من العام نفسه، وأعلنت على أثره الجمهورية الاسلامية في الأول من نيسان…!

    بتاريخ ٢٢ أيلول ١٩٨٠ شن النظام العراقي حرباً استمرت ثماني سنوات، وقد اعتبرت أطول حرب في القرن العشرين وتوقفت بموجب قرار مجلس الأمن رقم ٥٩٨ في ٢٠ آب ١٩٨٨..!

    على اثر لجوء الشاه إلى واشنطن احتج الطلاب واحتجزوا العاملين في السفارة الاميركية بسبب قيام الإدارة الأميركية في خمسينيات القرن العشرين بإعادة الشاه إلى السلطة إثر انقلاب مصدق…!

    عندها تدرجت العقوبات مع كل ولاية بدءاً بالرئيس كارتر مرورا بكلينتون وتخفضت مع اوباما بموجب الاتفاق النووي ٢٠١٥، الذي انسحب منه ترامب وتبعه بايدن وصولاً إلى ترامب مجدداً…!

    منذ انطلاق الثورة الايرانية والعلاقات الأميركية من سيء الى اسوأ بهدف اسقاط النظام حتى عدوان ١٢ يوماً في ٢٠٢٥ الذي أفشله الشعب الايراني وقواته المسلحة وقياداته مما دفع الإدارة الأميركية للجلوس على الطاولة مع استنفار اميركي غير مسبوق في الاقليم سياسياً وعسكرياً واعلامياً والتهديد والوعيد، وإيران يا جبل ما يهزك الريح، رغم قرقعة السلاح وأزيز الطائرات وهدير الاساطيل والمدمرات، وطهران متمسكة بحقوقها في التخصيب للأغراض السلمية وامتلاك قدرات عسكرية متقدمة من الصواريخ البالستية والفرط صوتية، وكل ما تحتاجه من تحصين الجمهورية وتعلن بالفم الملآن استعدادها للخيارين السلم أو الحرب وتفضّل الأول على الثاني لحفظ الأمن والسلم الدوليين…!

    ينهض مما تقدم، أن واشنطن وضعت نفسها في مأزق الاتفاق أو العدوان وأحلاهما مُر، ففي حال اختيار توقيع اتفاقية تخضع فيها للطروحات الإيرانية التي أعلنتها مع كل مناسبة أي أنها لا تريد اقتناء سلاح نووي وأنها مستمرة في التخصيب للأغراض السلمية ولن تتخلى عن الصواريخ البالستية…!

    وبالأمس ارتفع صوت ترامب أمام الكونغرس بأن ايران تملك صواريخ تهدد أمن أوروبا والولايات المتحدة، والذي يؤشر إلى قراءته الجيدة، فقد أصبحت إيران دولة عظمى يقتضي التفاهم معها ولا داعي لخوض حرب معها، والوجه الآخر يبرر شن الحرب عليها خشية تهديد الأمن العالمي، وأي من الوجهين بحد ذاته يحوّل طهران من لاعب إقليمي لما نسجته من علاقات وتحالفات إلى لاعب دولي يحسب لها حسابات عدة ويتحاشى الاصطدام معها، لما له من تداعيات على الأمن والاقتصاد والسياسة، وإلا الكارثة سيدفع الجميع ثمنها….!

    وعليه تثار تساؤلات عدة منها: 

    ٢- لماذا أثار ترامب امام الكونغرس الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى التي تطال أوروبا وأميركا؟

    ٢- هل تملك طهران فعلاً هذه القدرات؟ 

    ٣- هل انتقلت ايران من لاعب اقليمي إلى لاعب دولي؟

    ٤- بعد انتهاء الأزمة سياسياً ام عسكرياً هل تصبح إيران دولة عظمى؟

    د. نزيه منصور

    د. نزيه منصور

  • حروب «إسرائيل»: نهج وسلوك عدوانيّين لن يتوقفا!

     

     

     

    د. عدنان منصور*

     

     

     

     

     

     

     

    لم تتوقف دولة الاحتلال الإسرائيلي يوماً، عن شهيتها في التوسع وشنّ الحروب منذ أن فرضت كيانها بالقوة في فلسطين عام 1948. حرب تتبعها حرب، كانت آخرها وليست الأخيرة، حربها المدمرة على غزة ولبنان، وبعدها عدوانها العسكري على سورية ومن ثم على إيران.

     

    وزارة المالية الإسرائيلية قدّرت تكلفة الحرب على غزة، والعمليات العسكرية على لبنان وسورية، اعتباراً من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025، بـ 68 مليار دولار. في عام 2024 ارتفع الإنفاق العسكري لـ “إسرائيل”

     

    ليصل إلى 34 مليار دولار، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في العجز المالي.

     

    علماً أنّ الرقم لا يشمل الخسائر البشرية، وتداعيات الهجرة القسرية، والتأثيرات الاجتماعية والبيئية بعيدة الأمد على الوضع الداخلي.

