• وعي الدولة وضمير الجمهور

     

     

    كتب رياض الفرطوسي

     

    حين تشتدّ العواصف، لا يكفي أن تقف الدولة وحدها على السد، بل لا بد أن يكون الجمهور واقفاً معها، مدركاً حجم التحدي، ومستوعباً دقة اللحظة، ومتيقناً أن كل خطوة تُنجَز على طريق البناء، ليست مكسباً للحكومة فحسب، بل هي حجر أساس في بيت الجميع.

     

    لقد دخلت منطقتنا طوراً جديداً من الاضطراب. صواريخ الفرط الصوتية، الضربات الجوية، تهديدات الردع النووي، كل ذلك لم يعد يحدث في نشرات الأخبار البعيدة، بل بات يتنفس على حدودنا، ويتسلل في ليلنا. ومع كل هذا الجنون الذي يحاصر العراق من الجهات الأربع، فإن قرار الدولة كان واضحاً: لن ننجرّ، ولن نتورط، ولن نُستخدم.

     

    وإن كان يُحسب للحكومة العراقية أنها أدركت، مبكراً، أن مواجهة هذا المحيط المشتعل لا تكون بالشعارات ولا بالاصطفافات الطائفية أو الإقليمية، بل بتقوية الداخل، فإن ما لا يقل أهمية عن هذا الموقف، هو أن يرقى الجمهور إلى مستواه، وأن يُدرك أن ما يُبنى اليوم من استقرار وإنجاز، هو رصيدٌ عام، لا ينبغي التفريط به.

     

    فالدول لا تُبنى بالحكومات وحدها، بل بضميرٍ شعبي واعٍ، يتجاوز لغة التشكيك والمهاترات، ليقرأ بعينٍ مفتوحة ما يجري على الأرض: مصانع تُفتتح، مشاريع تُتابع، اتفاقيات تُوقّع، وخطط اقتصادية تُفعّل رغم الرياح العاتية. لا نقول إن كل شيء على ما يرام، ولكن من الإنصاف أن نرى النصف الممتلئ من الكأس، لأنه هو الذي يُروينا في النهاية.

     

    لقد كان صوت العراق، في عزّ اشتعال الجبهات الإقليمية، صوتاً متزناً، لا يخذل القضايا الكبرى كفلسطين، ولا ينخرط في مغامرات لا تحمد عقباها. كان الصوت الحريص لا المحايد، العاقل لا المفرّط. وكان ذلك يحتاج إلى شجاعة من نوع خاص؛ شجاعة الدولة التي ترفض أن تكون ساحةً لتصفية الحسابات، وشجاعة القيادة التي تؤمن أن التنمية في زمن الأزمات، ليست ترفاً، بل فعل مقاومة.

     

    لكن… هل تكفي شجاعة الدولة وحدها؟

    لا.

     

    يجب أن يترافق ذلك مع وعي الجمهور. الجمهور الذي يُدرك أن حروب العصر ليست فقط بالسلاح، بل بالفتنة، وبالإعلام المضلل، وبإطلاق الشائعات التي تزعزع الثقة، وتحوّل الشك إلى قناعة، والفراغ إلى غضب. في هذا النوع من الحروب، تُخترق الدول من الداخل، وتُفكك معنويات شعوبها قبل جيوشها، وتُرسم الهزائم عبر القنوات وليس في الميادين.

     

    من هنا، فإن دعم الحكومة اليوم لا يذهب نحو استعراض القوة، بل يُوجَّه بعقلانية نحو المؤسسات المعنية بالتنمية والاستثمار وتعزيز الأمن الوطني، بوصفها الركائز الحقيقية لتحصين ما أُنجز حتى الآن. فالمصانع التي أُقيمت، والمدارس التي شُيّدت، والبنى التحتية التي بدأت تنهض من رماد الإهمال، تحتاج إلى بيئة آمنة، ومؤسسات قوية، وإدارة واعية، تحفظها من الهدر، وتحميها من العبث، وتصونها من أي تهديد داخلي أو خارجي. إن ما تقوم به الدولة ليس ترفاً مؤقتاً، بل استراتيجية عميقة لحماية المستقبل، لأن أعظم ما يُمكن الدفاع عنه، هو ما تمكّنا من بنائه بالفعل.

     

    والأهم من كل شي ، أن يبقى العقل يقظاً. فالحكومة، التي تدير الأزمات بهدوء، وتفتتح المشاريع وسط النيران، وتتابع ملف التنمية بجِدّ، إنما تبني لشعبها مشروعاً وطنياً يستحق أن يُحتضن لا أن يُحاصر. ونحن، كمجتمع، لا يمكن أن نطلب من الدولة أن تكون ناجحة، ونحن نُقابل النجاح بالتقليل، والإنجاز بالتشكيك، والخطوة إلى الأمام، بالشدّ إلى الوراء.

     

    إنّ من يتابع المشهد بدقة، يُدرك أن العراق اليوم يقف على تخوم مرحلة جديدة، حيث لا مجال للحياد الكسول، ولا للمواقف الرمادية، ولا للعبث بمفردات الوعي الوطني. فمن المؤلم أن تُبنى مدارس وتُخرّبها الشائعات، أن تُزرع مشاريع وتُحاصرها الألسن، أن تتقدم الدولة خطوة ويُسحب الجمهور خطوتين إلى الوراء، بسبب الغفلة أو التضليل.

     

    من هنا، يجب أن يكون هناك تجديد للخطاب العام، وتفعيل لوسائل التوعية، وإطلاق حملات إعلامية تُعيد ثقة الناس بما يُنجز، وتشرح لهم — بلغة الحياة اليومية — كيف أن الاستثمار، والصناعة، والتقنيات الحديثة، ليست عناوين في نشرات الأخبار، بل ضمانات للغد، وأمنٌ وطني بحلة اقتصادية.

     

    كما أن الرهان على الزراعة، والاكتفاء الغذائي، والاستقلال في إنتاج التكنولوجيا، لم يعد ترفاً نظرياً، بل صار ضرورة إستراتيجية في عالم يتجه نحو صراعات مائية وغذائية وتقنية. في عالم كهذا، من لا يُنتج غذاءه، ويُصنّع سلاحه، ويُخطط لتقنياته، سيظل تابعاً، مهما ارتفعت شعارات السيادة.

