• لا تسخين ولا تبريد والود متبادل…!

     

    اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي والخطابات السياسية وساد الهرج والمرج وتحركت المنصات أن الأمور تتجه نحو أزمة سياسية تفرمل البلد وتعطل المعطل وتطفئ بصيص الأمل بالفرج….!

    وإذ بالوزير الاول نواف سلام ومن على منبر عين التينة يعلن أن لا تسخين ولا تبريد وليس لدينا نشرة جوية ويرحب بالحاج محمد رعد، وأن الود قائم، ويضيف أن بيته والسراي الحكومية مفتوحين لاستقبال الحاج والحزب ساعة يريدون، كما أوضح أن ما نُقل إلى الرئيس بري حكي مش مضبوط وأن ما تحدث به عن السلام مشروط بإقامة دولتين في فلسطين المحتلة وهو ملتزم بالإعمار…!

    ورداً على الود بالود رحب الحاج محمد رعد عبر قناة المنا.ر بالدعوة وأعلن تلبيتها وسيحكي ما فيه مصلحة البلد…!

    ينهض مما تقدم، أن النوايا طيبة من قبل الأفرقاء لكن اللغة العربية حمالة أوجه، كل واحد يفسرها على هواه، ويغلب سوء الظن مخالفين الآية الكريمة: يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ. وحتى لا تتكرر هذه الهيصة يقتضي العمل بالآية الكريمة المذكورة أعلاه…!

    وعليه تثار تساؤلات عدة منها:

    ١- لماذا تشتعل الجبهات عند أي تصريح من هنا أو من هناك؟

    ٢- هل سوء الظن هو القاعدة أم حُسنه؟

    ٣- هل ما صرح به الرئيس سلام مجرد كلام؟

    ٤- هل السلام قادم وفقاً للمبادرة العربية    التي دعت إلى إقامة دولتين؟

    د. نزيه منصور

  • بين أورتاغوس وتوماس براك السياسة واحدة

    بقلم الكاتب نضال عيسى

     

    غريب أمر اللبنانيين الذين يصبحون خبراء عند كل حدث. ومحللين عند تعيين مبعوث جديد دون الرجوع للأرشيف؟

    لقد فرشوا الأرض زهوراً لأستقبال ملكة جمال البرتقال مورتان أورتاغوس مهللين لجمالها الخارجي وغير مدركين لحقدها الداخلي الذي تلائم مع مَن يقف بوجه المقاومة فرأى فيها (المخلص) من سلاح الحزب وبدأت فرق (تمسيح الجوخ) بتسليمها التقارير عن واقع لبنان المأزوم نتيجة وجود المقاومة (من وجهة نظرهم طبعا”)

    استكمالا” للأنبطاح أكثر امام الإدارة الأميركية الجديدة

    ما زاد من حماستها الحاقدة وخرجت عن أصول الدبلوماسية وعبرت عن دفاعها لإسرائيل بوقاحة، فقط لأنها رأت هؤلاء اللبنانيين الذين أستقبلوها قد عبدوا الطريق أمامها فكانت مهمتها أكثر سهولة نتيجة تخاذلهم بحق مَن يفترض أن يكونوا أبناء بلدهم؟

    فأخرجت للعلن ما كان يجب وحسب تعليمات إدارتها أن يكون سريا” ما يحصل عند لقاء المعارضين للمقاومة ظنا” منها بأنهم يستطيعوا تغيير الواقع خصوصا” بعد وقف إطلاق النار، فكانت النتيجة فشل دبلوماسي كبير لها وفضيحة أكبر للقوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع الذي كان (عراب) التحريض على الثنائي الوطني أمامها ومن خلال الأبواق التي يطلقها على القنوات الإعلامية.

    لقد تأكدت الإدارة الأميركية فشل مبعوثتها للبنان وقررت أستبدالها بعد اللقاء الثاني مع خصوم حزب الله في لبنان وتصريحها الشهير وحملة الترحيب بكلامها من قبل القوات وفريقهم، ولكن عندما حدد اللقاء مع دولة الرئيس نبيه بري وضع النقاط على الحروف وخرجت من عين التينة مدركة بأن لبنان لديه مقاومة عسكرية ومقاومة سياسية وحاضنة شعبية لا يمكن لأي دولة التأثير عليها

    فقررت الإدارة الأميركية تغيير أورتاغوس وتعيين البديل؟

    وهنا على مَن كان يهلل لها أن ينتبه جيدا” وعلى المؤيدين للمقاومة أيضا” أن لا يفرحوا كثيرا” فالبديل لا يقل حقدا” عنها وهو يملك الخبرة الدبلوماسية والحنكة في هذا المجال وبالتالي هو ينفذ تعليمات إدارته المؤيدة بشكل كامل للعدو الإسرائيلي

    فالبديل (توماس براك) هو صديق شخصي للرئيس الأميركي ترامب وهو السفير الأميركي لدى تركيا وهو المبعوث الخاص لسورية.

