لبنان

  • «منطقة ترامب الاقتصادية»… محاولة أميركية لتفكيك لبنان عبر البوابة الجنوبية

    حسين مرتضى

     

     

    تتحرّك الولايات المتحدة مجدّداً على الساحة اللبنانية، هذه المرة عبر ما سُمّي بـ”المنطقة ترامب الاقتصادية” على الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة. المشروع الذي يُسوّق على أنه خطوة لإعادة إعمار وتنمية الجنوب، يحمل في جوهره أهدافاً أبعد بكثير من الجانب الاقتصادي، إذ يسعى إلى ضرب صميم معادلة الردع التي حمت لبنان لعقود، وإخضاعه لمعادلات أمنية وسياسية جديدة تخدم الكيان الصهيوني. فما حقيقة هذا الطرح؟ وكيف ينعكس على لبنان دولةً ومجتمعاً واقتصاداً؟

     

    أولاً: خلفيات المشروع وأبعاده

    المبادرة الأميركية تأتي بعد إخفاقات متكرّرة:

     

     

    الفشل العسكري في كسر المقاومة رغم الحروب المتكررة.

    العجز السياسي عن جرّ الدولة اللبنانية لمواجهة مباشرة مع حزب الله.

    انهيار “ورقة برّاك السابقة” التي عجزت عن جذب لبنان نحو نزع السلاح.

    من هنا، جاء الطرح الجديد كخطة معدّلة، تُقدَّم في ثوب اقتصادي استثماري، لكن مضمونها أمني ـ سياسي بامتياز. إذ يشترط نزع سلاح المقاومة مقابل انسحاب “إسرائيلي” محدود وضخ أموال خليجية لإعمار الجنوب.

     

    ثانياً: التأثير على السيادة اللبنانية

    المشروع يُدخل لبنان في مقايضة خطيرة: سيادته مقابل أموال مشروطة.

     

     

    الجيش اللبناني يُطلب منه لعب دور أمني مباشر ضدّ المقاومة، ما يعني تحويله إلى أداة داخلية بدل أن يكون مؤسسة وطنية جامعة.

    الحكومة اللبنانية تُدفع للتماهي مع الشروط الأميركية بذريعة “الحفاظ على الدعم الدولي”.

    القرار السيادي يصبح مرتهناً بالولايات المتحدة التي تحتكر مفاتيح التمويل والاستثمار.

    بهذا، يتحوّل لبنان من بلد حرّ تحميه معادلة المقاومة إلى بلد خاضع للابتزاز السياسي والاقتصادي.

     

    ثالثاً: التأثير على الاقتصاد اللبناني

     

     

    لبنان يعيش انهياراً مالياً غير مسبوق، مما يجعل أيّ وعود استثمارية مغرية للطبقة السياسية ولشرائح واسعة من الناس. لكن هذا الانفتاح ليس بريئاً:

    الأموال الموعودة ليست تنمية حقيقية، بل مشروطة بقرارات سياسية تمسّ جوهر الأمن الوطني.

    ربط الجنوب بمشاريع اقتصادية بوصاية أميركية ـ خليجية يعني تجزئة الاقتصاد اللبناني وجعل مناطقه خاضعة لإملاءات متناقضة.

    المشروع يحوّل الإعمار من حق طبيعي للشعب اللبناني إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي.

     

    رابعاً: الانعكاسات الاجتماعية والسياسية

    المشروع يستهدف النسيج الداخلي اللبناني:

     

     

    في الجنوب: يوجَّه مباشرة إلى أبناء المنطقة الأكثر تضرراً من الحروب، في محاولة لإيجاد فجوة بينهم وبين المقاومة، عبر تصوير السلاح كعائق أمام “الازدهار”.

    على المستوى الوطني: يفاقم الانقسام بين من يرى في المقاومة ضمانة للسيادة، ومن قد يُغريه الوعد بالاستثمارات.

    خطر الفتنة: عبر دفع الجيش أو بعض القوى السياسية إلى صدام مع المقاومة، بما يهدد السلم الأهلي.

     

    خامساً: التأثير الأمني والاستراتيجي

     

     

    وقف الضربات الإسرائيلية “غير الملحّة” ليس ضمانة للبنان، بل ذريعة لاستمرار العدوان متى شاء الاحتلال.

    تجريد لبنان من سلاح المقاومة يجعله مكشوفاً أمام الأطماع الإسرائيلية في المياه والغاز والأراضي.

    الجنوب سيتحوّل من قاعدة دفاعية متينة إلى منطقة رخوة قابلة للاختراق والتطبيع الأمني والاقتصادي.

     

    سادساً: خطر التطبيع الاقتصادي

    أخطر ما في المشروع أنه يؤسس لـ”تطبيع مقنّع”:

     

     

    قد يدخل المستوطنون الإسرائيليون إلى الأراضي اللبنانية بذريعة التبضع أو التجارة.

    الحدود قد تتحوّل إلى معبر تجاري يخترق السيادة الوطنية تحت لافتة “المنطقة الاقتصادية”.

    ذلك يضع لبنان في قلب عملية دمج قسري في الاقتصاد الإسرائيلي، بما يهدد هويته الوطنية ويكرّس التبعية.

     

    سابعاً: السيناريوات المستقبلية للبنان

     

     

    1 ـ في حال قبول المشروع:

    لبنان يخسر سلاح المقاومة، ويصبح مكشوفاً أمنياً.

    الجنوب يتحوّل إلى “منطقة رخوة” مرتبطة بالعدو.

    الاقتصاد اللبناني يزداد تبعية للخارج، وتتعزز الانقسامات الداخلية.

    2 ـ في حال رفض المشروع:

    سيستمرّ الضغط الأميركي المالي والسياسي، وربما يتصاعد.

    لكن لبنان يحافظ على معادلة الردع ويحمي حدوده وسيادته.

    المقاومة تبقى عنصر توازن، ما يمنع تحويل الجنوب إلى حزام أمني جديد.

    “المنطقة ترامب الاقتصادية” ليست خطة إنمائية، بل مشروع هيمنة جديد يستهدف لبنان في عمقه: سيادته، اقتصاده، ووحدته الداخلية. ما يُعرض كفرصة استثمارية هو في حقيقته محاولة لإعادة إنتاج الحزام الأمني القديم بوسائل ناعمة.