     

    إن ما تفعله الحكومة اليوم، بكل ما له وما عليه، هو محاولة صادقة لبناء عراقٍ مختلف، لا يعيش في ظل الأزمات، بل يبني وسطها. عراق يُعيد لذاته كرامتها، لا عبر العسكرة، بل عبر الكفاءة. ولا عبر التبعية، بل عبر الشراكة المتوازنة.

     

    وحتى نصل إلى هذا العراق، لا بد أن يكون هناك عقلٌ جمعي جديد، لا يرى الدولة مجرد كيان إداري، بل مشروعاً مصيرياً. عقلٌ يُدرك أن الوعي لا يقلّ أهمية عن البنية التحتية، وأن قوة الجمهور، هي ما يجعل من قرارات الحكومة راسخة وفاعلة.

     

    في هذا المفصل التاريخي، لا خيار أمامنا إلا أن نُكمل البناء، وأن نحرسه بعيوننا، وأن نُسنده بوعينا. فليس المهم فقط أن تملك الدولة رؤية، بل أن يُدرك الجمهور قيمتها، وأن يربط بينها وبين مستقبله، ومستقبل أولاده.

     

    هكذا فقط تُبنى الأوطان. لا بالقرارات وحدها، ولا بالشعارات، بل بشراكة يقظة بين وعي الدولة وضمير الجمهور.

  • إيران انتصرت، وفرضت شروطها وأي خرق له عواقب وخيمة … بوصلة المواقف …

    كتب جليل هاشم البكاء

    جاء قرار وقف إطلاق النار ليؤكد حقيقة واضحة، وهي أن إيران لم تخرج من هذه المواجهة مجرد طرف في صراع، بل خرجت باعتبارها القوة التي فرضت شروطها، وأجبرت الآخرين على التعامل مع واقع جديد رسمته على الأرض. وقف إطلاق النار لم يكن تنازلاً أو إجراءً تقليدياً، بل جاء مشروطاً بتعويض إيران ومناقشة حقها في امتلاك التقنية النووية والتكنولوجية، وهو ما يعد اعترافاً بمكانة إيران الإقليمية وقدرتها على تغيير قواعد اللعبة.

     

    الأرقام لا تكذب، فقد تخطى عدد المهاجرين الفارين من مناطق التوتر أكثر من 600 ألف مهاجر حتى الآن، وهو ما يعكس حجم القلق والارتباك الذي تسببت فيه الأزمة، ويبرز في الوقت ذاته قدرة إيران على التأثير المباشر في المعادلات الديموغرافية والسياسية للمنطقة. التصريحات المتكررة بأن أي تهديد لإيران سيقابله موجة هجرة جماعية لم تعد مجرد تهديدات إعلامية، بل تحوّلت إلى واقع ملموس يشهده الجميع.

     

    توقيت وقف إطلاق النار ليس عابراً، فلو لم تأتِ عملية الفتح المبين التي غيّرت المعادلات على الأرض لصالح إيران، لما كان لهذا القرار أن يصدر بهذه الصيغة المشروطة التي تحمل في مضمونها اعترافاً ضمنياً بانتصار إيران. الخصوم، وعلى رأسهم القوى الدولية والإقليمية، كانوا يدركون جيداً أن التعجيل بوقف إطلاق النار قبل عملية الفتح المبين كان من مصلحتهم، لأنه كان سيحرم إيران من رصيد عسكري وسياسي كبير، لكنه جاء متأخراً، بعدما استطاعت إيران تثبيت أوراق القوة وفرض معادلات جديدة. بعد ضربها للقواعد الأمريكية.

     

    اليوم، أي خرق لهذه الشروط أو محاولة للالتفاف عليها ستكون له عواقب تتجاوز حدود المواجهة المباشرة، فإيران أظهرت أن لديها القدرة والإرادة لتوسيع مساحة التأثير، سواء عبر ملفات الهجرة، أو التقنية، أو حتى التحركات الميدانية. الرسالة باتت واضحة: إيران قد انتصرت، وفرضت شروطها، ومن يظن أن بإمكانه تجاهل هذا الواقع سيدفع الثمن.

     

     

     

    جليل هاشم البكّاء

  • نتنياهو يحاول الفرار من الحرب مع إيران تحت غطاء كثيف من التصريحات الترامبيه الكاذبة

    كتب اسماعيل النجار

     

    نتنياهو يحاول الفرار من الحرب مع إيران تحت غطاء كثيف من التصريحات الترامبيه الكاذبة.

    وطهران ترد برشقات صاروخيه مُدمِرَة على صحراء النقب وبئر السبع..

    هي القوة الحيدرية الجبارة التي قصمت ظهر العدو الصهيوني وأدَّبت أسياده الأميركيين. فبعد العدوان على طهران قامت الأخيرة بواجب الدفاع عن نفسها ضمن إطار القوانين الدولية التي تسمح لها بممارسة هذا الحق دفاعاً عن شعبها وبلادها. دفعَ العدو ثمناً باهظاً في هذه المعركة عن بُعد إذ دمرت إيران مطاراته العسكريه ووزارة دفاعه وكراكز استخباراته كافه وميناء حيفا ومراكز الأبحاث وثكنات عسكرية وأصاب الكيان شلل كبير وبدأت الهجرة العكسيه لشعب يحمل جنسيتين وولائه كاذب للكيان في سابقه غير منظورة رغم الإقفال التام على المعابر وصدور قرار منع سفر أي مواطن للخارج والخسائر الإقتصادية ترتفع لتتجاوز مئات المليارات من الدولارات في أكبر عملية جمود إقتصادي منذ تأسيس الكيان.

    لقد أثبت صاروخ خيبر الإيراني أنه أصيل ومتجذر في التاريخ لدرجة أن الردع الإيراني أرعب أميركا والعالم.

    فبعد الضربة الأميركية الهزليه التي قام بها ترامب لمفاعل فوردو ونطنز ليتخلص من الضغوطات الصهيونيه عليه كان لا بُد من وضع سيناريو إعلامي يؤمن هروب نتنياهو من الحرب ووقف إطلاق النار.من هنا انطلقت حملة ترامب الإعلامية الكاذبه هذه الليله بأن تل أبيب وطهران توصلآ إلى اتفاق بوقف إطلاق النار ومن داخل الكيان بدأ المهرِّج إيدي كوهين بإطلاق شائعات عن اشتباكات في شوارع طهران بين الشعب والنظام. بسرعة البرق واجهت إيران الدعايه الإميركية الكاذبه بإطلاق رشقات صاروخيه كبيرة باتجاه صحراء النقب وبئر السبع تأكيداً للمؤكد بأن ايران هي التي توقع الصفحه الأخيره في خاتمة الكتاب المفتوح ولكن لم يؤن الأوان بعد.