    من هنا يجب أن نعلم بأنه يملك معلومات كبيرة عن الشرق الأوسط وبالتالي هو يفاوض بشكل مباشر الإدارة السورية الجديدة وهذا يكفي لنعلم حجم الحقد الذي يملكه تجاه المقاومة

    وفي كل الحالتين لا نستطيع إلا أن نصف مَن يقف مع الإدارة الاميركية في مطالبها بنزع سلاح المقاومة إلا بفاقدي الكرامة فهم أنفسهم الذين يفرشون الورود أمام مَن يكون مبعوثا” أميركيا للبنان ويعتبرون أنفسهم سياديين

    كانوا ينحنون أمام غازي كنعان

     

    وقال سيادة قال….

     

    نضال عيسى

  • صراع الأيديولوجيا والتكنولوجيا…!

     

    عرف النصف الأول من القرن الماضي حتى ما قبل القرن الواحد والعشرين، حضور الفكر الأيديولوجي خاصة الفكر القومي والأممي والديني، ونشأت منظمات وأحزاب هنا وهناك استقطبت عنصر الشباب والشابات. وما كاد ينتهي القرن العشرين في العقد الأخير، حتى بدأت التكنولوجيا تطل برأسها في تطور هائل، فجهاز الكمبيوتر الذي كان حجمه ضخماً جداً تحوّل إلى محفظة، ووسائل التواصل بدءاً من الخليوي وأخواته تطوّرت، حيث سيطرت التكنولوجيا وأزالت الحواجز بين الأفراد والجماعات وسهّلت المعاملات وألغت التعقيدات الإدارية في مختلف دول العالم باستثناء العالم المتخلف، وحدّت من الفساد وضاعفت التواصل الاجتماعي والعملي، وقصّرت المسافات وحجّمت من استخدام الورق وتحوّل العالم إلى جهاز لا تتجاوز مساحته مساحة الكف الواحد ….!

    ينهض مما تقدم، أن الأيديولوجيا تراجعت وتقدمت التكنولوجيا على الساحة الدولية، وكادت تتحكم في الأيديولوجيا وتحركها وفقاً لمصالحها، وفرّعتها إلى تنظيمات وعصابات تتناحر فيما بينها وفقاً لإرادة التكنولوجيا، حتى برز الذكاء الاصطناعي كلاعب أول في كل المجالات وتعطل الفكر البشري الذي اعتمد التقنية في كل صغيرة وكبيرة، كل ذلك حصل في أقل من ثلاثة عقود….!

    وعليه تطرح تساؤلات عدة منها:

    ١- هل انتهى عهد الأيديولوجيا إلى غير رجعة؟

    ٢- إلى أين يتجه العالم في ظل هيمنة التكنولوجيا؟

    ٣- هل يمكن المزج بينهما وإيجاد حالة توازن تخدم البشرية؟

    ٤- ماذا حقق الفكر الايديولوجي للإنسانية؟

    د. نزيه منصور

  • تظاهرة في دمشق رفضا للتطبيع واستنكرا لجرائم الاحتلال

    شهدت ساحة الحجاز في قلب العاصمة السورية دمشق، الأربعاء، وقفة شعبية احتجاجية شارك فيها عدد من المواطنين، احتجاجًا على تداول البضائع المرتبطة بـالاحتـلال الإسـرائيلي، ومطالبة الجهات المعنية بتفعيل حملات المـقاطعة، ورفض التطبيع مع الاحتلال، القائم على سلب السوريين حقهم في أرضهم ووعيهم.رفع المشاركون خلال الوقفة أعلام سوريا وفلسطين، في تأكيد رمزي على وحدة الموقف الشعبيّ تجاه القضايا القومية، ورفض أي شكل من أشكال التطبيع، كما حمل المتظاهرون لافتات تحذر من التعامل مع شركات يثبت تورطها في دعم الاحتـلال بشكل مباشر أو غير مباشر، وتضمنت الفعالية توزيع بروشورات توعوية بخطر تداول البضائع وكذلك تمرير التطبيع، وأكّد المشاركون الذين رفعوا لافتات حملت عبارات “لا تصالح ولو منحوك الذهب، أترضى أن تدفع ثمن أشلاء أطفال غزة؟، وقاطع قاوم قاتل”، رفضهم لتطبيع العلاقات مع كيان العدو، مشيرين إلى أن سوريا اليوم تتعرض للاحتلال وهذا استنساخ تام لتجربة غزة، وكذلك لبنان، لأننا نقاتل عدو واحد لا يرتوي إلا من الدّم ولن يرضى بأقل من إفناء وجود العرب وكل رافض للمشروع الصهيوني.ويأتي ذلك في وقتٍ التقى فيه الرئيس السوري الشرع مع الرئيس الامريكي ترامب، حيث طالبه الأخير بمدّ جسور تواصل مع “إسرائيل”، والانخراط في اتفاقات “أبراهام” التطبيعية، على خلفية إقرار رفع العقوبات.وكانت وكالة “رويترز” قد ذكرت، أن سوريا و”إسرائيل” أجرتا في الأسابيع القليلة الماضية لقاءات مباشرة بهدف تهدئة التوتر والحيلولة دون اندلاع صراع في المنطقة الحدودية بين الجانبين.وهذه التطورات خلقت قلقا لدى الشعب السوري الذي يرفض التطبيع مع الكيان الصهيون

  • قمة أم جمعية…!