    لبنان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يرضخ ويخسر سلاحه وسيادته مقابل وعود زائفة، أو أن يتمسك بخيار المقاومة، الذي أثبت على مدى العقود أنه الضمانة الوحيدة لحماية الأرض والشعب.

    فالجنوب الذي تحرّر بالدم لن يُباع بالدولار، والمقاومة التي صانت لبنان من الاحتلال والفتنة، قادرة على إفشال كلّ محاولة لجرّه إلى مشاريع التبعية والتطبيع.

  • تسليم سلاح المنظمة وخفاياه…!

     

    فجأة ومن دون مقدمات، حضر ياسر عباس ابن أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية، وعلى مرأى من وسائل الإعلام، ليعلن عن تسليم سلاح حركة فتح إلى الجيش اللبناني بحضور ممثل المنظمة ابو عرب، مما أثار موجة من التساؤلات وردات الفعل بين مؤيد ومعارض وآخر ساخر متهماً كل من السلطة والحكومة، واعتبار ما حصل هو مجرد بروباغندا تهدف إلى إعطاء قرارات الحكومة الجدية وتنفيذ ما تقرر ومن دون أي تردد، وأنها ستكمل عملية سحب سلاح المخيمات بصرف النظر عن حامليه، سواء من جماعة منظمة التحرير أو من خارجها من الفصائل الفلسطينية غير المنضمة إليها سواء حما.س أو الجها.د وغيرها…!

    هذا الحدث دفع بفرقة (طبّل له وزمّر له) لاقتناص الفرصة وشن حملة على سلاح العزة والكرامة وسلاح التحرير الذي هزم العدو في ٢٥ أيار ٢٠٠٠ فاندحر يجر ذيله بين ساقيه خوفاً وراجياً عدم ملاحقته. في الجهة المقابلة في خطب الجمعة، أجمع معظم الخطباء من المسلمين بجناحيه السني والشيعي على التمسك أكثر من أي وقت مضى بهذا السلاح ورفض قرار الحكومة ودعوتها إلى العودة عن قرارها، خاصة بعد تسريب رد العدو على الورقة الأميركية بانتزاع أربع عشرة قرية وبلدة على طول الحدود اللبنانية ومنع إعادة إعمارها وعودة أهلها إليها، وبلغت اللهجة أن العدو لا يفهم إلا لغة القوة وأن الوعود الأميركية لا يمكن الرهان عليها وهي مجرد وعود عرقوبية تعتمد الكذب والمماطلة أسوة بالاعرابي عرقوب وأخيه…!

    ينهض مما تقدم، أن عملية سحب السلاح الفلسطيني سواء كان جدياً أو صورياً أمر له حيثياته وتفاصيله الخاصة والعامة ومدى فعاليته في الصراع مع العدو وانقسام فلسطيني فلسطيني بين السلطة والمعارضة من جهة والحكومة من جهة أخرى، ولا يمكن مقارنته بسلاح المقا.ومة في لبنان الذي شكّل درعاً واقياً وحصناً للبنان والورقة الوحيدة في الصراع مع العدو، وعلى الحكومة أن تستفيد منها في ظل اختلال موازين القوى في المنطقة واستفراد لبنان وفرض شروط العدو عليه ومنحه هبة نزع السلاح يشكل انتحاراً سياسياً وعسكرياً والعودة إلى ١٧ أيار المشؤوم الذي أسقط من قبل الشعب اللبناني بقواه الذاتية وقسّم الجيش اللبناني إلى فريقين، وخشية العودة إلى ذاك الزمن الأسود، على الجميع كيانات سياسية وحكومة اعتماد قاعدة جيش وشعب ومقا.ومة التي حصّنت البلد على مدى ربع قرن من الزمن والعمل على دعم الجيش حتى يصبح قادراً على تحصين لبنان والحؤول دون الاعتداء عليه، لا تركه أعزل ومستضعف يتصدق عليه بمئة دولار لكل فرد منه أو تمنينه بآليات عسكرية مرّ عليها الزمن وأكل الدهر عليها وشرب…!

    وعليه تثار تساؤلات عدة منها :

    ١- هل فعلاً تسليم السلاح مجرد عملية صورية؟

    ٢- هل سيصار إلى سحب السلاح من كل الفصائل وكل المخيمات ؟

    ٣- لماذا ارتفعت أصوات فرقة (طبّل له وزمّر له) وورد أمر اليوم؟

    ٤- هل الحكومة اللبنانية قادرة على تحرير النقاط المحتلة بقواها الذاتية وما موقفها من شرط العدو احتلال ١٤ قرية وبلدة؟

    د. نزيه منصور

  • مصر وقطر تضغطان على حما.س والعدو يقرر احتلال القطاع…..!

     

    مضى ٦٢١ يوم متواصلاً من القتل والتدمير والتجويع والتهجير على قطاع غزة، شمل الأطفال والنساء والشيوخ وكل الكائنات في البر والبحر والجو، دون أن يرف جفن لما يسمى بالمجتمع الدولي ممثلاً بمجلس الأمن، الذي كان من أولى أهدافه فرض وحفظ الأمن والسلم الدوليين، والمكبل بحق النقض للأعضاء الخمسة والتي تحتكره واشنطن في فرض إرادتها وفقاً لمصالحها….!

    فشلت جلسات وجلسات أممية وعربية وإسلامية في وقف إطلاق النار وبلسمة جراح وألم رضيع، والعدو يعربد ويزمجر ضارباً عرض الحائط كل الأعراف والمواثيق الدولية واتفاقياتها….!

    طبّعت أنظمة عربية مع العدو وعلى رأسها (أم الدنيا) مصر، وقطر منتدى أميركي بامتياز وعاصمة الاخوان بعد أنقرة، وأصبحت كل من القاهرة والدوحة مقراً للتفاوض بين الجاني والمجنى عليه، والشعب الفلسطيني يواجه باللحم الحي من فوق الأرض وتحتها، برعاية أميركية تارة بالمباشر وطوراً عن بُعد. ومع كل لقاء تصدر بيانات تفاؤل عن قرب وقف إطلاق النار والعدو غائب عن السمع، واللافت أن الإعلام العربي المأجور صاحب هذه الموجات الخلابية من التفاؤل، وآخر هبّة أن حما.س وافقت على المقترحات المصرية- القطرية بانتظار رد العدو، وإذ بالكابينت يعلن عن احتلال القطاع وأن الجيش أعد خطته واستدعى الآلاف من الاحتياط للاجتياح وتهجير الشعب المهجر أصلاً…!