     

    تشير التقارير الرسمية والدراسات المتخصصة ذات الصلة بالهجرة العكسية من “إسرائيل” إلى الخارج، إلى أنه في عام 2024 سجلت مغادرة 82800 إسرائيلي خارج الكيان مقابل 31100 مهاجر يهوديّ جديد الى “إسرائيل”. بين عامي 2020 و 2024، غادر “إسرائيل” 145 ألف شخص ولم يعودوا إليها. عام 2023 بلغت نسبة العودة من الذين غادروا 24 ألف شخص فقط. بذلك أصبح صافي الهجرة سالباً للمرة الأولى منذ عقدين، أيّ أنّ عدد المغادرين من “إسرائيل” يفوق عدد المهاجرين إليها، وهذا يأتي نتيجة لاستمرار سياسة الحروب التي انتهجتها دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ قيامها وحتى اليوم، ولا سيما حرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، التي غرست في نفوس الإسرائيليين شعوراً محبطاً في انعدام الثقة، وفقدان الأمن، والأمان، والاستقرار، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة والسكن، ما دفع بفئات واسعة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة والعليا للتوجه إلى أماكن في الخارج بحثاً عن ظروف أفضل في أوروبا (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا وهولندا) وفي أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا)، خاصة أنّ نسبة كبيرة من الإسرائيليين يحملون الجنسية المزدوجة، أو جوازات سفر أوروبية، مما يسهّل هجرتهم العكسية إلى تلك البلاد.

     

    الكثير من الإسرائيليين باتوا يشعرون اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، أنّ “إسرائيل”، لم تعد “دولة أرض الميعاد” والملاذ الآمن، التي يطمحون للعيش فيها، بعد أن تحكمت فيها السياسات المتطرفة، والخلافات والاحتجاجات الداخلية، وتصاعدت فيها حدّة النزعة اليمينية العنصرية، الدينية، والقومية المتطرفة التي لا تروق لشرائح علمانية يهودية ترى نفسها خارج بيئتها الليبرالية، وهي شرائح الشباب المتعلّمين، من أصحاب الكفاءات العالية في مجالات الطب، والمعرفة، والتكنولوجيا، والأبحاث، والعلوم، والهندسة، والذين تتراوح أعمارهم بين 25 و45 عاماً. هذا يعني على المدى المتوسط، أنّ عودة العائلات المغادرة غير واردة مستقبلاً، بعد تأسيسها حياة مستقرة في الخارج. مما يدلّ على أنّ هجرة العقول والكفاءات، تشكل تحدياً كبيراً، وخطراً استراتيجياً مباشراً على الاقتصاد، والتطوّر التكنولوجي لـ “إسرائيل”، ويغيّر بمعادلة التوازن الديموغرافي نتيجة انخفاض النمو السكاني اليهودي، مقارنة بالنمو السكاني للفلسطينيين داخل الخط الأخضر الذي بلغ فيه عدد الفلسطينيين نهاية 2025، 2 مليون و118 ألف فلسطيني. و5 ملايين و560 ألفاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، و362 ألفاً في القدس الشرقية.

     

    ووفقاً لدائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، بلغ عدد سكان “إسرائيل” نهاية عام 2025، 10 ملايين و94 ألف شخص، منهم 7 ملايين و94 ألف يهودي، فيما بلغ عدد الفلسطينيين المقيمين على أرض فلسطين التاريخية، عدا فلسطينيّي الخارج 8 ملايين و39 ألفاً، أيّ بزيادة حوالي 300 ألف عن عدد اليهود، وذلك رغم الهجرة اليهودية المتواصلة إلى فلسطين والزيادة الطبيعية في تعداد اليهود. وهذا ما سيؤثر مستقبلاً على الهوية الإسرائيلية، ويغيّر نظرة اليهود في الداخل والخارج لـ “إسرائيل” كمكان غير آمن وغير مستقرّ لهم، ما سيجعل “تسونامي” الهجرة اليهودية من “إسرائيل” تستمرّ وتتصاعد مستقبلاً كلما جنح كيان الاحتلال أكثر فأكثر إلى الحروب، ولم يغيّر من نهجه الاستيطاني وسلوكه العدواني.

     

    لن توفر الحروب لـ “إسرائيل” الاستمرارية والبقاء، ولن تنعم بالأمن والاستقرار مهما تمادت في احتلالها وحروبها، وفرضت مؤقتاً الأمر الواقع في مكان ما، وفي بلد ما في المنطقة عن طريق القوة، فإنّ هذا لن يغيّر شيئاً في جوهر الصراع الدائم مع دولة الاحتلال، وإنْ أوقفه لوقت متخاذلون، وعملاء، ومطبّعون ومأمورون!

     

    ألم يقل رئيس الكنيست الإسرائيلي الأسبق أبراهام بورغ في كتابه “هزيمة هتلر Vaincre Hitler” الصادر عام 2008: “إنّ دولة “إسرائيل” التي كان واجباً عليها توفير ملجأ آمن للشعب اليهودي، أصبحت بالنسبة له المكان الأكثر خطورة… ولنغمض أعيننا ولنحاول أن نسأل أنفسنا: أيّ مكان آمن للعيش؟! في القدس مدينة مقدسة ومتفجرة؟! في الخليل مدينة الثلاثة أسباط للأمة الممزقة بين مختلف المتحدّرين من إبراهيم؟! أم في نيويورك رغم هدم البرجين على يد الأصوليّة؟! يبدو أنّ كثيرين سيجزمون أنّ نيويورك هي أكثر أمناً على المدى البعيد من الدولة اليهودية، ولو أنها مدجّجة حتى النخاع بالقنابل الذرية”!.