     

    انعقد في عاصمة الرافدين مؤتمر قمة عربية تحت شعار: (الحوار والتضامن والتنمية) في دروتها الرابعة والثلاثين على مدى بضع ساعات، في غياب معظم الرؤساء والملوك والأمراء، الذين تمثلوا بدرجة ثالثة وما دون، في ظل الأزمات التي تغص بالأمة من المحيط إلى الخليج والنزاعات فيما بينها، وتتقدم فلسطين الجرح النازف على مدى ثمانية عقود مع ذكرى يوم النكبة في الخامس عشر من شهر مايو ١٩٤٨….!

    تأسست جامعة الدول العربية سنة ١٩٤٥ من سبع دول عربية نالت استقلالها، لتلتئم مع كل عام وفي مؤتمرات استثنائية، ومن أهدافها التضامن العربي وحل الأزمات والخلافات والتعاون في كل المجالات. المؤسف أن كلمات المشاركين تفتقر إلى الحد الأدنى من طموحات أي عربي من المحيط إلى الخليج، وقد تمخض عنهم بياناً إنشائياً أقرب منه إلى بيان جمعية خيرية تتوسل أصحاب رؤوس الأموال لمساعدة الفقراء، والدم الفلسطيني ينزف مع شريكه اللبناني، وهذا يؤشر إلى عجز المؤتمرات عن تحقيق أي هدف من الأهداف التي ولدت من أجلها ويصح فيها قول المثل: تمخض الجبل فولد فأراً….!

    ينهض مما تقدم أن القمم العربية فشلت فعلاً ذريعاً منذ نشأتها حتى تاريخه، وخير دليل على ذلك هو حضور ترامب إلى الرياض والذي أمر بجلبهم وحاضر فيهم، وسددوا له فواتير الأمن والأمان عبر مبلغ ثلاثة آلاف وستمئة مليار دولار، بينما في مؤتمر بغداد تكرّم العراق

    بأربعين مليون دولار موزعاً بالتساوي ما بين لبنان وغزة لإعادة الإعمار، والعدو يستمر بالتدمير والقتل والتهجير، فأي مؤتمر هذا يستجدي المجتمع الدولي لوقف العدوان، مما يشجع العدو على المزيد من القتل والتدمير والتهجير ….!

    وعليه تثار تساؤلات عدة منها:

    ١- لماذا غاب معظم طرابيش الأنظمة وتمثلوا بوكلاء؟

    ٢- هل منظمة الجامعة العربية اسم على مسمى والأزمات تعم الوطن العربي؟

    ٢- لماذا هرول ملوك وأمراء مجلس تعاون الخليج للقاء ترامب؟

    ٤- لماذا لم يقرر المؤتمر مقاطعة الكيان وإلغاء التطبيع؟

    د. نزيه منصور

  • خارج النص

     

     

    كتب رياض الفرطوسي

     

    الذين يتحدثون عن الحقيقة وكأنها طائر حطّ على كتفهم، لا يدركون أنهم ربما يتحدثون عن شبحٍ لا يُرى إلا لمن فقد بصره بالبصيرة. ليس في العالم أكثر إغراءً من وهم المعرفة، وليس في العقل أكثر خيانةً من تلك اللحظة التي يظن فيها أنه بلغ منتهاه.

     

    في الأزقة الفكرية الضيقة التي تشكّل الذهن الجمعي، تُنصّب اللغة ملكة، وتُوكل لها مهمة مستحيلة: أن تُمسك بالماء بأصابع الكلمات. يراهن المثقف على المفردة كما يراهن الساحر على تعويذته، ويظن الكاتب أن صياغةً متقنة قد تكشف سرّ الإنسان، أو تضع الكون في جيب قميص. لكن هل تكفي اللغة لتقول الحقيقة؟ أم أنها، كما قال بول ريكور (فيلسوف التأويل الفرنسي، 1913-2005)، لا تملك سوى أن تلمّح، أن تشير، أن تدور حول المعنى دون أن تطاله؟

     

    كل من أمسك قلماً، وكتب بيقين جازم: “هكذا هو الإنسان”، ارتكب خطيئة فلسفية لا تُغتفر. الإنسان ليس وصفاً، ولا تعريفاً، ولا معادلة. إنه نهرٌ غامض يجري في ظلمة كثيفة، تغيره الحجارة، وتعيد تشكيله المنعطفات. ما تراه اليوم من شخص، ليس إلا ظلًا لما كان، أو ممرًا لما سيكون. أما أن تقول: “أنا أعرفك”، فتلك نكتة ثقيلة لا تُضحك أحداً.