    ينهض مما تقدم، أن كل من القاهرة والدوحة في وادٍ، والعدو يكمل جرائمه متجاهلاً مقترحات أصدقائه العرب ومستغلاً ذلك في الضغط على أبطال ومجا.هدي فلسطين، كما أن المجتمع الدولي بأمه وأبيه يعتمد سياسة الثرثرة وحقوق الانسان ببيانات خجولة لا تسمن ولا تغني من جوع، وسيدة العالم واشنطن تعالج مصالحة بوتين وزيلنسكي والرحمة والمغفرة لضحايا الجانبين واسم الصليب عليهم، وعلى موعد لاحق مع الجولاني ونتن ياهو بعد انجاز الطبخة المسمومة في المطبخ الفرنسي والطباخ أميركي…!

    وعليه تثار تساؤلات عدة منها:

    ١- ما هو موقف كل من مصر وقطر من رفض العدو وتقرير احتلال غزة؟

    ٢- لماذا الضغط على حما.س وتجاهل الكيان؟

    ٣- لماذا تتجاهل واشنطن قرار العدو باحتلال غزة وتهجير أهلها؟

    ٤- هل تكون غزة مقبرة للغزاة وتعيد طوفان الأقصى إلى الواجهة؟

    د. نزيه منصور

  • زيارة لاريجاني إلى لبنان: قراءة في أبعاد الدور الإيراني الداعم للاستقرار الإقليمي

    حسين مرتضى

     

     

    في مشهد إقليمي معقّد يضجّ بالتوترات والصراعات المفتوحة، شكّلت زيارة أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى بيروت حدثاً سياسياً يتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي التقليدي. فالزيارة جاءت في لحظة سياسية دقيقة بالنسبة للبنان، حيث تتفاعل الضغوط الخارجية والداخلية حول ملف سلاح المقاومة، في ظلّ محاولات أميركية وحلفاء إقليميين لإعادة صياغة التوازنات السياسية في هذا البلد.

    إلّا أنّ الرسائل التي حملها لاريجاني أوضحت أنّ إيران تسعى ـ من موقعها ـ إلى ترسيخ مقاربة مختلفة، تقوم على دعم الاستقرار ومنع انزلاق لبنان إلى أتون الفوضى.

     

    المقاومة كركيزة للاستقلال والسيادة

     

     

    من أبرز المحاور التي طغت على خطاب لاريجاني في بيروت التأكيد على أنّ المقاومة اللبنانية ليست ملفاً داخلياً صرفاً، بل عنصراً أساسياً من عناصر الحصانة الوطنية في مواجهة التهديدات الخارجية.

    القراءة الإيرانية ترى أنّ أيّ محاولة لانتزاع هذا الدور أو تهميشه لن تقتصر على إضعاف حزب الله كفاعل سياسي ـ عسكري، بل ستعني في جوهرها تعريض لبنان برمّته لهشاشة استراتيجية أمام «إسرائيل». ومن هنا، فإنّ موقف طهران لا يعبّر عن تدخل في تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية بقدر ما يعكس رؤية أوسع تعتبر الحفاظ على قدرة الردع اللبنانية مصلحة وطنية وإقليمية في آن واحد.

     

    الدبلوماسية الأمنية:
منع الانزلاق نحو الفوضى

     

     

    زيارة لاريجاني، وهي ثاني مهمة خارجية له بعد توليه منصبه، تعكس انتقالاً نوعياً في السياسة الإيرانية تجاه لبنان، عنوانه الجمع بين الدبلوماسية التقليدية ومقاربات الأمن القومي.

    إيران تدرك أنّ الساحة اللبنانية حساسة وقابلة للاشتعال، وأنّ أيّ تفجير داخلي لن يبقى محصوراً في حدود لبنان، بل سيتسرّب إلى المنطقة بأسرها. لذلك جاءت زيارة لاريجاني بمثابة مبادرة وقائية هدفها إغلاق الباب أمام السيناريوات التي قد تدفع لبنان إلى صراعات داخلية مدمّرة. هذا البعد الوقائي يوضح أنّ الدور الإيراني لا يقتصر على دعم طرف على حساب آخر، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة صون وحدة لبنان واستقراره.

     

    لبنان في قلب 
المعادلات الإقليمية الكبرى

     

     

    الملف اللبناني بالنسبة لإيران ليس معزولاً عن السياق الإقليمي الأوسع. فزيارة لاريجاني حملت رسائل مرتبطة بالحرب المستمرة في غزة، وبمسار التطبيع العربي ـ الإسرائيلي، وبالترتيبات الأمنية الجديدة التي تحاول بعض القوى الدولية فرضها في الشرق الأوسط.

    في هذا السياق، تعاطت طهران مع لبنان باعتباره نقطة ارتكاز بين محور المقاومة والتجاذبات الجيوسياسية، ما يجعله جزءاً لا يتجزأ من معركة إعادة رسم الخريطة الإقليمية. دعم إيران للبنان لا يُقرأ فقط في بعده الثنائي، بل أيضاً في بعده الاستراتيجي الذي يحمي موقع لبنان ضمن التوازنات الكبرى.

     

    استراتيجية إيرانية جديدة:
الحضور بدل الانكفاء

     

     

    اختيار لبنان كإحدى أولى محطات لاريجاني الخارجية يرمز إلى أنّ طهران قرّرت اعتماد مقاربة جديدة في سياستها الإقليمية. ففي مواجهة الضغوط والعقوبات، لم تختر إيران الانكفاء أو الانسحاب، بل تعمّدت إبراز حضورها وتفعيل شراكاتها مع الدول الحليفة.

    هذه الاستراتيجية الجديدة تقوم على مبدأ الموازنة الإيجابية: أيّ ترسيخ النفوذ الإقليمي عبر الحوار وتعزيز التحالفات، بدل الدخول في مواجهات مباشرة أو الاكتفاء بردود الأفعال. من هنا، تحضر إيران في لبنان ليس كقوة فرض أو إملاء، بل كطرف داعم يعرض شراكة تقوم على حماية السيادة الوطنية وصون التوازن الداخلي.

    في الختام فإنّ زيارة لاريجاني إلى بيروت لا يمكن قراءتها كحدث منفصل، بل كجزء من استراتيجية إيرانية متكاملة تهدف إلى تثبيت أركان الاستقرار في منطقة تواجه مشاريع إعادة تشكيل قسرية من الخارج.