     

    كيف يمكن لدولة الاحتلال الإسرائيلي أن تستمرّ وتنعم بالأمن والاستقرار، والتي يصف حالها أبراهام بورغ بصراحة كليّة من “انّ حضور الموت الذي لا يتوقف في حياتنا، المرتبط بحروب “إسرائيل”، لا يؤدي إلا إلى الإكثار من المجازر، والدمار، والإبادة التي يتلقاها شعبنا. لذلك إنّ الاموات في هذا البلد لا يرقدون أبداً في سلام، إنهم دائماً حاضرون، دائماً ملازمون لوجودنا التعيس.

     

    … لقد ربحنا كلّ الحروب، ومع ذلك نحتفظ بشعور عميق بالخسارة… إنّ الحرب لم تعد استثناء لنا، بل أصبحت قانوناً. طريقة عيشنا طريقة حرب مقابل الجميع، أعداء وأصدقاء على السواء، في الداخل كما في الخارج. أمام هذه الحقيقة المحزنة، نتيقن أنّ الإسرائيليين لا يفهمون إلا لغة القوة. هذه العقلية التي تعكس بداية العنجهية الإسرائيلية في وجه الهزائم العربية، أصبحت المبرّر لأفعال عديدة، ومفاهيم سياسية غير مقبول بها في عالم عادل.

     

    كلّ دولة بحاجة إلى قوة عسكرية معقولة، ولكن أيضاً لسياسات إنسانيّة تكمل هذه القوة… لقد كرّسنا عدم العدالة كنظام دون أن نفهم شيئاً سوى لغة القوة”!.

     

    لجوء “إسرائيل” وإدمانها في استخدام القوة وشنّ الحروب لن يتوقف طالما انّ القرار والموقف العربي الموحد غائب عن الساحة العربية.

     

    بين مقاوم للاحتلال ومطبّع معه، بين الدفاع عن الحق والتخاذل حياله، بين مَن يتمسّك بالسيادة والمفرّط بها، يجعل “إسرائيل” تستمرّ في عربدتها وعدوانيتها، وشن حروبها، وتستفرد بالدول العربية دولة بعد دولة.

     

    “إسرائيل” وإنْ وفرت دولة عربية ما، في الوقت الحاضر، فهذا لا يعني أنها ستنجو يوماً من مخالب ومشرحة دولة الاحتلال!

     

    متى يدرك زعماء العرب أنّ الرهان على التطبيع، والاعتماد على الدولة العظمى، والركون إلى نيات العدو “الطيبة” لن يجدي نفعاً، وأنّ ما ينتظرهم وينتظر بلدانهم على يد “إسرائيل” وحليفتها الكبرى، هو العمل بكلّ قوة على تقسيم بلدانهم، وتفكيك نسيج شعوبهم، وتقويض مؤسساتهم،

     

    وتدمير قوتهم، والتحكم بثرواتهم، وإنْ استغرق هذا وقتاً ليس بطويل؟!

     

    إذا كانت “إسرائيل” مستمرة في حروبها، وتهجيرها للسكان العرب، واحتلالها للأرض، غير عابئة بالعالم العربي وما فيه، وبالأمم المتحدة، وقوانينها الأممية، وبالمجتمع الدولي، فماذا عن موقف ودور، وردود الفعل لحماة الأوطان، والسيادة، في ديار العرب، “الحريصين” على كرامة شعوبهم، وعلى قرارهم الوطني “المستقل الحر”، وبشكل خاص في لبنان، لمواحهة العدوان والخطر الإسرائيلي الدائم؟!

     

    عالم عربي يخط بيده راضياً، وللأسف، سيرة خذلانه، وانهياره، وسقوطه الشديد…!

     

     

     

     

    *وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

  • تصعيد بلا حرب: كيف تحاول إسرائيل فرض واقع جديد في لبنان؟

    ليس ما تشهده الساحة اللبنانية مجرّد جولة تصعيد عابرة أو ردّ فعل إسرائيلي محدود على تطوّر أمني معيّن. ما يجري أبعد من ذلك بكثير. نحن أمام سياسة عدوانية واضحة، تقوم على توسيع نطاق القصف من الجنوب إلى العمق، وصولاً إلى البقاع، في محاولة لفرض وقائع أمنية بالقوة، ولكن من دون الذهاب إلى حرب شاملة.

     

     

     

    إسرائيل اليوم لا تريد حرباً مفتوحة مع لبنان، لكنها في الوقت نفسه لا تتردّد في استخدام القوة بوتيرة متصاعدة ومدروسة. هذا التناقض الظاهري هو في الواقع جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية: تحقيق أهداف الحرب من دون خوض الحرب نفسها.