    الأميركيين يبحثون عن مخرج لكلام ترامب بأن إيران دولة عظيمه ولديها صواريخ دمرت إسرائيل ولا أحد يستطيع هزيمتها فصدر تصريح من أحد مسؤولي البيت الأبيض وإسرائيل بنفس التوقيت ليقولآ بأن الرئيس الأميركي تفوه بتلك الكلمات وهو بحالة سُكر شديد!.

    إيران بدورها وحفظاً لماء وجهها وسيادتها قامت بالرد على على العدوان الأميركي وبدأت تتفحص نوايا واشنطن إذا كان لديها نوايا عدوانيه بالرد وإشعال حرب شاملة ضدها لتبني على الشيء مقتضاه. وحتى الآن لم يصدر عن واشنطن سوى تصريح يتيم يقول أن الضربات لم تسفر عن ضحايا ولذلك لا حاجة لأميركا لكي ترُد.

    إن كل الشائعات التي يطلقها العدو حول وقف إطلاق نار بين إيران والكيان ليست سوى فقاعات هواء تهدف التشويش على انتصار إيران في الحرب الدائره  واقتراب موعد حسمها عسكرياً لصالحها. فَ طهران ترفض الخروج بنديه مع نتنياهو وان تسمح بأن تُكتب له حياة سياسية جديدة في الكيان الغاصب. ولن تسمح بتمرير وقف لإطلاق النار من دون توقيع أميركا على دفتر شروطها الذي يشمل لبنان وسوريا وغزة والعراق واليمن كونها فرصه تاريخية للجمهورية الإسلاميه لن تتعوَّض ولن تُفَوِّتها طهران مهما كان الثمن.وإلا فإن خروج إيران من هذه الحرب بدون هذا الإتفاق يعني نهاية حركات المقاومة في بلاد الشام وانتصار إسرائيل سياسياً وأمنياً.

    وطهران تحتاج إلى اسبوع أو أكثر لتبلوِر وجهَة نظرها أمام أميركا وإسرائيل لإنتزاع توقيعاتهم قبل فوات الأوان لأن العدو الصهيوني لا يحتمل ضربات مؤلمه كالذي تحصل لإسبوعين قادمين.

     

    بيروت في..  24/6/2025

  • إيران غيّرت المعادلة… الحرب الاستراتيجية ما بين الأهداف المعلنة والأهداف الخفية

     

    حسين مرتضى

     

     

    ما قبل العدوان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية يختلف عن ما بعد هذا العدوان، خاصة أنّ قواعد الاشتباك قد تبدّلت ومعادلات جديدة قد فرضت.

    مخطئ من يظنّ بأنّ هدف العدوان هو الملف النووي لأنه رغم كلّ الاستهدافات فإنّ المواد المخصبة من اليورانيوم لا تزال موجودة بكميات كافية والمنشآت النووية الإيرانية بقيَت سليمة دون أيّ ضرَر يُذكر، وعلى الرغم من اغتيال عدد من العلماء إلا أنّ الأبحاث موجودة وهناك من يستطيع استكمال ما تمّ إنجازه، وبالتالي فإنّ الملف النووي لم يتضرّر لدرجة أن يتمّ إيقافه أو أنّ هناك حاجة لوقت طويل لإعادة ترميم ما استهدفته الحرب.

    عسكرياً وعلى الرغم من تنفيذ العدو الصهيوني لسلسلة اغتيالات طالت عدد من القيادات العسكرية الإيرانية، إلا أنّ القيادة الإيرانية امتصّت الهجوم وقامت بترميم المراكز القيادية من خلال بُدلاء لهم، وهؤلاء لديهم من الخبرة ما يكفي للحفاظ على توازن العمليات، وكان هذا التوازن واضحاً من خلال بدء عملية الوعد الصادق 3، والتي تمّ إطلاقها بشكل تصاعدي يُحاكي الواقع الميداني بشكل دقيق ابتداءاً من عمليات إطلاق الصواريخ البالستية مروراً بتنفيذ عمليات مركبة يتمّ فيها إطلاق أسراب المُسيّرات بالتزامن مع إطلاق الصواريخ البالستية علماً أنّ طهران تمتلك العديد من الوسائل القتالية التي لم يتمّ استخدامها حتى الآن.

    إنّ الجبهة الداخلية لكيان الاحتلال لا تحتمل الحروب الطويلة وقد اعتاد الكيان المحتلّ على تنفيذ حروب خاطفة تحقق أهدافاً استراتيجية أما اليوم فإنّ الحرب أصبحت مفتوحة وضمن آليات مدروسة.

    أما على الصعيد السياسي الدولي فإنّ الإدارة الأميركية لا ترغب حتى الآن في التخلي عن مصالحها في المنطقة والدخول بالحرب بشكل مباشر، فيما هناك العديد من الدول التي تؤيد حق الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الدفاع عن نفسها خاصة أنّ العدوان يستهدف المدنيين والمرافق العامة.

    ستبقى مختلف الاحتمالات واردة، كذلك الأمر بالنسبة لردود الأفعال، لكنه من المؤكد بأنّ القيادة والشعب في إيران لن يقبلوا بتقديم أيّ تنازلات، وبالتالي سيكون التفاوض إنْ وُجد من منطق القوة وليس من منطق الضعف.

  • حرب الفرص

     

    كتب رياض الفرطوسي

     

    في اللحظات التي يتجه فيها العالم إلى متابعة تطورات الحرب بين إسرائيل وإيران، يبدو أن هناك لاعباً صامتاً يتحرك على رقعة الشطرنج بخفة الثعالب وبُعد نظر الدبلوماسيين الكبار: فلاديمير بوتين. لا الطائرات الروسية حلّقت، ولا حاملة طائرات صينية رست، لكن الدخان الكثيف فوق طهران وتل أبيب يعيد رسم المشهد الدولي بطريقة تخدم الكرملين أكثر مما تخدم أي طرف مباشر في النزاع.

     

    منذ اندلاع المواجهة المفتوحة، بدا جلياً أن موسكو لا تنوي أن تُستدرَج إلى تحالف عسكري مباشر مع طهران، رغم ما أبدته من تعاطف لفظي بعد الضربات الإسرائيلية. فالتصريحات الغاضبة التي خرجت من الخارجية الروسية لم تكن سوى ورقة في لعبة التوازن، إذ يعرف بوتين جيداً أن الحياد الذكي قد يفتح له أبواباً موصدة في الغرب.