    إيران، عبر هذه الزيارة، قدّمت نفسها كقوة داعمة للاستقلال اللبناني، محذّرة من كلفة أيّ محاولة لإقصاء مكوّن وطني فاعل أو تهميشه. كما بعثت برسالة إلى المجتمع الدولي أنّ مقاربة الاستقرار لا يمكن أن تُبنى على فرض معادلات أحادية أو على إضعاف عناصر القوة الداخلية للشعوب.

    وبذلك، يمكن القول إنّ لاريجاني في بيروت لم يكن مجرّد مبعوث سياسي، بل حامل لرسالة مفادها: إيران باقية في قلب المعادلات الإقليمية، ولكن كقوة توازن، وداعم لشركائها، وسند لاستقرار المنطقة بأسرها…

  • حين يصبح الإعلام هدفًا… تسقط الأخلاق قبل الضحية

    بقلم : فاطمة يوسف بصل.

    لم تكن الكلمة يومًا محايدة حين يتعلّق الأمر بالحق. فالإعلام الحقيقي لا يقف على الحياد بين القاتل والضحية، ولا بين المحتل والمقاوِم، ولا بين الظالم والمظلوم.من هنا، كان لا بد أن يتحول الإعلام — في زمن الفظائع — إلى هدف. لكن حين يصبح الإعلام هدفًا، لا تُستهدف فقط العدسة أو الميكروفون، بل تُستهدف الحقيقة نفسها.تُخنق الكلمة قبل أن تُولد، ويُدفن الضوء قبل أن يُسلّط على الظلام. وهنا، لا يسقط الصحفي وحده، بل تسقط منظومة الأخلاق العالمية أمام عيون مفتوحة وعالم أصمّ.جريمة تتكرر… وصمت يتواطأمن فلسطين إلى العراق، ومن سوريا إلى السودان، طالما كان الإعلام الحر أول من يُقصَف، وآخر من يُذكر.وفي غزة، في 11 أغسطس 2025، قُتل الصحفي أنس الشريف، مراسل الجزيرة، خلال غارة استهدفت خيمة إعلامية قرب مستشفى الشفاء. كانت تلك الخيمة مساحة محايدة للصحفيين، ومعروفة لدى الجميع، لكن ذلك لم يمنع القصف.كتب أنس قبل استشهاده: “إن وصلتكم كلماتي، فاعلموا أن إسرائيل قد قتلتني وأرادت إسكات صوتي.” لكنه لم يسكت. تحوّلت كلماته إلى مرآة دامية في وجه كل من يدّعي احترام حرية الصحافة.أنس لم يكن الأول. قائمة الشهداء من الصحفيين تطول:- شيرين أبو عاقلة،- ياسر مرتجى،- أحمد أبو حسين،- وغيرهم العشرات، ممن حملوا الكاميرا على كتف، والضمير على الكتف الآخر.الإعلام المقاوم… هدف معلن للاحتلالالإعلام المقاوم لا ينقل الخبر فقط، بل يفضح الجريمة، ويوثق الانتهاك، ويمنع تزوير الرواية. ولذلك يُخشى. يُستهدف. يُشيطن.حين تكون الكلمة مقاومة، تُعامل كما لو كانت طلقة. وحين يكون الميكروفون شاهدًا، يُكسر كما تُكسر العظام.ومع كل شهيد إعلامي، تكتمل صورة: أن العدو لا يخشى السلاح فقط، بل يخشى الحقيقة أكثر.القانون الدولي… حبر على ورق؟تنصّ اتفاقيات جنيف على حماية الصحفيين في النزاعات، باعتبارهم مدنيين. وتنص المادة 79 من البروتوكول الأول على واجب احترامهم وعدم استهدافهم، ما داموا لا يشاركون في القتال.لكن رغم كل القوانين، لا محاسبة حقيقية. لم يُحاسب قاتل شيرين. لم يُحاسب قاتلو أنس. ولن يُحاسب أحد طالما أن العالم يكيل بمكيالين.المنظمات الحقوقية الدولية، من “مراسلون بلا حدود” إلى “العفو الدولية”، توثّق الجرائم، وترفع التقارير، وتدين… لكن من يُنصت؟ من يُحاكم دولة فوق القانون؟ ومن يجرؤ على محاسبة من يبرر القتل بذريعة “الأمن”؟!رغم كل شيء… الصوت لا يموتالصحافة الحقيقية تُغتال جسديًا، لكنها لا تُمحى. وكل عدسة تنكسر، تولد خلفها عشرات العدسات. وكل صوت يُخرس، يُنبِت ألف صوت.إن اغتيال الإعلام ليس فقط جريمة أخلاقية وإنسانية، بل اختبار حيّ للعالم: هل ما زال هناك من يملك شجاعة الانتصار للحقيقة؟ هل هناك من يرى أن الدماء على السترات الصحفية ليست أرقامًا بل رسائل؟حين يُقتل الإعلامي، لا تسقط الكلمة… بل تنبت جذورها في وجدان من تبقى. لأن المهنة التي تبدأ بشهادة الحق، لا يمكن أن تموت برصاصة.حين يصبح الإعلام هدفًا… لا يسقط الصحفي فقط، بل تسقط الإنسانية معه.والعار لا يغتسل … ولو مرت عليه كل بيانات الإدانة.

  • إسرائيل من الداخل انقسامات عميقة وأزمات بنيوية تهدد بقاء الكيان الصهيوني.

    كتب إسماعيل النجار

    في ظل الحرب الدموية المستمرة على غزة، والتطورات المتلاحقة التي تعصف بالمنطقة، تتصاعد مؤشرات التصدّع داخل إسرائيل بشكل غير مسبوق، وسط انقسامات داخلية وأزمات بنيوية باتت تهدد كيانها الداخلي. لم يعد التهديد فقط خارجيًا كما كان يروّج الخطاب الرسمي الإسرائيلي، بل أصبح الانفجار الداخلي المحتمل يمثل أحد أخطر السيناريوهات التي تلوح في الأفق.