     

     

     

    تعتمد إسرائيل ما يمكن تسميته بـ«العدوان المُدار»، أي ضربات محسوبة، توسّع جغرافي تدريجي، ورسائل نارية تتجاوز الميدان العسكري لتطال الداخل اللبناني سياسياً ونفسياً. الهدف ليس الحسم السريع، بل استنزاف الخصم حسب تقديراتهم ، وفرض معادلات جديدة يصبح التراجع عنها أكثر كلفة مع مرور الوقت.

     

     

     

    فاستهداف العمق والبقاع، ليس تفصيلاً تقنياً، بل رسالة واضحة مفادها أن لا مناطق آمنة، وأن الجغرافيا اللبنانية برمّتها باتت ضمن بنك الأهداف. هكذا تُعاد صياغة مفهوم الردع، لا عبر الاجتياح، بل عبر توسيع هامش النار.

     

     

     

    إلى جانب البعد العسكري، تراهن إسرائيل على الضغط السياسي والنفسي. فكل ضربة في العمق لا تستهدف فقط منطقة جغرافية ، بل تضرب أيضاً الاستقرار الداخلي، وتضع الدولة اللبنانية أمام عجز متكرر، وتعمّق الانقسام حول كلفة المواجهة وحدودها. إنها محاولة لتحويل العدوان الخارجي إلى أزمة داخلية، بحيث يصبح الضغط على لبنان من الداخل مكمّلاً للقصف من الخارج.

     

     

     

    لكن لماذا لا تذهب إسرائيل إلى حرب شاملة؟ الجواب بسيط ومعقّد في آن. الحرب المفتوحة مكلفة، وغير مضمونة النتائج، وقد تفتح جبهات إقليمية متعددة، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى الحفاظ على هامش مناورة سياسي ودولي. لذلك، يبدو خيار التصعيد المتدرّج أكثر ملاءمة: ضغط مستمر، مكاسب صغيرة متراكمة، وكلفة محدودة نسبياً.

     

     

     

    مع ذلك، يبقى هذا المسار محفوفاً بالمخاطر. فالتصعيد المضبوط قد ينفلت عند أول خطأ في الحسابات أو سوء تقدير في الردود. وكلما طال أمد هذا النمط من العدوان، ارتفعت احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، حتى لو لم يكن أي طرف راغباً فيها.

     

     

     

    الخطر الأكبر لا يكمن فقط في القصف نفسه، بل في اعتياده. حين يتحوّل استهداف العمق إلى خبر يومي، وحين يصبح خرق السيادة أمراً عادياً، تكون إسرائيل قد نجحت في فرض أحد أخطر وقائعها: تطبيع العدوان. من هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام لبنان ليس فقط في كيفية الردّ، بل في كيفية منع تثبيت هذا الواقع الجديد.

     

     

     

    ما يجري اليوم هو معركة على المعادلات، لا على الجبهات فقط. وإدراك طبيعة هذه المعركة هو الخطوة الأولى لمنع خسارتها.

  • حين سقطت الخطة قبل ولادتها: كيف أُحبطت «عملية الملك» من خلف الستار

     

     

    أسد نصر_سورية.

    لم تكن «عملية الملك» مجرّد محاولة معارضة عابرة، بل مشروعاً ثقيلاً صيغ بعقلية غرف العمليات، واستلهم تجارب إسقاط الدول وإعادة تركيبها من الخارج. مخططٌ طويل النفس، جرى العمل عليه لسنوات، انطلق من فرضية واحدة: أن تغيير إيران لا يمر فقط عبر الشارع، بل عبر إعداد بديل سياسي ودستوري مُسبق، يُقدَّم للعالم في لحظة الفوضى بوصفه «الحل الجاهز». غير أن ما لم يدركه مهندسو الخطة هو أنّ هذا المشروع كان مكشوفاً منذ بداياته، وتحت رقابة دقيقة آثرت الانتظار لا الاصطدام، والتفكيك لا التعطيل.

     

    في صلب هذه الرواية، يبرز اسم نازنين برادران، شخصية جرى بناؤها بهدوء لتكون واجهة المرحلة المقبلة. امرأة ذات خلفية قانونية، تنقّلت داخل الشبكات التنظيمية بأسماء مستعارة مثل «رها» و«برهام»، في محاولة لإخفاء دورها الحقيقي. لم تكن مهمتها تنظيمية أو إعلامية فحسب، بل أُنيط بها إعداد مسودة دستور لمرحلة ما بعد إسقاط النظام، في خطوة تكشف بوضوح طبيعة المشروع: ليس احتجاجاً بلا أفق، بل محاولة لفرض نظام سياسي بديل على أنقاض الدولة. وكان مخططاً أن تُدفع برادران إلى الواجهة لاحقاً، كرمز سياسي وميداني في مرحلة انتقالية يُفترض أن تعمّها الفوضى والفراغ.

     

    لكن هذا الدور لم يتكوّن من فراغ. فالمعطيات تشير إلى أنّ برادران تلقت توجيهاً مباشراً خلال إقامتها في الولايات المتحدة من آدم لوفينغر، ضابط الاستخبارات في وزارة الدفاع الأميركية، المعروف بدوره في مرحلة ما بعد غزو العراق، ولا سيما في صياغة دستوره. اسم لوفينغر هنا ليس تفصيلاً، بل إشارة إلى محاولة استنساخ تجربة العراق، بكل ما تحمله من هندسة سياسية مفروضة من الخارج، ضمن إطار سياسات الضغط القصوى على إيران.