     

    فجأة، تحوّلت الأزمة الإيرانية الإسرائيلية إلى فرصة ذهبية لبوتين كي يُعيد طرح نفسه لاعباً لا غنى عنه. لم ينتظر طويلًا حتى أجرى اتصالات متوازنة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هكذا، في لحظة عاصفة، أصبح بوتين هو الوحيد الذي يتحدث مع الجميع.

     

    في الخلفية، تبدو الصين شديدة الحذر، تراقب وتوازن مصالحها النفطية والتجارية من دون أن تغرق في مستنقع التصريحات. لكن بوتين، الذي يعلم كيف تتحرك أسواق النفط، لم يضيّع وقتاً. فالهجوم الإسرائيلي، الذي تجنّب البنية التحتية الكبرى لتصدير النفط الإيراني، أثار هلعاً في الأسواق، ما رفع الأسعار وأنعش خزينة روسيا المنهكة من حرب أوكرانيا.

     

    الكرملين يدرك أن واشنطن، في هذه اللحظة، غارقة في نزع فتائل صراع يهدد بتوسيع رقعة التوتر في الشرق الأوسط. فكل اشتباك جديد يعني للبيت الأبيض ارتفاعاً في أسعار النفط، وتوتّراً في صفوف الحلفاء، وتآكلًا إضافياً في صورة الحضور الأمريكي كضامن للاستقرار. وفيما تنشغل الولايات المتحدة بإعادة ضبط مواقفها، تظهر موسكو، بعلاقاتها المتشعبة مع طهران وتل أبيب، كمرشح مثالي للعب دور الوسيط. وهذا تماماً ما يريده بوتين: أن يُستدعى إلى الطاولة حين تزداد الفوضى، لا لأنه يرفع صوته، بل لأنه يُجيد الصمت حين يتكلم الجميع.

     

    التحالف بين موسكو وطهران لطالما كان تحالف الضرورة لا الإخلاص. فقد تردّدت روسيا طويلًا في تزويد إيران بمقاتلات سو-35 رغم التفاهمات، ولم تتورّط في دعم عسكري مباشر بعد اغتيال الحاج قاسم سليماني، أو حتى بعد العقوبات القصوى الأمريكية. وحتى بعد توقيع معاهدة “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” بين بوتين وبزشكيان في يناير، لم يُسجَّل تحوّل جذري في السياسة الروسية نحو إيران.

     

    وبينما يتقدّم الدخان من منشآت الغاز الإيرانية، ويتراجع التصدير النفطي، يدرك الجميع أن هناك يداً خفية تتلاعب بمصير الجغرافيا السياسية. إسرائيل لا تريد حرباً طويلة، وإيران تحاول تحمّلها، وأمريكا لا تملك رفاهية توسع الحريق، لكن روسيا، بكل تناقضاتها، تبدو المستفيدة الأكبر.

     

    لقد تحولت الضربة على مصنع طائرات “شاهد” الإيرانية في أصفهان إلى ضربة جزئية لآلة الحرب الروسية في أوكرانيا، إذ إن موسكو تعتمد بشكل واسع على تلك الطائرات في هجماتها الليلية. لكن في ميزان الكرملين، هذه خسارة قابلة للامتصاص إذا ما كانت النتيجة تعزيز حضور روسيا في الشرق الأوسط كوسيط لا كخصم.

     

    المثير أن بوتين، الذي رفض عرضاً سخياً من إدارة ترامب الشهر الماضي لإنهاء حرب أوكرانيا مقابل اعتراف غير مباشر بسيطرته الحالية، بدا وكأنه يعرف أن الأحداث ستمنحه شيئاً أثمن: تراجع تركيز الغرب على كييف. فكلما اشتعلت بقعة جديدة من العالم، انخفضت حرارة الاهتمام بأوكرانيا، وكلما زاد حضور روسيا كدولة لا يمكن تجاهلها.

     

    هكذا، وبينما تتراشق إسرائيل وإيران بالصواريخ، يكتب بوتين سطوراً جديدة في كتاب الصبر الاستراتيجي. لا حاجة له لتدخّل مباشر، ولا رغبة حقيقية لديه في إدانة فعلية لأي طرف. كل ما يحتاجه الآن هو أن يستمر العالم في الاعتقاد بأنه جزء من الحل، لا جزء من الأزمة. ومن خلف الستار، تستمر روسيا في جني مكاسب من كل جبهة مشتعلة، طالما أنها لا تحترق بنارها.

     

    هذه ليست حرباً بالوكالة فقط، بل سوقاً مفتوحة للفرص. وفيما ينهمك الكبار في معاركهم، يصنع الأذكياء أمجادهم من رمادها، ويصوغون نفوذهم من صمت ما بعد العاصفة.

  • اخلاء طهران فورا لماذا …؟؟؟

     

    بقلم_الخبير عباس الزيدي

    طهران عاصمة الجمهورية الاسلامية  التي تبلغ مساحتها حوالي 18814كم  وهي العاصمة الوحيدة التي  اذا انتقلت فيها عليك أن تصلي فيها  قصر لوسع مساحتها

    والذي يبلغ عدد سكانها اكثر من 20 مليون نسمة

    كيف لها ان تخلي نفسها وفورا ؟؟؟؟

    تصريح ترامب  الذي  جعل  سكان الكرة الارضية  تنتظر القادم  من قراره  حيث تبادر للبعض انه قادم على امر خطير ليس الدخول المباشرعلى الحرب فحسب بل الذهاب  الى استخدام السلاح النووي او على اقل تقدير توجيه ضربة مدمرة للمفاعل الايرانية  نطنز _القريبة على طهران وبالتالي

    التصريح الناري ذات ابعاد استخبارية فماذا اراد ترامب وماذا حقق

    1_ اراد استفزاز ايران للتعرض على القوات الامريكية  في المنطقة  وبالتالي حصوله على مبرر وذريعة  للدخول المباشر على خط المعركة  لكن الحكمة ورباطة الجأش للقيادة الايرانية فوت على ترامب ذلك

    2_ في تلك الليلة اعلنت ايران  عن توجيه ضربة نوعية مدمرة  للكيان من خلال موجه  صاروخية كان من المقرر لها  لاتقل عن 150 صاروخا فضلا عن الطائرات  المسيرة وكانت العملية بموجة  لا تتعدى 10 صولريخ متسللة لم تكشفها اجهزة الانذار الصهيونية