    ولأسباب كثيرة أولًها أن المجتمع الإسرائيلي فسيفساء من التناقضات

    ورغم ما يُروّج له من وحدة وتماسك، فإن المجتمع الإسرائيلي يرزح تحت وطأة انقسامات حادة ومتجذرة،

    والصراع اليهودي العربي داخل الخط الأخضر؟ حيث يشكّل الفلسطينيون داخل أراضي 1948 نحو 20% من السكان، لكنهم يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية، ويواجهون سياسات تمييز ممنهجة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. المدن المختلطة كيافا واللد والرملة باتت مسرحًا دائمًا للتوتر، وسط فشل الدولة في دمج هذه الشريحة بشكل عادل، ما ينذر بانفجارات اجتماعية قريبة. هذه الفجوة المتفاقمة تُفجّر صراعات مستمرة حول شكل الدولة، وطابعها، ومصيرها.

    الأشكناز والسفارديم: تمييز طبقي موروث لا تزال الفجوات قائمة بين اليهود ذوي الأصول الغربية (الأشكناز) ونظرائهم الشرقيين (السفارديم)، وهو ما ينعكس في التمثيل السياسي، والتعليم، وسوق العمل، ويؤجج الإحساس بالغبن والتمييز داخل الطبقات الوسطى والدنيا من اليهود الشرقيين. خلق أزمة سياسية ودستورية مزمنة. خاضت إسرائيل خمس جولات انتخابية في غضون أقل من أربع سنوات، دون قدرة على تشكيل حكومات مستقرة. النزاع بين السلطتين القضائية والتنفيذية بلغ ذروته في 2023، بعد أن سعت حكومة نتنياهو إلى تقويض صلاحيات المحكمة العليا، وهو ما فجّر احتجاجات غير مسبوقة شملت مئات الآلاف من المتظاهرين في شوارع تل أبيب.

    ما يجري ليس مجرد خلاف قانوني، بل صراع وجودي حول هوية الدولة: هل هي ديمقراطية ليبرالية أم دولة شريعة دينية؟ وهل ستظل دولة مؤسسات، أم تنزلق إلى حكم الفرد واليمين المتطرف وفقدان الثقة بالجيش والمؤسسة الأمنية.

    الهجوم المباغت الذي نفذته المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر 2023 (عملية “طوفان الأقصى”) كان زلزالًا ضرب منظومة الأمن الإسرائيلي. فشل استخباراتي وعسكري مدوٍّ، كشف هشاشة المؤسسة التي طالما تغنّت بتفوقها. وشكل صدمة في الداخل الإسرائيلي لم تكن فقط بسبب الضحايا، بل بسبب انهيار صورة “الجيش الذي لا يُقهر”. ومع تكرار الفشل في استعادة الجنود والرهائن، وامتداد الحرب، تتآكل الثقة تدريجيًا، ويتزايد الإحباط في صفوف الجنود والمجندين الاحتياط.

    وأزمة اقتصادية واجتماعية خانقة

    دخل خلالها الاقتصاد الإسرائيلي نفقًا مظلمًا مع استمرار الحرب على غزة، وتضرر سلاسل الإمداد، وتراجع الاستثمارات، وانخفاض قيمة العملة. تصاعدت معدلات البطالة، وتزايدت الفجوات الاجتماعية، خاصة في الأوساط الحريدية والعربية.

    في هذا السياق، باتت شريحة واسعة من الإسرائيليين ترى مستقبلًا قاتمًا، وسط تصاعد هجرة العقول والشباب إلى الخارج بحثًا عن الأمن والإستقرار في ظل أزمة الهوية ودولة من دون تعريف واضح هل إسرائيل دولة لليهود فقط؟ أم دولة لكل مواطنيها؟ هذا السؤال لم يُحسم منذ إعلان “قيام الدولة” عام 1948. فمع تمرير “قانون القومية” عام 2018، تعزز الطابع اليهودي للدولة على حساب طابعها الديمقراطي. هذا الغموض في الهوية يُسهم في تعميق الصراعات الداخلية، ويضعف الروابط بين الجاليات اليهودية العالمية وإسرائيل، خاصة بين يهود أميركا الذين يرفضون المشروع الاستيطاني ويتعاطفون بشكل متزايد مع حقوق الفلسطينيين.

    ناهيك عن التهديد الديموغرافي الفلسطيني الذي أصبح قنبلة موقوتة في فلسطين أل ٤٨. حيث تُظهر الإحصائيات أن الفلسطينيين بين النهر والبحر باتوا يعادلون أو يتفوقون عدديًا على عدد اليهود. كَون معدل الولادات لدى الفلسطينيين أعلى بكثير من اليهود، ما يُنذر بتغير جذري في التركيبة السكانية خلال العقود المقبلة.

    هذا الواقع يُثير الذعر داخل المؤسسة الصهيونية، التي ترى في التفوق الديموغرافي الفلسطيني تهديدًا جوهريًا لمفهوم “الدولة اليهودية”.لذلك بدأ التفكير هل يواجه الكيان تهديد وجودي من الداخل؟ إن مجمل هذه التحديات والانقسامات لا تُنبئ بمجرد أزمة عابرة، بل تشير إلى أزمة بنيوية شاملة تهدد تماسك وبقاء الكيان الصهيوني ذاته. فحين تتآكل الثقة بالمؤسسات، وتتصارع مكونات المجتمع، وتُغلق الأبواب أمام حل عادل مع الفلسطينيين، يصبح التفكك الذاتي احتمالًا واقعيًا لا مجرد خيال سياسي.

    قد لا يسقط الكيان الإسرائيلي فجأة، لكنه دخل فعليًا مرحلة التآكل التدريجي، حيث يهدد الداخل ما عجزت عنه الحروب الخارجية.

     

  • الثلاثاء وما أدراك

    الثلاثاء وما أدراك…!

    تتزاحم وسائل الإعلام على عتبة يوم الثلاثاء في الخامس من آب ٢٠٢٥، حيث يعقد مجلس الوزراء جلسة السيادة والاستقلال، يتصدر جدول أعمالها سلاح ٢٥ أيار عام ٢٠٠٠، الذي يقلق العدو ومن خلفه واشنطن التي أصدرت أوامرها لأصحاب الشعارات والعناوين البراقة والتاريخ الأسود والمجازر، وكلفت حكومات الإقليم باستغلال الواقع اللبناني الاقتصادي والمالي وإعادة الإعمار وربط المساعدات بنزع السلاح، حتى بلغ التهديد والوعيد بالاجتياح والقصف الجوي والهجوم البري من عصابات الإرهاب، لدرجة ان يوم الثلاثاء ما قبله يختلف عما بعده، على قاعدة أن البلد أمام خيارين يا أبيض يا أسود ولا رمادي أو بين بين…!