     

    ومع اكتمال البناء النظري، انتقلت الخطة إلى مرحلة أكثر استفزازاً ووضوحاً، تمثلت في الإعلان العلني عن قنوات تواصل مع الكيان الصهيوني. لقاءات وزيارات عُقدت بلا مواربة، وجرى خلالها بحث سيناريوات إسقاط النظام الإيراني. ووفق المعلومات، كان رضا بهلوي جزءاً من هذه التحركات، بالتوازي مع إعداد وثيقة استراتيجية شاملة اعتُبرت خارطة الطريق للعملية. وقد حُدِّد زمن التنفيذ بين عام 2025 وبداية 2026، مع تحركات دبلوماسية موازية هدفها انتزاع اعتراف دولي بحكومة معارضة بديلة تُقدَّم بوصفها خياراً جاهزاً للمجتمع الدولي.

     

    وعلى خط موازٍ، فُتحت جبهة الإعلام والحرب النفسية. ميزانية تُقدَّر بنحو 500 ألف دولار خُصصت لتأسيس ما سُمّي «جيشاً سيبرانياً»، مهمته ضرب صورة الجمهورية الإسلامية، وبث الشك والإرباك في الداخل الإيراني، والتأثير على الرأي العام الخارجي. وترافق ذلك مع نشاط سياسي وإعلامي منظم للتقرّب من شخصيات أميركية وصهيونية معروفة بعدائها لطهران، في محاولة لتأمين غطاء سياسي وإعلامي متزامن مع ساعة الصفر.

     

    لكن النهاية جاءت على عكس ما اشتهى المخططون. فبحسب التقديرات الأمنية، كان التنظيم مراقَباً منذ وقت مبكر، وخيوطه مكشوفة خطوة بخطوة، ضمن مقاربة هدفت إلى كشف الشبكة كاملة لا قطع رأسها فقط. وهكذا، سقطت «عملية الملك» قبل أن ترى النور، لا بفعل الصدفة، بل نتيجة صراع عقول طويل انتهى بتفكيك المشروع من الداخل.

     

    وتشير المعطيات إلى أنّ ما كُشف حتى الآن ليس سوى جزء من الصورة، وأن المرحلة المقبلة قد تحمل تفاصيل أكثر حساسية، تُظهر حجم الرهانات الخارجية، وتشابكات المشروع الإقليمية والدولية، وتعيد طرح سؤال بات مألوفاً لدى السوريين: كم من الخطط تُرسم في الخارج، وكم منها ينهار قبل أن يلامس أرض الواقع؟

     

    أسد نصر_سورية

  • حصاد مائة يوم من وقف إطلاق النار في غزة

     

    بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

    اليوم السابع عشر من شهر يناير/كانون ثاني لعام 2026، وهو تمام اليوم المائة لفرض وقف إطلاق النار، وسريان الهدنة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الجانب الإسرائيلي في قطاع غزة، منهياً بها حرباً ضروساً وحشية شنها جيش العدو الإسرائيلي بتعاونٍ ودعمٍ وإسنادٍ قل نظيره ممن فرض الهدنة على قطاع غزة، وقد استمرت حربهما الظالمة قرابة 27 شهراً متوالية، قتل فيها وأصاب ما يربو على ربع مليون مواطن فلسطيني، بعد أن دمر بيوتهم وخرب مساكنهم، وحرث شوارعهم، وقوض بنيانهم، وأفسد حياتهم، وشتت جمعهم، ومزق شملهم، وأجبرهم على النزوح تلو النزوح، والعيش في العراء غالباً في ظل الصقيع والعواصف والمطر، وتحت الخيام البالية أحياناً التي لا تقي من البرد ولا تحمي من المطر، وفرض عليهم حصاراً ظالماً وجوعهم وعطشهم وحرمهم من كل أسباب الحياة.

     

    كثيرون يظنون أن الحرب قد توقفت فعلياً، وأن العدوان قد انتهى كلياً، وأن العدو عن قطاع غزة قد رحل، ومن مناطقه قد انسحب، وطائراته من أجوائه قد غابت، وامتنعت عن الإغارة والقصف، والقتل العشوائي والاغتيال المنظم، ولم يعد هناك دباباتٌ تفتح النار من فوهات مدافعها، وتقصف البيوت الباقية والجدران القائمة، وتطلق النار على اللاجئين في الخيام، والمنتشرين في العراء، والساعين للحصول على قوت يومهم في الشوارع والطرقات، فتمزق قذائفها أجسادهم، وتبعثر أشلاءهم، ولا تفرق أبداً بين صبيةٍ وأطفال يتضورون جوعاً، وشبانٍ ورجالٍ يغامرون بحياتهم لجلب الطعام لأهلهم، ونساءٍ وفتياتٍ يبكين أبناءهن وأشقاءهن، ويشتكين للعالم سوء أحوالهم وبؤس حياتهن.