    3_ حاول ادخال ايران في ارباك لتخفيف وطآة الضربات  الايرانية  على العملاء ورفع معنوياتهم التي من خلالها قلبت ايران المعادلة حيث تبين أن رهان اسرائيل والامريكان كان ولازال على العملاء

    4_ نعم ان التصريح نوع من الضغط والحرب النفسية  لغرض سحب ايران الى المفاوضات ونزولها للشروط الامريكية

    5_ وهو الاهم _ تدرج الاعداء في رفع سقف اهدافهم من تفكيك المفاعل الى تجريد ايران  من الصواريخ الى اسقاط  النظام  ومن خلال هذه  التغريدة  اراد ترامب معرفة مكان السيد القائد روحي له الفداء سيما وان سماحته كان ولازال على قائمة المستهدفين  وبحسب تصريحات النتن وترامب

    6_ ورود معلومات عن هروب الكثير من المستوطنين  من اسرائيل عن طريق البحر باتجاه  قبرص واوربا  وان واحده من اهداف تصريح ترامب هو بث المعنويات في نفوس المستوطنين  المنهارة

    7_ الاشارة الى الدول السبع عن جدية  امريكا وترامب في حسم  قوة القوة التي تمتلكها ايران ويبدوا انه لاقى صعوبة في الحصول على تاييد او حشد وتحالف دولي بعمل عسكري ضد ايران

    8_ رفع جاهزية  قواته في المنطقة  المرعوبة من المصير المجهول الذي ينتظرها

    ويمكرون ويمكر الله

    والله خير الماكرين

  • لمصلحة من وقف إطلاق النار….؟

     

    مضى أربعة أيام على العدوان الأميركي- الصهيوني على الجمهورية الإسلامية، والتي يحاول ترامب التملص منها فيطرح نفسه وسيطاً ويدعو إلى وقف إطلاق النار والجلوس على الطاولة وإقامة السلام بين الحق والباطل بصفته قاضياً عادلاً ونزيهاً…!

    وتعزف عواصم الغرب معزوفة وقف إطلاق ومعارضة حصول إيران على سلاح نووي، وهي تعلم علم اليقين أنها لم ولن تفكر في ذلك، وإلا لحصلت عليه مع توفر الإمكانيات العلمية والتقنية والمادية منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي بين طهران ومجموعة خمسة زائد واحد رغم تشكيك منظمة الطاقة الذرية والتي تخضع للإملاءات الأميركية…!

    تحاول الإدارة الأميركية وقف إطلاق النار وفقاً لشروطها على قاعدة أن ايران خسرت الحرب، وعليه أن تقبل وتوافق على ما رفضته طيلة السنوات المنصرمة، ولكن ما لم توافق قبل الحرب لا يمكن أن تقبله تحت النار…!

    إن إصرار الإدارة الأميركية على ذلك، يؤكد أنها تورطت في حرب راهنت فيها على إسقاط النظام من خلال العملاء والخونة والخروقات في الداخل الإيراني كما فعلت في ليبيا والعراق وسوريا وغيرها في مختلف القارات والدول والحكومات، فتاريخ الولايات المتحدة يغص بإشعال الفتن والأزمات…!

    خمسة عقود متواصلة وطهران تواجه وتُفشل كل محاولات تغيير النظام الذي لم يتبع ولم يركع ولم يسجد الا لله سبحانه وتعالى ولا يستقوي الا بقدراته الذاتية وحضانة شعبه المؤمن والذي يرضى بالتضحية في سبيل الله ولا يبالي بالموت، فهو يتخذ من واقعة كربلاء واستشهاد الامام الحسين بن علي وأولاده واصحابه عليهم السلام نموذجاً ومنارة يُحتذى بها….!

    ينهض مما تقدم، أن وقف إطلاق وفقاً للوقائع والمعطيات في الميدان ليس لمصلحة الشعب الإيراني ولا لنظامه المتمثل بولاية الفقيه، الذي يشكل نموذجاً غير مسبوق في تاريخ الأمم حيث أصبح محط أنظار العالم في تشكل عالم جديد والحد من هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على المجتمع الدولي عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وقانونياً….!

    وعليه تطرح تساؤلات عدة منها:

    ١- لمصلحة من وقف إطلاق النار ؟

    ٢- هل تتجرع طهران السم كما حصل في الحرب العراقية الإيرانية بعد ثماني سنوات والآن بضعة أيام؟

    ٣- لماذا تصر واشنطن على وقف إطلاق النار ؟

    ٤- هل تخشى إدارة ترامب من تورطها المباشر من استمرار الحرب واشباع شهية نتن ياهو؟

    د. نزيه منصور

  • القدسُ وغزّةُ واليمنُ في جبهةٍ واحدة: الردُّ الإيراني يُشرِقُ من محورِ الوعيِ والنار

    { قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ… }

     

    عدنان عبدالله الجنيد

    كاتبٌ وباحثٌ سياسيٌّ مناهضٌ للاستكبارِ العالمي

     

     

    في زمنٍ تتشظّى فيه الخرائطُ وتسقطُ فيه الأقنعةُ، أثبتت المقاومةُ أنّ المعركةَ لم تعُد حبيسةَ الجغرافيا، ولا أسيرةَ القرارِ الرسميِّ المرهونِ في عواصمِ العمالةِ والتطبيع… بل باتت معركةَ أمّةٍ، وساحةَ تلاقٍ بين الوعيِ والدم، بين البصيرةِ والصاروخ، بين القدسِ وغزّة، وبين اليمنِ وطهران!

    إنَّ الردَّ الإيرانيَّ النوعيَّ على الاعتداءاتِ الصهيونيةِ لم يكن مجرّدَ إطلاقِ صواريخَ وطائراتٍ مسيّرة، بل كان إعلانًا صريحًا عن ميلادِ مرحلةٍ جديدةٍ في معادلةِ الردعِ والمواجهة، مرحلةٍ يتكاملُ فيها سيفُ طهران مع نارِ صنعاء، ويهدرُ فيها صوتُ الأمّةِ من غزّة حتى قممِ مران، ليصلَ رجعُ صداهُ إلى عُمقِ تل أبيبَ، حيثُ الملاجئُ تغصُّ بالمستوطنينَ الخائفينَ من بأسِ اللهِ النازلِ بأيدي المجاهدين.