    وصل الأمر بمعظم الكيانات السياسية، إذا جاز التعبير، إلى تبني التوجه الأميركي، وما نشهده من توتير وتهويل يهدفان إلى تحقيق ما فشلوا به في الحرب، أي الحصول عليه بالبهورة والعربدة الإعلامية والحرب النفسية، وهذا ما لم يتحقق مجرد اضغاث أحلام…!

    ينهض مما تقدم، أن البلد على فوهة بركان، والساعة الصفر تبدأ مع صدور بيان مجلس الوزراء وهذا ما لن يتحقق لا من قريب أو بعيد، مهما بلغت حدة بيان الجلسة وقرارات المجلس، خاصة أن تركيبة البلد لا تتحمل المزيد من التفتيت والتفكيك، وأن لا مصلحة لأي فريق العودة إلى سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين وانقسام الجيش على نفسه في ذلك الزمن الأسود، فالواجب الحفاظ على الوحدة الوطنية ووحدة القوى العسكرية والأمنية. واليوم أحوج من اي وقت مضى، فالمنطقة يعاد تركيبها خدمة لما تشتهي واشنطن وتل أبيب والباقي مجرد أدوات

    خدمة لهذا الأمر…!

    وعليه تثار تساؤلات عدة منها:

    ١- هل فعلاً ٥ آب سيكون يوم الفصل؟

    ٢- هل تقرر الحكومة نزع السلاح بالقوة ؟

    ٣- هل عندئذ القرار يكون قابلاً للتنفيذ ؟

    ٤- هل ينفذ الجيش اللبناني بالقوة؟

    د. نزيه منصور

  • الألمان يستيقظون والعرب في سبات…!

     

    تقدّم الألمان بعدد من الشكاوى الجنائية بحق المستشار الألماني فريدريش ميرتس بسبب:

    ١- دعمه وإرسال الأسلحة للكيان الصهيوني بهدف إبادة الشعب الفلسطيني الجماعية في قطاع غزة

    ٢- خرقه الدستور ولا سيما المادتين ٣٥ و٢٦ منه

    ٣- تأييد الكيان حيث قال إن إسرائيل ترتكب الأعمال القذرة نيابةً عنا جميعاً..

    وتتلخص هاتان المادتان بالتزام ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بحماية اللاجئين وتأمين اللجنة وتقديم السلام والتعاون الدولي ورفضها امتلاك الأسلحة النووية والدمار الشامل وتركز على السلام وحقوق الإنسان…!

    اعتمد الشاكون الدستور الألماني في الادعاء على مستشارهم في الدفاع عن الشعب الفلسطيني….!

    في الجانب العربي المؤسف والمحزن، حيث أصحاب السيادة والفخامة في سبات عميق باستثناء ما ندر أمثال الشعب اليمني وقيادته وجيشه وأنصاره وحز.ب الله في لبنان حيث قدموا أغلى ما عندهم….!

    أما مصر أم الدنيا وعاصمة العروبة وشعب المئة مليون، أضحت وسيطاً مع عاصمة الغاز العالمي والعدو والابن العاص على الاستسلام ورفع الراية البيضاء بقرار أميركي ترامبي يفرض ما يشاء وينفذ ما يريد …..!

    فلا الحكومات ولا الشعوب العربية تحركت أسوة بالغرب (الكافر) الذي فرض على العالم إعادة النظر بالكيان الحضاري وعقد مؤتمرات من أجل الاعتراف بدولة فلسطينية عاصمتها القدس حيث تجاوز ١٤٥ دولة من ضمنها فرنسا وبريطانيا والصين أعضاء دائمين في مجلس وتبقى واشنطن العصية والرافضة حتى لوقف إطلاق النار …!

    ينهض مما تقدم، أن الضمير الألماني تعاطف مع الشعب الفلسطيني والمتهم بالهلوكوست وقتل اليهود وتقدم بشكاوى أمام النيابة العامة الألمانية متسلحاً بالدستور الألماني ضد قمة هرم السلطات في ألمانيا، بينما العرب يتعاطون مع إبادة الشعب الفلسطيني في غزة كأنه في ادغال أفريقيا بين حشراتها وزواحفها مما يدفع بالعدو ومن خلفه واشنطن إلى المزيد من القتل والدمار والتهجير….

    وعليه تثار تساؤلات عدة منها:

    ١- لماذا هب الألمان واشتكوا على زعيمهم وأمة العرب في سبات عميق ؟

    ٢- هل تحذو شعوب الغرب بتقديم شكاوى على حكوماتها التي تدعم الكيان؟

    ٣- متى تصحو أمة العرب وتنتفض أسوة بالشعب اليمني العربي الأصيل الذي يتظاهر مع كل جمعة دعماً لفلسطين ؟