     

    لكن الحقيقة التي لا يستطيع العالم كله أن ينكرها أو أن يغفل عنها ولا يذكرها، أن الحرب على قطاع غزة لم تنته فعلياً، ولم يلتزم العدو بالهدنة ولا بشروط وقف إطلاق النار، ولم يحترم خطة ترامب ولم ينفذ بنودها، وما زال كل ما ذكرته أعلاه وأكثر يرتكبه كل يوم، ويقوم به جيشه القاتل بلا توقف، في الوقت الذي يستولي فيه على أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، المعروفة بأنها أراضي زراعية، وأنها سلة طعام أهل غزة، ويحرث أرضها ويسوي بالتراب ما بقي من مبانيها، ويحشر قرابة مليوني مواطن في مساحةٍ تقل عن 40% من مساحة القطاع الغربية، الضيقة الخالية من الحقول والمزارع والبساتين، وتفتقر إلى حاجاتها الأولية من الخضار والفواكه، فضلاً عن انعدام المباني السكنية والخيام الصالحة للعيش تحتها، وغرق المنطقة كلها بمياه الأمطار والمياه العادمة والقمامة والفضلات، ما أدى إلى انتشار الأمراض وتوالد الحشرات، وتدهو الحالة الصحية لمعظم السكان.

     

    مائة يومٍ قاسية مرة مرت على سكان قطاع غزة وكأن شيئاً لم يتغير عليهم سوى عمليات القصف المتواصلة، والغارات الجوية العنيفة، في ظل التشرد والتيه والضياع، واللجوء والنزوح والعراء، بينما مسلسل القتل وعمليات الاغتيال المنظمة ما زالت قائمة، والغارات الثأرية والانتقامية ما زالت مستمرة، إذ قتل جيش العدو بغاراتٍ حربيةٍ وأخرى نفذها طيرانه المسير أكثر من 300 عملية اغتيال منظمة، طالت قادة ومسؤولين، ومقاتلين ومواطنين، ولم تستثن عملياته العدوانية الأطفال والنساء والشيوخ وعامة الموطنين، بذرائع شتى وحجج كاذبة واهية، لا تبرر القتل ولا تجيز العدوان، إذ لا أصل لها، وفي حال صدق في روايته فإنها لا تشكل خطراً على حياة جنوده وأمن وسلامة جيشه.

     

    ذكرت وزارة الصحة الفلسطينية بمناسبة مرور مائة يوم على الهدنة في قطاع غزة، التي بدأت يوم العاشر من أكتوبر/تشرين أول عام 2025، أن عدد شهداء قطاع غزة بلغ 447 شهيداً، من بينهم أكثر من 100 طفل وعشرات النساء والشيوخ، حيث يتعمد جيش العدو العمل بشدة في المناطق المصنفة بأنها سكنية وعامة، ولا يسجل فيها عمليات للمقاومة، أو ظهور مسلح لعناصرها، أو اشتباه بوجود أحدٍ من قيادتها فيها، إلا أن العدو يمعن في سياسته ويثخن في عملياته، في محاولة يائسة منه لتيئييس سكان قطاع غزة، وتأليبهم ضد المقاومة، ودفعهم للثورة ضدها والانقلاب عليها.

     

    بينما ذكرت وسائل إعلامية وأخرى حقوقية تتابع الأوضاع في قطاع غزة، وترصد الانتهاكات الإسرائيلية، وتسجل وتوثق الجرائم التي يرتكبها جيشه، أن عدد الاانتهاكات الإسرائيلية للهدنة الموقعة بلغ 1244 حادثة، تسببت أغلبها في وقوع عمليات قتل فضلاً عن الدمار والخراب الذي تحدثه فيما تبقى لسكان قطاع غزة من جدران وبيوت ومدارس ومقار عامة وأماكن لجوء دولية ووطنية.

     

    وذكرت الوسائل ذاتها وأخرى تعنى بالشؤون الإنسانية وتنشط في مجال الجمعيات الخيرية وقوافل الإغاثة الشعبية، أن العدو لم يلتزم أبداً بما تم الاتفاق عليه لجهة تخفيف الحصار، والسماح بإدخال المؤن والوقود والغاز والمعونات الغذائية، فضلاً عن الخيام والمساكن المسبقة الصنع “الكرافانات”، وأن عدد الشاحنات المصنفة مساعدات لا تشكل نسبةً كبيرة إلى جانب الشاحنات التجارية التي لا يستفيد منها السكان لانعدام القدرة الشرائية لديهم، إذ لا أموال ولا مساعدات، ولا مشاريع عمل ولا تجارة خارجية ولا محال تجارية محلية تدر عليهم أموالاً وتوفر لهم سيولة مالية تمكنهم من البيع والشراء.

     

    نأمل جميعاً وسكان غزة كلهم، أنه بانقضاء المائة يوم الأولى للهدنة، الذي صادف استلام اللجنة الوطنية الإدارية المؤقتة مهام عملها الجديدة في قطاع غزة، أن تكون الأيام القادمة خيراً من سابقاتها، وأن تحمل معها الأمن والسلام والطمأنينة والأمان، والصحة والعافية وسلامة الأبدان، ويرفع الحصار وتفتح المعابر ويبدأ الإعمار، وينسحب العدو ويعود الناس جميعاً إلى بلداتهم ومناطقهم، ويعمرون ما دمر من بيوتهم ومساكنهم.