     

    لقد جاءت الضربةُ الإيرانيةُ مدروسةً، منسّقةً، محمّلةً برسائلَ استراتيجيةٍ عابرةٍ للزمن والمكان:

    ● رسالةٌ للعدو: لسنا من نُستفزُّ ونصمت، بل من نُصيبُ ونتقنُ متى وأين وكيف نردّ.

    ● ورسالةٌ للحلفاء: أنتم في قلب المعركة، وظهورُكم مكشوفةٌ بظهورنا، وصدورُكم ممدودةٌ بصبرِنا ونارِنا.

    ● ورسالةٌ للأمّة: القدسُ ليست رمزيةً بل وجهةُ البوصلة، وغزّةُ ليست وحدها، واليمنُ ليس متفرّجًا بل فاعلًا في ميدانِ النار.

     

    طهرانُ تضربُ… وغزّةُ تستبشرُ:

     

    حينما دوّى دويُّ المسيّراتِ والصواريخِ فوقَ مواقعِ العدوّ، أدركت تل أبيب أنّ الحسابَ قد بدأ.

    فطوالَ الأشهرِ الماضية، اغتالت “إسرائيلُ” رموزًا من محورِ المقاومةِ في سوريا ولبنان وغزّة، وكان رهانُها أنَّ إيرانَ – المقيّدةَ بالعقوباتِ والضغوطِ – لن تُقدِم على التصعيد. لكنها فوجئت بردٍّ مباغتٍ أذهلَ حتّى حلفاءها في واشنطن، وردّدت الأوساطُ الصهيونيةُ عبارة:

    “نحنُ لم نعد نواجه غزّة فقط… بل نواجه محورًا موحّدًا يبدأ من إيران ولا ينتهي في صنعاء.”

     

    اليمنُ… اليدُ التي تُلهبُ الخاصرةَ الصهيونية:

     

    من صعدةَ وتعزَ والحديدةِ وصنعاء، كانت السُفنُ التجاريةُ الصهيونيةُ تُستهدَف، والمضائقُ تُغلق، وشرايينُ “إسرائيل” البحريةُ تُخنقُ بشعارِ “الموت لأمريكا… الموت لإسرائيل”. فاليمنُ – رغمَ الحصارِ والجراحِ – أثبتَ أنَّه مكوّنٌ رئيسٌ في معادلةِ النار، لا تابعٌ ولا هامشيّ.

     

    ومع الردِّ الإيرانيّ الأخير، ازدادَ التنسيقُ وتكاملَ الأداء، فالصواريخُ التي ضربت قواعدَ إسرائيلَ كانت تُراقَبُ من عيونِ اليمن، والتشويشُ الإلكترونيُّ والانذارُ اللاسلكيُّ والتشويشُ على الأقمارِ كان ضمنَ غرفةِ عملياتٍ مشتركةٍ تتكلمُ بالفارسيةِ والعربيةِ وتُصلّي نحوَ القدس.

     

     

    البصيرةُ التي سبقت الصواريخ:

     

    ليس الردُّ صاروخًا فقط… بل هو حربُ وعي، وحربُ سرديةٍ، وحربُ قرار.

    من طهرانَ إلى الضاحيةِ إلى صنعاءَ إلى بغدادَ ودمشقَ، خرجَ خطابٌ موحّدٌ يربطُ القدسَ بالوجودِ، ويصوغُ المعركةَ بمنظورِ وعدِ الله.

    وهنا تتجلّى الآيةُ الكريمة:

     

    { قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٖ مُّؤْمِنِينَ }

     

     

     

    فمن كان يظنُّ أنَّ صدورَ المؤمنينَ لن تُشفى؟

    ها قد بدأت تُشفى…

    بصاروخٍ من كرمانشاه، وبمسيرةٍ من مأرب، وبدعاءٍ من غزّة، وبدمعةٍ من القدسِ الأسيرة.

     

    الختام: من القدسِ يبدأُ العهد

     

    الردُّ الإيرانيّ الأخير، وما رافقه من عملياتِ الوعدِ الصادقِ ٣ في لبنان، وصواريخِ اليمنِ البحرية، لم يكن سوى مشهدٍ أول من الفصلِ القادم. فصلٌ عنوانُه: القدسُ هيَ المحور، والمقاومةُ هيَ الدولة، والأمّةُ باتت جبهةً واحدة.

     

    وإنَّ العدوَّ ليعلمُ – وإن أنكر – أنَّ ما بينه وبينَ الهزيمةِ مسافةَ قرارٍ أخيرٍ في طهران، وصاروخٍ خاطفٍ من صنعاء، وانتفاضةٍ من بينِ أزقّةِ غزّة، وفتيةٍ في الضفةِ لا يخافونَ الموتَ لأنهم يحيونَ بالوعد.

    بسم الله القاصمِ الجبارين، والناصرِ للمستضعفين…

    { قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٖ مُّؤْمِنِينَ }

     

     

    القدسُ وغزّةُ وطهرانُ وصنعاء… جبهةٌ واحدةٌ تُسقِطُ هيبةَ العدوِّ وتكسرُ عنجهيتَه.

     

    وفي مشهدٍ مزلزلٍ حُفِرَ في ذاكرةِ التاريخ، اندفعَ الردُّ الإيرانيّ، لا من طهرانَ وحدها، بل من قلبِ محاورِ الحقِّ مجتمعةً: من غزّةَ إلى صعدة، ومن قمّةِ دماوند إلى ميدانِ السبعين.

    ردٌّ لم يكن على هيئةِ صواريخٍ فحسب، بل كان سيلًا من وعيٍ وهُدى، ورسالةً بليغةً بلُغةِ الحديد والنار: إنَّ زمنَ الإفلاتِ من العقابِ قد انتهى.

    فحينَ اجتَرأ الكيانُ الصهيونيُّ على استهدافِ منشآتٍ نوويةٍ إيرانية، وعلى اغتيالِ علماءٍ وقادةٍ عسكريين، ظنًّا منه أنّ الهيبةَ تُصنعُ بالبلطجة، جاءه الردُّ مُجلجلًا على شكلِ طوفانٍ من الكرامةِ والسيادة، حامِلًا في طيّاته عباراتٍ ناريّةً كتبتها منظوماتُ المقاومةِ بالصواريخِ الدقيقة والطائراتِ المسيّرة.

    لقد استُهدفت القواعدُ التي كانت تُعرَفُ بـ”قلاع الردع”، فإذا بها تتحوّلُ إلى رمادٍ مُذلٍّ أمامَ تكنولوجيا الشرقِ المقاوم. وتمَّت إصابةُ مراكزِ القيادةِ كـ”الكريّا”، وضُربت مراكزُ التجسس، ومنشآتُ الذكاءِ الاصطناعي، وأجهزةُ التشويشِ والحربِ الإلكترونية.