     

    ربما كان زينون الإيلي (الفيلسوف الإغريقي، القرن الخامس قبل الميلاد) محقاً حين صنع مفارقاته ليؤكد أن الحركة وهم. فربما كذلك الحقيقة وهمٌ آخر، لكنها ضرورية لنمضي. نحن نحتاج إلى الظن كي نحيا، لكن كارثتنا تبدأ حين نرفعه إلى منزلة المطلق، حين نحول الرأي إلى يقين، والحدس إلى قانون، والانطباع إلى شريعة.

     

    وحدها العلوم الدقيقة يمكن أن تتحدث بلهجة حاسمة، لا لأن الحقيقة فيها واضحة، بل لأنها قابلة للقياس، قابلة للاختبار، قابلة للتكرار. أما في السياسة، والفن، والأخلاق، والعلاقات الإنسانية، فالحقيقة شجرة ذات ألف فرع، لا يجمعها جذر واحد. رأيٌ في باريس قد يكون تجديفاً في مكة، وابتسامة في كوبنهاغن قد تُعدّ إهانةً في كابول. فبأي ميزان نزن هذه الحقائق؟ ومن الذي يملك مفاتيحها النهائية؟

     

    كل سلطة، دينية كانت أم دنيوية، تهوى صناعة الأرشيف: تصنيف الناس، تغليفهم، ختمهم بختمٍ أحمر، ورميهم في رفّ مهجور. أرشفة الإنسان هي أولى خطوات نزع إنسانيته. كأنك تُجمّده في لقطة، وتقول: هذا هو، ولن يكون غيره. وهذا ما فعله الأنبياء الكذبة، وما فعله ضباط المخابرات، وما يفعله المحللون الذين يملأون الشاشات بإجابات أكثر من الأسئلة.

     

    المفارقة الساخرة أن أكثر الناس حديثاً عن الحقيقة، هم أقلهم تسامحاً مع تنوعها. يرفعون راية الصدق، ويقيمون المحاكم لمن يختلف معهم. هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن تأكيد أفكارهم، عن مرايا نرجسية تعكس وجوههم في هيئة منطق.

     

    الفيلسوف النمساوي فيتغنشتاين (1889-1951) قال مرة: “حدود لغتي هي حدود عالمي”. ولكن ماذا لو كانت لغتنا نفسها محدودة، معطوبة، مجازية؟ ماذا لو كانت اللغة قفصاً بديعاً لحقيقة هاربة؟ نحن لا نعيش في عالم المعاني الثابتة، بل في تردد الصوت، في ارتعاش الصورة، في الهامش، لا المتن.

     

    ولذلك، حين يقول لك أحدهم إنه يعرف نواياك، أو يحكم عليك من جملة قلتها، أو موقف بدر منك، تذكّر أن هذا اختزال ظالم، وأنك لست لقطة من كاميرا مراقبة، بل كائن يتغير بتبدّل الضوء، والحرارة، والذاكرة، والخوف، والحنين، والنوم.

     

    ما الحقيقة إذاً؟ لعلها ليست شيئاً يُمتلك، بل فضاء يُسكن. ليست معادلة تُحل، بل علاقة تُكتشف. كما قال جاك دريدا (فيلسوف التفكيك الفرنسي، 1930-2004): “الحقيقة ليست جوهراً، بل حدث”. حدثٌ متكرر، ملتبس، هشّ، مثل لحظة البكاء دون سبب، أو القشعريرة حين تسمع صوتاً يذكّرك بمن تحب.

     

    فلنكفّ عن اليقين، لا لأنه لا وجود له، بل لأن ادعاء امتلاكه هو أول طرق العمى. ولنعد إلى التواضع الجوهري في المعرفة، حيث الحقيقة ليست نهاية، بل بداية، حيث الكلمة ليست نهاية الطريق، بل أولى خطواته المرتبكة.

     

    في عالمٍ يُصاغ على المقاسات، وتُفصّل فيه النفوس على مزاج المجتمع، تذكّر أن أجمل ما في الحقيقة أنها لا تنام في السرير نفسه كل ليلة، ولا تدخل من الباب نفسه، ولا تُعرّف بالمصطلحات. إنها مثل الحب، مثل الموت، مثل الشعر: تُرى أكثر مما تُقال.

  • عشر هزائم استراتيجية لحكومة ترامب

     

    الكاتب: د. سامی الکاظمی

     

    واجهت حكومة دونالد ترامب سلسلة من التحديات والإخفاقات في مجالات متعددة. فمن السياسات الخارجية إلى القضايا الداخلية، لم تسهم إجراءات ترامب في تحسين وضع الولايات المتحدة، بل أدت في كثير من الأحيان إلى إضعاف مكانتها.

     

    ١. الفشل في اليمن:

    لم تؤدِ الهجمات العسكرية الأمريكية على اليمن بقيادة ترامب إلى تقليص قوة الحوثيين. ووفقاً للتقارير، تسببت هذه الهجمات في مقتل مدنيين وزيادة التهديدات ضد المصالح الأمريكية.