    ٤- هل تحقق ١٤٥ دولة التي تعترف نظرياً بدولة فلسطين على أرض الواقع ؟

    د. نزيه منصور

  • علاقة الصين التاريخية بالحركة الصهيونية العالمية وحركات التحرر العربي

    🖋كتب إسماعيل النجار

    علاقة الصين التاريخية بالحركة الصهيونية العالمية وحركات التحرر العربي،
    في ميزان الجغرافيا السياسية لطالما ظلّ الحديث عن العلاقة بين الصين والحركة الصهيونية في طي التعتيم الإعلامي أو التجاهل المقصود في الخطاب العربي، رغم التحولات المتسارعة التي طالت هذه العلاقة منذ منتصف القرن العشرين حتى اليوم. هذه العلاقة إكتسبت أهمية استثنائية في سياق التوازنات الدولية الراهنة، وخاصة مع اشتداد التوتر بين بكين وواشنطن بسبب إنفصال تايوان من جهة، واستمرار الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل من جهة ثانية.
    كان لا بُد لنا أن عليكم نعرض سرداً تاريخياً موضوعياً ومتكاملاً، مدعوماً بالوثائق والمصادر، لتحليل هذه العلاقة المعقدة وأثرها على القضية الفلسطينية.
    اليهود في الصين قبل الصهيونية،وتواجد عابر للتاريخ دون نزعة أي سياسية،جذور التواجد اليهودي في الصين يعود إلى القرن العاشر الميلادي، حين استقرّت مجموعات صغيرة منهم في مدينة كايفنغ. وقد اندمج هؤلاء في المجتمع الصيني تدريجياً، دون أن يظهر لديهم ميل نحو مشروع صهيوني أو قومي.
    في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، استقبلت مدينة شنغهاي قرابة 20,000 لاجئ يهودي هارب من أوروبا النازية، في وقت كانت ترفض فيه القوى الغربية الكبرى استقبالهم بمن فيهم أميركا.وعكس هذا الموقف تعاطفاً إنسانياً من الصين تجاه اليهود الفارين من الموت بسبب حشريتهم وتدخلهم في شؤون الدوَل والشعوب، لكنه لم يتضمن أي بُعد سياسي لصالح الصهيونية.
    _الصين الماوية كانت معادية للصهيونية وداعم قوي لفلسطين، فخلال عهد الزعيم الصيني ماو تسي تونغ (1949-1976)، اتخذت الصين الشعبية موقفاً معادياً بوضوح للحركة الصهيونية العالمية،واعتبرتها شكلاً من أشكال الاستعمار الاستيطاني المدعوم إمبريالياً. دعمت بكين حينها حركات التحرر الوطني العربي والعالمي،ومنها منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت بها رسمياً في عام 1965 وسمحت بفتح مكتب تمثيلي لها على أراضيها.
    خلال حربي 1967 و1973، انحازت الصين إلى العرب والفلسطينيين، وقدّمت دعماً إعلامياً ودبلوماسياً (وأحياناً لوجستياً عبر وسطاء) للمقاومة الفلسطينية. هذا الموقف الراسخ ظلّ ثابتاً حتى نهاية السبعينيات. بداية التحول التدريجي من العداء إلى الشراكة مع إسرائيل!،
    بعد وفاة ماو وبداية إصلاحات دينغ شياو بينغ الاقتصادية في الثمانينيات، بدأت الصين بإعادة صياغة سياساتها الخارجية وفق براغماتية جديدة. وقد أدّى ذلك إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، حيث تم افتتاح مكاتب اتصال غير رسمية في عام 1990، وصولاً إلى الاعتراف الكامل وتبادل السفراء بين البلدين.فبين الحذر التاريخي والمصالح السياسية بين بكين والصهيونية،لم تكن علاقتهم تقليدية أو ثابتة. فمنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، بقيت بكين تتعامل مع القضية الفلسطينية بحذرٍ أيديولوجيٍّ يتماشى مع دعم حركات التحرر الوطني، لكنها في الوقت نفسه لم تُغلق باب العلاقات مع إسرائيل. هذا التوازن الذي تطوّر تدريجياً كشف عن مسارات متعددة بعضها مبدئي، وبعضها الآخر مرتبط بالتحولات الجيوسياسية والمصالح الإقتصادية، الصين واليهود القدماء عبر التاريخ تعود أولى الإشارات إلى وجودهم اليهود إلى عهد أسرة تانغ (القرن الثامن الميلادي)، وتحديدًا في مدينة كايفنغ. هؤلاء لم يكونوا صهاينة ولا مهاجرين سياسيين، بل جاؤوا كتجار واستقروا في ظل أجواء تسامح ديني نسبي في عهد الأسر الإمبراطورية.
    لكنّ هذا الوجود لم يُحدث أثراً سياسيًا، لا على الدولة الصينية ولا على الشعب الصيني، وظلّ محصورًا في نطاق ديني وثقافي محدود. بل إن كثيراً من يهود كايفنغ اندمجوا لاحقًا في المجتمع الصيني حتى ضاعت أصولهم.لأن أيديولوجيا الحزب الشيوعي الصيني لم تستسغ العلاقه معهم بتاتاً،
    منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية على يد ماو تسي تونغ عام 1949، كانت بكين منحازة لفكرة مناهضة الاستعمار والإمبريالية. ولهذا، اعتُبرت الصهيونية مشروعاً استعمارياً غربياً مدعوماً من الإمبريالية البريطانية والأميركية، ومتعارضًا مع حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا. لذلك كان الخطاب الصيني في الستينيات والسبعينيات داعمًا للفلسطينيين صراحة، ورافضًا للصهيونية كمشروع سياسي. وقد وصف الإعلام الصيني آنذاك إسرائيل بأنها “قاعدة استعمارية متقدمة للإمبريالية في الشرق الأوسط، لحين بروز إشارات جيدة توحي بتحسن العلاقات الصينية الإسرائيلية الأمر الذي أدى إلى الاعتراف المتأخر والتقارب الاقتصادي،
    رغم هذا الموقف الأيديولوجي، لم تعترف الصين رسميًا بإسرائيل إلا عام 1992. هذا التأخر يعود إلى علاقات الصين القوية مع منظمة التحرير الفلسطينية، وحركات التحرر العربية، خاصة في الجزائر، وسوريا، ومصر قبل اتفاقيات كامب ديفيد. بعد الاعتراف، بدأت العلاقات التجارية والعسكرية والبحثية بالتوسع.
    وقد استفادت الصين من الخبرات الإسرائيلية في التكنولوجيا، كالزراعة، والأمن السيبراني.
    وتجلّى ذلك في استثمارات إسرائيلية داخل الصين، وكذلك مشاريع إسرائيلية في تطوير أنظمة مراقبة في مدن صينية كـ”شنزن”.لكن الصين، على الرغم من هذا الانفتاح، ظلت متحفظة في المواقف العلنية، ولم تعلن دعمها لإسرائيل في المحافل الدولية خلال الصراعات الكبرى،
    أما عن علاقة الصين بالقضية الفلسطينية ومواقفها الداعمة للفلسطينيين كانت إعلامية دون فاعلية حقيقية، عبر العقود، حافظت الصين على خطابٍ سياسي داعم لحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. كما استقبلت قيادات من منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسهم ياسر عرفات أكثر من مرة.إلا أن هذا الدعم بقي في إطار “الرمزية السياسية”، دون ترجمة حقيقية إلى مبادرات ضغط على إسرائيل أو استخدام النفوذ الاقتصادي الصيني لإجبارها على وقف الاستيطان والمجازر.
    كما لم تمارس الصين دور الوسيط الفاعل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، رغم امتلاكها مقومات دبلوماسية للعب هذا الدور، إلَّا أن حاجتها للنفط والطاقه منعاها من إزعاج السعودية التي كانت تسعى منذ عقود لتصفية القضية الفلسطينية وهو ما يُفسَّر بأنه توازن بين عدم خسارة حلفائها العرب، وبين حماية مصالحها المتنامية مع إسرائيل.
    بعد ٧ أوكتوبر ماذا كان موقف الصين من مجازر غزة؟
    البيانات الرسمية لا تتجاوز الإدانات الدبلوماسية،وفي كل عدوان إسرائيلي على قطاع غزة، تخرج الخارجية الصينية ببيانات “قلق عميق”، تدعو فيها إلى “ضبط النفس”، وتُطالب بوقف العنف من “الجانبين”. لكن هذه البيانات لا تخرج عن دائرة الحياد اللفظي، دون تحميل إسرائيل مسؤولية واضحة عن المجازر، حتى في العدوان الكاسح على غزة عامي 2008، 2014، و2023.
    حتى الإعلام الصيني رغم أنه يعكس أحيانًا صورة تعاطفية مع المدنيين الفلسطينيين، إلا أن الدولة لم تمارس أي ضغط حقيقي في مجلس الأمن لصالح الفلسطينيين، بل امتنعت في حالات عن التصويت ضد إسرائيل.
    خلفيات التحفّظ الصيني معروفه،
    فبكين تخشى من الإسلام السياسي وهي ترى أن دعم حماس المنبثقة عن الإخوان المسلمين قد يشجع الحركات الانفصالية الإسلامية داخل إقليم شينجيانغ.
    وتريد الحفاظ على المصالح الاقتصادية مع إسرائيل، حيث تُعد تل أبيب شريكًا مهمًا في نقل التكنولوجيا للصين، مما يدفع بكين إلى سياسة “عدم الإزعاج”.
    وتنفيذاً لرغبتها بلعب دور عالمي محايد لذلك هي تطرح نفسها كقوة توازن غير منحازة، خصوصاً في صراعات المنطقة.
    البعض راهن على الصين ولكن هل يمكن أن تتغير المواقف في المستقبل؟ وخصوصاً في ظل الصعود العالمي للصين، ومنافستها للولايات المتحدة؟،
    البعض يقرأ أن بكين قد تسعى إلى كسب دعم الشعوب العربية والإسلامية من خلال مواقف أكثر وضوحاً بشأن فلسطين. ومع ذلك، لا مؤشرات عملية حتى الآن على تغير حقيقي في السياسة الصينية بسبب إنحياز العرب لإسرائيل، خاصة وأنها تحرص على عدم الدخول في صدامات حادة في الشرق الأوسط.
    ورغم اللغة الرنانة والحياد الدبلوماسي، فإن الصين لم تمارس دورًا ملموسًا في دعم فلسطين يتناسب مع مكانتها العالمية. علاقة الصين بالصهيونية ظلت في إطار مصلحة متبادلة مع إسرائيل، فيما بقيت العلاقة مع الفلسطينيين رمزية، تخلو من أدوات التأثير الحقيقية. وبينما تنزف غزة، تكتفي بكين بمناشدة الطرفين إلى “الحوار” – وكأن القاتل والضحية سواء!.