    لم تَعُدْ هذه المراكزُ خنادقَ مُحصّنة، بل أهدافًا مباحةً في زمنِ الردعِ المبارك.

     

    ولم يكن اليمنُ غائبًا عن هذا المشهدِ البطولي. فقد أعلنَ السيّدُ عبدُ الملك بدرُ الدين الحوثي يحفظه الله ،بصوتٍ يصدحُ من قلبِ ميدانِ السبعين:

    “نحنُ شركاءُ إيرانَ في الموقفِ بكلِّ ما نستطيعُ، وما نملِكُ، وما نُقدِّمُ، من الكلمةِ إلى الطائرة، ومن المنبرِ إلى الجبهة.”

     

    فأيُّ شرفٍ أعظمُ من أن يقفَ شعبُ الإيمانِ والحكمةِ على جبهةٍ واحدةٍ مع الجمهوريةِ الإسلاميةِ في إيران، نصرةً لغزّة، وذودًا عن القدس، ودحرًا للصهيونية؟

    لقد جاءت مشاركةُ اليمنِ، لا كأمرٍ طارئ، بل كتجلٍّ صادقٍ لمنهجيةِ المشروعِ القرآني، الذي يعتبرُ أيَّ عدوانٍ على محورِ المقاومةِ عدوانًا عليه.

    فغاراتُ الطائراتِ المسيّرةِ اليمنية، والضرباتُ البالستيةُ القادمةُ من أقصى الجنوبِ العربي، كانت جزءًا عضويًا في هذه الملحمة، دكّت أهدافًا استراتيجيةً في النقب، وأربكت السلاحَ الجويَّ الصهيونيَّ الذي بات عاجزًا عن حمايةِ نفسه.

    ولم يكن الردُّ الإيرانيُّ فعلاً ارتجاليًا، بل استوفى شروطَ الردعِ السياسي والعسكري والمعنوي.

    فإيرانُ لم تضرب لكي تُسجِّلَ موقفًا، بل لتقولَ بصوتٍ جهور:

    “كلُّ مَن يعتدي على فلسطين، وعلى محورِ المقاومة، سيدفعُ الثمنَ، وإنْ بعدَ حين.”

     

    ولقد دفعت تل أبيب الثمن: شللٌ في البنيةِ التحتية، انهيارٌ نفسيٌّ في الداخل، ورُعبٌ جماعيٌّ دفعَ المستوطنين إلى الاختباءِ كالفئران.

     

    الخاتمة: الصاروخُ القادم نحوَ قلبِ المفاعل:

     

    ولنا موعدٌ قادمٌ… ليس مع البياناتِ الدبلوماسية، ولا مع مؤتمراتِ الشجبِ والاستنكار، بل مع الصواريخِ الارتجاجيّةِ الإيرانيّة التي ستُربكُ الأرضَ تحت أقدامِ الغزاة، وتزلزلُ قبابَ الرعبِ في تل أبيب، وتُوجّهُ البوصلةَ نحو الهدفِ الأثمنِ والأخطر:

     

    المفاعلُ النوويُّ الصهيونيُّ في النقب:

     

    إنهُ الوعدُ القادمُ… وعدُ البركانِ إذا انفجر، والحقِّ إذا انتصر، والقدسِ إذا نادت من تحتِ الركامِ: “هل من ناصر؟”

    فاستعدّوا يا أربابَ الحرب، يا قادةَ الاستكبارِ والدمار…

    فما بيننا وبينكم، صواريخُ لا تعرفُ الرحمة،

    وزمنٌ لا مكانَ فيه للضعفاء…

     

    والله غالبٌ على أمرهِ ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

  • السماء لم تعد تحمي الغطرسة ؟ سقط الشبح ، وارتفعت كرامة الشرق!

     

    شهدت ساحات الصراع الحديثة لحظة فاصلة، حين تمكنت الدفاعات الجوية الإيرانية من إسقاط طائرات الشبحبه أميركية F-35، التي لطالما اعتُبرت رمزًا للتفوق التكنولوجي الغربي وقدرته العسكرية المطلقة. لم يكن إسقاط هذه الطائرات مجرد حادث عسكري عابر، بل كان إعلانًا صريحًا عن سقوط وهم الهيمنة الأميركية وسقوط التفوق الغربي الأطلسي ما يعني هزيمة لطموحات الغرب في المنطقة.

    فالطائرة الشبح F-35 تعتبر إحدى أعقد وأغلى الطائرات الحربية، بتكلفة تصل إلى 110 ملايين دولار، ومزودة بأنظمة متطورة تهدف إلى تشويش أقوى الرادارات في العالم. لكن قدرة إيران على حل لغز هذه الطائرات وإسقاطها أثبتت أن لا شيء مستحيل أمام الإرادة والتخطيط الذكي. بعدما

    شهدت المواجهات الأخيرة تصاعدًا في الأحداث، أشارت فيها تقارير متعددة لنجاح دفاعات إيران في تدمير طائرات التجسس وطائرات الشبح في أكثر من مناسبة، ما أثار موجة من القلق داخل أروقة البنتاغون وأوساط الغرب. حيث نقل عن أحد الضباط السابقين في الجيش الأمريكي اعتراف في مقابلة خاصة قائلاً: “لقد فقدنا السيطرة على مفهومنا للتفوق الجوي في هذه المنطقة، فإيران لم تعد خصمًا يمكن الاستهانة به”.

    وليس هذا الحادث الأول الذي يهز صورة الصناعة العسكرية الأمريكية فقد شهد العالم مواقف مماثلة، مثل تدخل الرئيس ترامب لوقف الحرب الهندية-الباكستانية بعد إسقاط طائرات الميراج المتطورة في مواجهتها مع الطائرات الصينية، وهو ما شكل ضربة موجعة للصناعات الغربية.كما لا يمكن تجاهل أن إيران طورت منظومات دفاعية متقدمة، مثل “باور 373” و”خرداد 15″، التي أثبتت قدرتها على كشف وتعقب الطائرات الشبح، مفسحة المجال أمام تحولات استراتيجية عميقة في موازين القوى ما يؤدي لاعتبار عملية نجاح إسقاط قاءفات الشبح الاميركية ليس مجرد خسارة عسكرية ومادية أو تقنية، بل هي تحول عميق في موازين القوى، يفرض على الولايات المتحدة إعادة النظر في استراتيجياتها، وربما يدفعها لطلب العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران التي صمدت رغم كل الضغوط والتحديات. لكن بشروط إيرانية

    بعد سقوط اهم نقاط التفوق الأمريكية الذي لا يمكن التعامل معه أنه إسقاط لطائرة، بل سقوطًا لمفهوم كامل عن التفوق العسكري الذي طالما اعتُبر من المسلمات على مستوى العالم وفي موازين الحروب .