     

    ٢. أزمة غزة:

    أدى دعم ترامب للإجراءات العسكرية الإسرائيلية في غزة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ولم يتمكن من الوفاء بوعوده لإنهاء الحرب.

     

    ٣. حرب الرسوم الجمركية:

    واجهت السياسات التجارية لترامب مقاومة من دول مثل الصين والمكسيك، وفي النهاية اضطرت الولايات المتحدة إلى التراجع في بعض المجالات.

     

    ٤. التوتر مع الجامعات:

    أثار قرار ترامب بقطع التمويل عن الجامعات المرموقة موجة احتجاجات في الأوساط الأكاديمية الأمريكية، مما أدى إلى إضعاف المؤسسات التعليمية.

     

    ٥. الاحتجاجات الشعبية:

    أدت إدانات ترامب في قضايا قضائية إلى موجة من الاحتجاجات في جميع أنحاء الولايات المتحدة، مما عكس استياءً عاماً من سياساته.

     

    ٦. الخلافات الداخلية:

    أثرت الانقسامات العميقة داخل حكومة ترامب وخلافاته مع مؤسسات الحكم الأخرى على كفاءة الحكومة وأعاقت اتخاذ القرارات الكبرى.

     

    ٧. القضايا القضائية:

    يواجه ترامب عدة قضايا قانونية، من بينها الإدانة بتزوير السجلات التجارية.

     

    ٨. الحصانة الرئاسية:

    منحت المحكمة العليا الأمريكية ترامب حصانة واسعة عن أفعاله الرسمية، مما أثار مخاوف بشأن مساءلة الرئيس.

     

    ٩. العزلة الدولية:

    أضعفت السياسات الأحادية لترامب علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها الأوروبيين، مما أدى إلى تراجع نفوذها العالمي.

     

    ١٠. التوترات الدبلوماسية:

    أدت تهديدات ترامب لدول مثل كندا والمكسيك والصين إلى توتر العلاقات الدبلوماسية الأمريكية وتقليص دورها الدولي.

     

    فی النهایة، واجهت حكومة ترامب سلسلة من الهزائم والتحديات التي لم تُحسّن وضع الولايات المتحدة، بل ساهمت في تدهوره. ومن السياسات الخارجية إلى الشؤون الداخلية، فإن سياسات ترامب تتطلب مراجعة وإصلاحات جذرية.

  • الشيعة بيضة القبان…!

     

    أثبتت الطائفة الشيعية أنها رحى الوطن وحصنه الحصين وسده المنيع مع كل استحقاق وطني، رغم الإساءات والاتهامات والتهديدات، ولنا في الاستحقاق الرئاسي والوزاري والبلدي شهود حية حيث فشلت كل المراهنات المحلية والخارجية في الحؤول دون وصول جوزيف عون إلى بعبدا وملء الفراغ الرئاسي، لأن من سار معه بضغط أميركي لم يكن يتوقع تبنيه من الثنائي،  وبالتالي يحققون ما يريدون من دون غضب الأميركي وأتباعه. فقد تم التفاهم معه على آلية العمل وتدوير الزوايا في كل الملفات، ومنذ انتخاب عون صارت الأمور على ما يرام. وفي الاستحقاق الحكومي كان التعاون واضحاً وجلياً من خلال اختيار أعضاء الحكومة من الطائفة الكريمة بمعايير دقيقة، وكذلك الأمر في البيان الوزاري حتى نيل الثقة…!

    وما يجري الآن من استحقاق بلدي وخاصة في العاصمة بيروت وعقدة التمثيل المسيحي بين أكثرية مسلمة وأقلية مسيحية من الناخبين وموضوع المناصفة…!

    لحفظ التوازن يجهد الثنائي لتحقيق المناصفة، رغم الهامش الواسع مع قوى مسيحية تخاصم وتشهّر بالمقا.ومة وسلاحها وتتناغم مع توجهات العدو، مع ذلك تتعالى عن الأحقاد والخلافات السياسية وتكرس الوحدة الوطنية وخاصة في العاصمة بيروت..!

    راهن البعض على فك اللحمة بين المقا.ومة وأهلها من خلال الاستحقاق البلدي والاختياري، وإذ بنتائج الانتخابات تسقط الرهانات وتؤكد أكثر من أي وقت مضى أن الوفاء لدماء الشهد.اء يضاعف من التمسك بالوحدة في مواجهة العواصف والرياح، أياً يكن مصدرها، وأن معظم البلديات فازت من دون منافسة، بينما على الجانب الاخر تناحرت الأحزاب والعائلات وتحالف الضد مع الضد وتفرّق الأنصار مع الأنصار والحليف مع الحليف وقس على على مختلف الساحات….!