     

     

  • التمدد الاستيطاني والاعتداءات على الأماكن المقدسة

    بقلم سري القدوة

    الجمعيات الاستعمارية، وبمساندة سلطات الاحتلال، تقود منذ عقود حملات منظمة لإخلاء العائلات الفلسطينية في الشيخ جراح، مستخدمة أدوات قانونية وتخطيطية وإدارية غير مسبوقة، لتحقيق الهدف ذاته المتمثل بالتهجير القسري وتثبيت الوجود الاستعماري في قلب الحي، وتشمل هذه السياسات مشاريع “تجديد حضري” واسعة النطاق، تتضمن بناء نحو ألفي وحدة للمستعمرين، أي ما يفوق عدد المنازل الفلسطينية القائمة في الحي بأكمله، مع إقصاء السكان الفلسطينيين كلياً، إلى جانب تسجيل وتسوية أراض لصالح المستعمرين، والاستيلاء على المساحات العامة، وإعادة تخصيصها لخدمة مشاريع دينية وقومية يهودية .

    ما يجري في الشيخ جراح يتجاوز مخططا واحدا، ليشكل سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الحي ديمغرافيا وعمرانيا، حيث تطرح مشاريع استعمارية إضافية، إلى جانب مساع حثيثة لربط هذه المشاريع بالبؤر في الشطر الشرقي، مروراً بمناطق كرم المفتي وجبل المشارف، بما في ذلك محيط الجامعة العبرية، ويهدف هذا الربط إلى تقسيم الحي إلى شطرين شمالي وجنوبي، وتسهيل السيطرة عليه، وربط شطري القدس الشرقي والغربي عبر طوق استعماري متصل داخل الأحياء الفلسطينية، لا سيما في المناطق المصنفة تاريخيا كمنطقة فاصلة بين عامي 1948 و1967.

    ما يعرف بمخطط عطروت لا يمكن فصله عن أهدافه الإستراتيجية بعيدة المدى، وفي مقدمتها القضاء على ما كان يعرف بمطار الدولة الفلسطينية المستقبلية، والذي شكل رمزا سياديا وسياسيا مهما، كما يهدف المخطط إلى تكريس الفصل بين التجمعات الفلسطينية الواقعة خلف الجدار وتلك الموجودة أمامه، عبر خلق سد استعماري بشري يمنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي، ويندرج المخطط كذلك ضمن مشروع “القدس الكبرى” بالمفهوم الإسرائيلي، الذي يهدف إلى ضم ما يقارب 10 بالمائة من مساحة الضفة الغربية، من خلال شبكة أنفاق وطرق التفافية لربط المستعمرات الواقعة شمال شرق القدس .

    الاحتلال ومنذ مطلع العام الماضي اعتدى على المسجد الأقصى من خلال سماحه لعصابات المستعمرين الإرهابيين باقتحامه وتدنيس ساحاته ومصاطبه، وذلك لـ(280) مرة، مارس خلالها المستعمرون شعائر تلمودية أصبحت تمارس بشكل يومي كالسجود الملحمي، بالإضافة إلى النفخ بالبوق، في إظهار واضح لممارستهم وصلواتهم التلمودية الجماعية والتي تمارس في مكان محدد لتكرس التقسيم الزماني والمكاني، وأن هذه الاقتحامات تتم تحت إشراف وحماية شرطة الاحتلال التي تمنع بشكل دائم حراس المسجد الأقصى التابعين لدائرة الأوقاف في القدس من قيامهم بعملهم داخل ساحاته .

    التمدد الاستيطاني في القدس والاعتداءات على الأماكن المقدسة والمصلين المسيحيين يتواصل في ظل إقدام جماعات دينية يهودية متطرفة بالاعتداء على الحجاج المسيحيين في مدينة القدس المحتلة، وتحديدا في منطقة كنيسة حبس المسيح، كما ضيقت عليهم خلال الأعياد المسيحية، ومنعتهم من الوصول إلى كنيستي المهد والقيامة .

    يسعى الاحتلال إلى قلب الميزان الديمغرافي لصالحه، عبر سياسات الطرد والهدم بحق الفلسطينيين، مقابل الإحلال السكاني الاستعماري، وهو ما تثبته الوثائق والخطط الرسمية الإسرائيلية بما فيها مخطط “نحلات شمعون” في حي الشيخ جراح، وتحديداً في منطقة أرض النقاع، والذي يقضي بهدم الحي وبناء مستعمرة على مساحة تقارب 17 دونما، تضم 316 وحدة على أنقاض منازل نحو 40 عائلة فلسطينية، ويستند هذا المخطط إلى منظومة قوانين تمييزية عنصرية، تتيح للجمعيات الاستعمارية المطالبة بأملاك تعود إلى ما قبل عام 1948، في حين يحرم الفلسطينيون من الحق ذاته في استعادة أملاكهم التي هجروا منها قسرا .