    هذه اللحظة التاريخية تذكّر العالم بأن لا قوة تظل أبدية، وأن إرادة الشعوب وعزيمتها قادرة على قلب الموازين. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، بصمودها وقدراتها، أظهرت أن الذكاء والتخطيط والمثابرة تفوق أحيانًا كل تقنيات وأموال العالم

    حتى في زمن تتصارع فيه القوى الكبرى تبقى فيه الحقيقة ثابتة: القوة الحقيقية ليست فقط في الأسلحة، بل في العزيمة التي لا تنكسر، وفي الحق الذي لا يُهزم. فلا تفخّروا بظل يسقط، فالشمس ستشرق دومًا من جديد على أمل الحرية والكرامة.

    وختامًا، نستذكر قول الله تعالى:

    *”وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.

     

    د.محمد هزيمة كاتب سياسي واستراتيجية مستشار في العلاقات الدولية

  • داعش: لعبة بيد من أم ذريعة؟ الدور التركي في ظل الأزمة الأمنية السورية

     

    بقلم يوسف حسن-

    في وقتٍ لا تزال فيه جراح تنظيم داعش في سوريا نازفة، تعود تحركات هذا التنظيم الإرهابي إلى الواجهة مجدداً، بالتزامن مع إعلان تشكيل «آلية تنسيق أمني مشتركة» بين تركيا وسوريا والأردن. خطوة لا تبدو في ظاهرها مكافحة للإرهاب بقدر ما تُعزز الشكوك بأن تركيا ترى في داعش أداة في لعبة نفوذها، لا تهديداً فعلياً.

     

    فالحكومة التركية، التي لطالما قدمت نفسها كطرف في الصفوف الأمامية لمحاربة داعش، تعلن اليوم عن آلية أمنية لا تشمل العراق، وهو الضحية الأولى والمستفيد الرئيسي من دحر داعش. غياب العراق هنا ليس مجرد هفوة دبلوماسية، بل انعكاس لخلافات استراتيجية في تحديد أولويات محاربة الإرهاب. العراق، ومعه الولايات المتحدة والأردن، سبق أن حذروا من سعي تركيا إلى استغلال شعار “محاربة داعش” لتبرير عملياتها ضد الأكراد، وخصوصاً قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحزب العمال الكردستاني (PKK).

     

     

    عملية في باكستان: قطعة من اللغز الإقليمي أم تشتيت للرأي العام؟

     

    اعتقال “أبو ياسر التركي” على الحدود الباكستانية ـ الأفغانية قد يبدو نصراً كبيراً لجهاز الاستخبارات التركي، لكن توقيت الإعلان ـ في ذروة تصاعد نشاط داعش في سوريا ـ لا يمكن أن يكون محض صدفة. فهل تحاول تركيا تضخيم التهديد الخارجي تمهيداً لتوسيع نفوذها العسكري في شمال سوريا والعراق؟

     

    الواقع أن التحركات التركية تترافق مع حملة إعلامية مدروسة: التركيز على النجاحات الاستخباراتية في الخارج، والتغاضي عن ذكر الدور المحوري لقوات قسد، أو التحديات القانونية في ملف معتقلي داعش. سرد انتقائي للحقائق يراد به تهيئة الرأي العام لخطوات توسعية.

     

     

    تحالف ضد داعش أم ضد الأكراد؟

     

    تشير مصادر دبلوماسية عراقية إلى أن تركيا سعت إلى ضم العراق ومصر والأردن لتحالف “ضد داعش”، لكن الهدف الحقيقي كان تطويق المكاسب الكردية في شمال سوريا والعراق. وهو ما قوبل برفض صريح من واشنطن وبغداد، وأدى في النهاية إلى تحجيم نطاق التحالف وتحويله إلى آلية مبهمة الأهداف.

     

    والأخطر أن قوات قسد، التي تحتجز الآلاف من مقاتلي داعش، أُقصيت من هذه الآلية رغم كونها الفاعل الميداني الأبرز في مواجهته. كيف يمكن الحديث عن مكافحة داعش مع تجاهل من يخوض المعركة الفعلية ضده؟ هذا التناقض يفتح الباب واسعاً للتشكيك في نوايا أنقرة السياسية.

     

    داعش والجولاني: حرب بالوكالة جديدة تلوح في الأفق؟

     

    في موازاة ذلك، تكشف تصاعد التوترات بين داعش وهيئة تحرير الشام بقيادة الجولاني عن ملامح انقسام أمني جديد في سوريا. تنظيم داعش أعلن صراحة أن “دولة الجولاني” غير شرعية، ودعا المقاتلين إلى التخلي عنها.

     

    هذه الرسائل تنذر بحرب داخلية وشيكة بين الفصائل الجهادية، وتُشير إلى احتمال إعادة رسم خريطة السيطرة في شمال سوريا. ما يبدو خلافاً عقائدياً بين “التوحيد” و”الديمقراطية”، قد يكون في الحقيقة معركة نفوذ إقليمية بغطاء ديني.

     

    الكلمة الأخيرة: جغرافيا الإرهاب… ملعب السياسة؟

     

    تركيا تمارس سياسة مزدوجة: تقدم نفسها شريكاً موثوقاً في مكافحة الإرهاب أمام الغرب، لكنها في الخفاء تستثمر في هذا الإرهاب لتحقيق طموحاتها الجيوسياسية. داعش، كما في السابق، مجرد ذريعة: ذريعة لوجود عسكري دائم، لتغيير ديموغرافي، لقمع الأكراد، وللمساومة مع الغرب.

     

    ويبقى السؤال المفتوح: هل يقع المجتمع الدولي مجدداً في فخ “مكافحة الإرهاب المصمم على مقاس أنقرة”؟ أم أن داعش هذه المرة لن يكون فقط عدواً مشتركاً، بل مرآة كاشفة لهوية الفاعلين الحقيقيين في زعزعة استقرار الشرق الأوسط؟

زر الذهاب إلى الأعلى