    ينهض مما تقدم، أن الطائفة الشيعية وطنية بامتياز، وأن الحرب العدوانية التي شنّها العدو وقصفه لمختلف المناطق التي كانوا يتواجدون فيها وطالت عائلات وأشخاصاً لم تلوِ ذراعها، بل خرجت أكثر قوة، وأكدت أنها الدرع الواقي والحصن الحصين لنسيج الوطني اللبناني عند كل استحقاق، من دون مِنّة ولا جميلة من أحد،

    فهذا الأمر من المسلمات والبديهيات في الفكر الإسلامي والأنبياء والرسل والائمة الأطهار من الإيمان والارادة والتضحية..!

    وعليه تثار تساؤلات عديدة منها:

    ١- ما سر هذه الطائفة؟

    ٢- لماذا يُشهر البعض سلاح الخصومة؟

    ٣- هل سقط الرهان على فصل البيئة عن المقا.ومة؟

    ٤- هل أصابت أم أخطأت في تبني جوزيف عون وتأييد الحكومة؟

    د. نزيه منصور

  • ترامب ونتنياهو طلاق خَلعي أم إنفصال مؤقت؟ إسرائيل ككيان تبقى في وجدان أميركا

    كَتَبَ إسماعيل النجار

     

    ترامب ونتنياهو طلاق خَلعي أم إنفصال مؤقت؟ إسرائيل ككيان تبقى في وجدان أميركا،

    وقعت بينهم الواقعه وتدحرجت كرة الثلج إلى إن بلغت حجماً يُعجَز عن حمله، إذ تشير المصادر إلى وجود خلافات متزايدة بين الرئيسين الحليفين حيث يشعر ترامب بخيبة أمل من نتنياهو وقرر التحرك في قضايا الشرق الأوسط دون التنسيق معه بعدما تمادَىَ النتن بضروب جنونه في فلسطين وحولها، فتدهور العلاقة الشخصية بين الرجلين مع تبادل مشاعر الإحباط، واعتقاد ترامب أن نتنياهو يتلاعب به، وهو ما يثير غضبه،

    الخلاف بينهما يتركز على اختلاف الرؤى الاستراتيجية، حيث تسعى واشنطن إلى مفاوضات مع إيران وتهدئة الأوضاع في غزة، بينما تتصرف تل أبيب بعدوانية تجاههم واتجاه لبنان وسوريا وتعارض بعض الاتفاقات التي لا تخدم مصالحها السياسية، وعدم إطلاعها على تفاصيل اتفاق الهدنة مع الحوثيين أثار غضبها، الأمر الذي إنعكس توتراً بين الطرفين،

    خيبة أمل ترامب من نتنياهو تتركز على عدم وفائه بوعوده واتخاذ قرارات حاسمة بملفات التطبيع مع الدول العربية، ورفضه دعم خطوات أمريكية سلمية ضد إيران، لذلك زيارة ترامب المرتقبة للشرق الأوسط لن تشمل إسرائيل، ما يعكس تراجع التنسيق بينهما إلى الدرجة صفر، والخلافات تعكس توتراً استراتيجياً بين واشنطن وتل أبيب، حيث ترى واشنطن أن استمرار مصالحها في المنطقة يتطلب تغييرات في الحكومة الإسرائيلية، بينما تحاول تل أبيب تأجيج التوترات لمنع واشنطن من المضي قدماً بدونها.

    باختصار الخلاف بين الرجلين يتجلى في تباين في الاستراتيجيات الإقليمية، وفقدان الثقة، وغياب التنسيق في ملفات حيوية مثل إيران، وغزة، والتطبيع مع الدول العربية، هذه الأمور أدَّت إلى قطع الاتصال الذي سيؤثر إيجاباً على السياسات الأميركية في الشرق الأوسط وترامب يعتزم المضي قدماً في خطوات إقليمية دون انتظار أو تنسيق مع إسرائيل، ما يعني تحرك واشنطن بشكل مستقل في ملفات مثل وقف إطلاق النار في غزة أو التعامل مع الحوثيين، رغم عدم رضا تل أبيب.

    تهميش إسرائيل هذا في صنع القرار الأمريكي يقلل من تأثير نتنياهو على السياسة الأميركية، ويعكس رغبة ترامب في فرض رؤيته الخاصة للشرق الأوسط بعيداً عن المساومات الإسرائيلية. في هذه الأحوال إن فقدان التنسيق بين الطرفين قد يؤدي إلى تنفيذ طروحات أميركية أحادية الجانب وفرضها كواقع، بالتالي قطع الاتصال مع نتنياهو يعكس أزمة ثقة وتبايناً في المصالح، ويجعل السياسات الأميركية أكثر انفرادية في المنطقة، مع احتمال تصاعد التوترات بين واشنطن وتل أبيب حول الملفات الحساسة، هذه المسألة دونها مخاطر ونتائج وخيمة على تل أبيب من قِبَل واشنطن، مثل إتخاذ إجراءآت بوقف الدعم العسكري حالياً، وتوقف أميركا عن الدفاع عن سمعتها السيئة عالمياً، وفرض عزلة دولية من حولها، وربما تكون هناك قَبَّة باط أميركية لتصعيد إقليمي ضدها من قِبَل إيران وحزب الله وحماس قد تؤدي إلى حرب إقليمية أوسع، وتؤثر داخلياً على المجتمع الإسرائيلي وعلى أمنهِ، أيضاً،، التوتر الحاصل بينهما هو عنصر قوة لإعداء إسرائيل وقد يؤثر على أمنها القومي وعلى التنسيق الأمني والأستراتيجي، ويؤثر على قدرة إسرائيل على مواجهة التهديدات الإقليمية في ظل ما تعانيه من اليمن.