    سفير الإعلام العربي في فلسطين
    رئيس تحرير جريدة الصباح الفلسطينية
    infoalsbah@gmail.com

  • الاحتلال يواصل ارتكاب جريمة التهجير القسري

     

    بقلم : سري القدوة

     

     

    حكومة الاحتلال تواصل ارتكاب جريمة التهجير القسري بحق سكان قطاع غزة ضمن سياسة مدروسة وعلنية توظف فيها أنماطا مختلفة من الجرائم وتعمل ضمن أدوات التهجير القسري الإسرائيلية والتي تشمل القصف والتجريف واسع النطاق، والتجويع المتعمد، وتدمير البنية التحتية المدنية، وطرد السكان بقوة النار وبأوامر التهجير، وتجميعهم في مساحة محدودة تقل عن 15% من مساحة القطاع، تمهيدا لتهجيرهم الجماعي خارجه، بعد أن حولت معظم مناطق غزة إلى أراضٍ مدمرة غير مأهولة وغير صالحة للحياة، بما يشكل امتدادا مباشرا لجريمة الإبادة الجماعية التي تنفذها منذ نحو 21 شهرا .

     

    قوات الاحتلال كانت قد أصدرت بين 28 و30 يونيو 2025 ثلاثة أوامر عسكرية جديدة بتهجير سكان مناطق واسعة في شرقي مدينة غزة وجنوبها، وأجزاء من شمالي القطاع، شملت مساحة شاسعة تمتد لعدة كيلومترات مربعة، وتسببت في نزوح عشرات آلاف المدنيين قسرا، ممن وجدوا أنفسهم عالقين بين التهجير المستمر، والتجويع، والقصف المتواصل، في ظل انعدام أي ملاذ آمن داخل القطاع .

     

    الأوامر الأخيرة رفعت عدد أوامر الإخلاء التي أصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي بالرغم من اتفاق وقف الحرب برعاية أمريكية ووقف إطلاق النار، وأن هذه الأوامر غير القانونية، إلى جانب التوغلات العسكرية المتسعة، جعلت أكثر من 85% من أراضي قطاع غزة خاضعة إما لسيطرة عسكرية مباشرة أو لأوامر نزوح قسري، فيما يعد محوا واستهدافا منهجيا للوجود الفلسطيني، ويكشف عن نية واضحة لإحداث تغيير ديمغرافي دائم في القطاع .

     

    قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل قصف المناطق التي يجبر المدنيون على النزوح إليها، بما في ذلك المدارس، ومراكز الإيواء المؤقتة، والخيام، وقسمت قطاع غزة الى ما يعرف بالمنطقة الصفراء والخضراء وتنفذ فيها مجازر جماعية تستهدف السكان المهجرين تحت وطأة القصف والتجويع والبرد القارس، في انتهاك صارخ ومتعمد لأبسط قواعد القانون الدولي، ما يؤكد أن النزوح القسري لا يتم فقط تحت التهديد، بل في إطار بيئة مميتة وغير إنسانية تمعن في قتل المهجرين وتعريضهم لمعاناة مقصودة، وتشير بوضوح إلى استخدام النزوح كأداة في سياسة الإبادة الجماعية الجارية .

     

    نمط إصدار أوامر التهجير القسري، وجرائم القتل والتدمير واسعة النطاق، وسياسة التجويع المتعمد، كلها تشكل مكونات متكاملة لخطة إسرائيلية تمضي بلا مواربة نحو تنفيذ المرحلة النهائية من جريمتها وهدفها الأصلي، وهي الطرد الجماعي للفلسطينيين خارج أرضهم، وتحديدا خارج قطاع غزة، بعد أكثر من 25 شهرا من ارتكاب جرائم إبادة جماعية شملت قتل وإصابة ما يزيد عن 200 ألف مدني، ومسح بلدات كاملة من الوجود، وتدمير البنية التحتية في القطاع، وتجريف مقومات الحياة فيه، وتهجير سكانه داخليا بشكل منهجي، في سياق خطة تهدف إلى القضاء الكامل على الجماعة الفلسطينية ككيان ووجود .

     

    خطط تهجير الفلسطينيين قسرا تمثل امتدادا مباشرا للمشروع الإسرائيلي الاستعماري الاستيطاني والممتد منذ عقود، والقائم على محو الوجود الفلسطيني والاستيلاء على الأرض، وأن ما يميز هذه المرحلة عن أنها تتخذ طابعا أكثر خطورة واتساعا، إذ تستهدف 2.3 مليون إنسان خضعوا لإبادة جماعية شاملة، وجرى حرمانهم من أبسط الحقوق الأساسية، في ظروف قهرية منهجية تتسم بالقسوة الفائقة والتجريد الكامل من أدنى شروط الحياة، في محاولة متعمدة لدفعهم خارج وطنهم لا كخيار، بل كشرط وحيد للنجاة، في واحدة من أوضح محاولات التهجير الجماعي المخطط لها في التاريخ المعاصر .

     

    سفير الإعلام العربي في فلسطين

    رئيس تحرير جريدة الصباح الفلسطينية

     

زر الذهاب إلى الأعلى