     

  • ترامب يصفع ماكرون…!

     

    قبل نهاية سنة ٢٠٢٤، زار الرئيس الفرنسي ماكرون السعودية، والتقى بولي العهد محمد بن سلمان وقررا في بيان مشترك عقد مؤتمر في باريس في شهر حزيران، وأن الاعتراف بدولة فلسطين واجب أخلاقي وضرورة سياسية، وأعلنا أنهما شكلا ثماني مجموعات لحل الدولتين وتستضيف باريس مؤتمراً للمجتمع المدني تحت عنوان “منتدى باريس للسلام”، وتتولى بريطانيا المساعدات الإنسانية وإلى جانبها فرق إعادة الأعمار والاقتصاد لفلسطين وتعزيز احترام القانون الدولي….!

    وبقدرة قادر تم تأجيل المؤتمر إلى شهر أيلول ٢٠٢٥، حيث يعقد اجتماع سنوي تشارك فيه دول الأعضاء ١٩٣ ويتحدث معظم ممثلي الدول…!

    مع العلم، أن المؤتمر الذي تم الاستغناء عنه قد لاقى ردات فعل مؤيدة ورافضة، فمعظم دول العالم تبنت وأيدت واعترفت ومن اهمها إسبانيا والنروج وايرلندا وسلوفينيا والدول العربية، أما أول الرافضين فكانت الولايات المتحدة الأميركية وبلسان رئيسها ترامب لدى سؤاله من الصحافيين في البيت الأبيض عن الاعتراف بدولة فلسطين من قبل الرئيس الفرنسي ماكرون أجاب: لا يهم، هذا التصريح ليس له أهمية ولا فعل له، وكلماته لا وزن لها. ولحق به ناظر خارجيته ماركو روبيو الذي اعتبر أن الإعلان قرار متهور لا يخدم سوى حماس ويعيق السلام، إنه صفعة على وجه ضحايا ٧ أكتوبر…!

    وسبق ل ١٤٩ دولة من أعضاء الجمعية العامة من أصل ١٩٣ وطالبت بوقف إطلاق النار في غزة وعارضت واشنطن مع عدد ضئيل وامتنع البعض منه من دون أية فعالية…!

    ينهض مما تقدم، أن الولايات المتحدة هي العائق الأول أمام قيام دولة فلسطينية رغم أنها هي الضامن لاتفاقية أوسلو ١٩٩٣ التي تضمنت إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بالإضافة إلى دعمها المطلق لكيان العدو في إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان والجولان جزء منه. وأن الرهان على واشنطن في نيل الشعب الفلسطيني حقوقه التاريخية في وطنه وإقامة دولته في ظل الهيمنة الأميركية على العالم وعدم تضامن الأمتين العربية والاسلامية والدول المتضررة منها رهان خاطئ. وتثبت الأحداث أن معظم الأزمات في العالم هي صناعة أميركية ومن يظن أنه بمنأى فهو واهم، لأنها لا تُقيم وزناً للأعراف والمواثيق والاتفاقيات والمعاهدات الدولية وأن اليوم فلسطين وغداً…!

    و عليه تثار تساؤلات عديدة منها:

    ١- لماذا ذهبت باريس والرياض إلى الجمعية العامة ولم تذهب إلى مجلس الأمن؟

    ٢- هل سيستجيب المجتمع الدولي للجمعية العامة للأمم المتحدة وتعلن دولة فلسطين؟

    ٣- في حال تمَّ الإعلان هل سيُطَبَّق على أرض الواقع؟

    ٤- هل صَفَعَ ترامب كل من ماكرون و بِنْ سلمان؟

    د. نزيه منصور

زر الذهاب إلى الأعلى