    تغيير أولويات واشنطن هذه الأيام سببها أن إدارة ترامب وجهت التركيز على إعادة بناء غزة بعد الحرب ودعم جهود السلام مع الفلسطينيين، بينما إسرائيل تعارض هذا التوجه، ما يزيد من الخلافات ويؤثر على الدعم الأمريكي المستقبلي لأمن إسرائيل.

     

     

     

  • طاولة أنقرة

     

    كتب رياض الفرطوسي

    في الثامن من أيار 2025، انعقدت الطاولة التي انتظرتها الجغرافيا وراقبتها الخرائط، بين بغداد وأنقرة، حيث جلس رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قبالة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لا ليخوضا حديثاً بروتوكولياً عابراً عن العلاقات الثنائية، بل ليرسما، بحبر الواقع وضرورات المستقبل، ملامح شراكة استراتيجية تتجاوز حدود الدولة التقليدية إلى فضاء الدولة المتفاعلة مع محيطها بتوازن وتدبير. كانت الطاولة أكثر من مجرد اجتماع رفيع المستوى ضمن “مجلس التعاون الاستراتيجي التركي-العراقي”، لقد كانت لحظة اختبار للنيات والإرادات في منطقة لا تعرف السكون إلا لتستعد للعاصفة.

     

    من مقر وكالة الأناضول في أنقرة، شارك الرئيس السوداني في برنامج خاص تناول فيه طبيعة العلاقة العراقية التركية، وسبر أعماقها الثنائية والإقليمية والدولية، في توقيت بالغ الدقة تتزاحم فيه الملفات، وتتقاطع فيه المسارات، وتتشابك فيه المصالح. اللقاء لم يكن لقاء علاقات عامة، بل محطة تحليل واستقراء لجملة من القضايا الشائكة التي تطوّق حاضر البلدين وتستدعي إعادة تعريف المفاهيم لا مجرد تبادل المجاملات الدبلوماسية.

     

    ما كان لافتاً في خطاب السوداني ومشاركته الإعلامية، أنه لم يأتِ بلغة المظلومية ولا بعُقد الماضي، بل بلغة المسؤولية والاستبصار. فالعراق الذي يمثّله السوداني اليوم ليس العراق المنهك الذي يسير بظلّ الغير، بل عراق يحاول إعادة تشكيل موقعه كرقم مستقل في معادلات الإقليم. لقد بدا الرجل وكأنه يحمل تفويضاً شعبياً ومؤسساتياً لفتح صفحة جديدة من الواقعية الاستراتيجية، لا تحتمل الازدواج ولا تُعفي أحداً من التزامات المرحلة.

     

    تم خلال اللقاء توقيع وثائق ثنائية مهمّة، يُفترض أن تفتح أبواب التعاون الاقتصادي، وتكرّس آليات تنسيق أمني وسياسي مستمر. وهذه الوثائق لم تكن أوراقاً للتصوير في نشرات الأخبار، بل نتيجة مشاورات امتدت لشهور، كان أبرزها اللقاء الأمني رفيع المستوى الذي عُقد في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في أبريل الماضي، وجمع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ونظيره التركي هاكان فيدان، في محاولة لتثبيت أسس تفاهم دائم بشأن قضايا مثل مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، واحترام السيادة، وتصفير المشاكل العالقة.

     

    ولعل من بين أبرز ما تجب الإشارة إليه هو تطور موقف العراق بشأن حزب العمال الكردستاني (PKK)، إذ صنفته بغداد في مارس 2024 كمنظمة محظورة، في خطوة اعتُبرت أول اعتراف رسمي بمشكلة مزمنة كانت تعيق التقارب العراقي-التركي. وعلى الرغم من أن العراق لم يصنّف الحزب حتى الآن كمنظمة إرهابية، إلا أن هذا التحول يشير إلى نضج في مقاربة الملف الأمني، من حيث الموازنة بين الاستقرار الداخلي، واحترام حقوق الأقليات، ومراعاة الأمن الإقليمي.

     

    أما على صعيد المياه، فقد شكّل هذا الملف تاريخياً مصدر توتر مزمن بين بغداد وأنقرة، إذ يرى العراق أن نهري دجلة والفرات نهران دوليان ينبغي أن يُحكم تقاسم مياههما وفق القانون الدولي، بينما تصرّ تركيا على وصفهما بأنهما نهران عابران للحدود، يخضعان لاعتبارات السيادة الوطنية. ومع ذلك، استطاع الجانبان في أبريل 2024 أن يتجاوزا هذا السجال التقليدي، بتوقيع اتفاقية استراتيجية بقيمة مليارات الدولارات لتحسين إدارة المياه، والتأسيس لمشاريع مشتركة في قطاع الموارد المائية، تكون سارية لعشر سنوات. وهي خطوة عُدّت تحوّلًا حقيقياً في نظرة البلدين إلى المياه، ليس كمصدر نزاع، بل كفرصة للتنمية المشتركة.

     

    هنا، يجب أن نقف عند فلسفة الرئيس السوداني في إدارة العلاقة مع تركيا. هو لا ينظر إليها من زاوية التبعية أو الاحتواء، بل من بوابة التعاون المتكافئ الذي يراعي مصالح الطرفين. العراق بحاجة إلى تركيا بوصفها دولة محورية في المنطقة، تملك النفاذ الاقتصادي والسياسي والجغرافي، وتركيا بحاجة إلى عراق مستقر يمكن أن يكون رئة تنفس في وسط إقليمي تختنق فيه المبادرات. ومن هنا، فإن السوداني لا يتعامل مع الملفات الساخنة مثل سوريا أو الحدود الشمالية أو المياه، بوصفها ألغاماً، بل بوصفها أسئلة مشتركة بحاجة إلى إجابات ثنائية.

     

    لقد عبّر فخر الدين ألتون، رئيس دائرة الاتصالات في الرئاسة التركية، بوضوح عن هذا المنحى الجديد، حين قال إن الزيارة ستناقش العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والعالمية، وستسفر عن توقيع وثائق تهدف إلى تعزيز التعاون. ولم تكن تصريحاته تجميلية، بل عكست فحوى الحوارات المعمقة التي جرت بعيداً عن عدسات الإعلام، والتي تناولت، من بين ما تناولت، المتغيرات السياسية في سوريا، والملف الفلسطيني، وتداعيات الحرب على غزة، التي باتت تختبر ضمير الإقليم وفاعليته وقدرته على صياغة موقف مشترك يتجاوز الشجب والبيانات.

     

    ما يميّز هذه الزيارة عن سابقاتها هو نضج اللحظة السياسية العراقية، وتقدّم رؤية السوداني بوصفه رجل دولة يعرف كيف يفاوض، ويُقدّر مصلحة بلاده دون أن ينزلق في خطاب التصعيد. فالعراق اليوم يعيش لحظة انتعاش تدريجي، تحاول حكومة السوداني أن تؤسس خلالها لتوازن جديد في السياسات الإقليمية، قائم على الحضور لا الانكفاء، وعلى الشراكة لا الارتهان.

    ومن اللافت أن اللقاء الأخير بين أردوغان والسوداني لم يكن الأول، فقد التقيا سابقاً في إسطنبول ونيويورك، مما يدل على وجود خط تواصل دبلوماسي مستمر، يعبّر عن تصميم مشترك لتجاوز الفجوات وتثبيت قواعد التفاهم. لكن لقاء الثامن من أيار في أنقرة كان الأهم، لأنه جاء بعد سلسلة من التفاهمات الأمنية، والاتفاقيات المائية، والتغيرات في الموقف العراقي من الملفات الإقليمية الحساسة.

     

    إن العلاقة العراقية التركية ليست خياراً تكتيكياً عابراً، بل قدر جيوسياسي تحكمه ضرورات التاريخ والجغرافيا. ومن هذا المنظور، فإن ما يجري اليوم بين بغداد وأنقرة ليس مجرد تحسين للعلاقات، بل محاولة لبناء معمار سياسي جديد يليق بثقل البلدين ودورهما في صياغة توازنات المنطقة. وإذا ما استمرت هذه المقاربة، فإن العلاقة الثنائية قد تصبح نموذجاً يمكن أن يُحتذى به في علاقات دول الجوار الأخرى، التي ما زالت تعيش على حواف الأزمات وتحت ظلال سوء الفهم.

     

    بقي أن نقول إن نجاح هذه العلاقة لا يُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى تفعيلها، وإعادة توطينها في مؤسسات الدولة، وفي سياسات الحكومة، وفي وعي النخبة والجمهور. وهنا تقع المسؤولية على حكومة السوداني في أن تُحوّل هذا الزخم إلى سياسات تنفيذية، وعلى الجانب التركي أن يترجم نواياه الإيجابية إلى خطوات ملموسة تحترم السيادة وتدعم الاستقرار.

     

    في النهاية، فإن طاولة أنقرة لم تكن خشبة حوار فقط، بل خشبة اختبار لما إذا كان بالإمكان تحويل التوتر إلى تفاهم، والماضي إلى مستقبل. وإذا ما استمرت هذه الروح، فقد نكون أمام ولادة شراكة إقليمية نادرة، في زمن يغلب عليه الاصطفاف والانقسام.

زر الذهاب إلى الأعلى